أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: جامعات بلا كتاب: هل نصنع جيلا يتعلم مِن الملخصات؟

منذ 54 دقيقة
المشاهدات : 14781
أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: جامعات بلا كتاب: هل نصنع جيلا يتعلم مِن الملخصات؟
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

تخيلوا جامعة حديثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى: مبانٍ ذكية، وقاعات مجهزة بأحدث التقنيات، وشاشات تفاعلية، ومنصات إلكترونية متطورة، وتعليم مدمج، وأدوات للذكاء الاصطناعي؛ لكن الطالب فيها يستطيع أن يمضي فصلا دراسيا كاملا، وربما عاما جامعيا كاملا، من دون أن يقرأ كتابا أكاديميا واحدا قراءة متكاملة. قد تبدو الصورة مبالغا فيها، لكنها تقترب، بصمت، من واقع يستحق أن نتوقف عنده بجدية.
فالكتاب الأكاديمي، الذي ظل لعقود أحد المكونات الأساسية للحياة الأكاديمية، بدأ يتراجع في حقائب الطلبة، وفي قوائم مشترياتهم، وفي خطط دور النشر، بل وفي حسابات بعض أعضاء هيئة التدريس الذين يفكرون في التأليف. وأصبحت شكوى الناشرين أكثر وضوحا: الطلب على الكتب الأكاديمية لم يعد كما كان، والطالب أصبح أقل ميلا إلى الشراء، فيما باتت كلفة التأليف والطباعة والتوزيع تجعل نشر الكتاب الأكاديمي مخاطرة اقتصادية يصعب على كثير من دور النشر تحملها.
قد يبدو انسحاب دار نشر من هذا المجال قرارا تجاريا عاديا، لكن المشكلة تبدأ عندما لا يعود الأمر حالة فردية، وإنما يتحول إلى اتجاه متنامٍ. فعندها لا نخسر نسخا مطبوعة فقط، بل تبدأ سلسلة من الخسائر المتتابعة: يقل إقبال الطالب على الكتاب، ويتردد الناشر في طباعته، ويتراجع حافز الأستاذ على تأليفه، فتقل الكتب الحديثة، ويزداد الاعتماد على الملفات المختصرة والعروض التقديمية والمواد المتناثرة. وهكذا ندخل، من دون أن نشعر، في حلقة مفرغة قد تقودنا في النهاية إلى جامعة تمتلك كل أدوات الحداثة، لكنها تفقد واحدة من أهم أدوات بناء العقل: القراءة المتعمقة.
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بعيدا عن التحولات التي شهدها التعليم الجامعي في السنوات الأخيرة. فقد أسهمت جائحة كورونا في تسريع الانتقال إلى التعليم الإلكتروني، وأصبحت المحاضرات الرقمية والعروض التقديمية والملفات الإلكترونية والمنصات التعليمية أدوات ضرورية لاستمرار العملية التعليمية. وقد كان ذلك التحول مهما وضروريا، وفتح أمام الجامعات آفاقا واسعة للتطوير، لكنه أسهم في الوقت نفسه في ترسيخ عادات تعليمية جديدة لدى شريحة من الطلبة. فقد اعتاد كثير من الطلبة الحصول على المادة العلمية في صورة شرائح عرض أو ملفات مختصرة أو أوراق محدودة، ومع الوقت أصبح الكتاب الأكاديمي، في نظر بعضهم، شيئا يمكن الاستغناء عنه ما دام بالإمكان الحصول على محتوى أقل حجما يكفي لاجتياز الامتحان.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فحين يتحول السؤال من «ماذا أقرأ لكي أفهم؟» إلى «ما المطلوب مني في الامتحان؟» فإننا لا نكون أمام تغيير في وسيلة التعلم فقط، وإنما أمام تغيير في فلسفة التعلم نفسها. فالجامعة لا يفترض أن تكون مكانا يقدم للطالب مجموعة من الإجابات الجاهزة التي يحفظها ثم يستعيدها في ورقة الامتحان، بل مؤسسة تدربه على القراءة والتحليل والمقارنة والنقد والاستنتاج وبناء الرأي العلمي المستقل. وإذا أصبح الطالب قادرا على الحصول على علامة جيدة من خلال عشرين أو ثلاثين شريحة، فمن الطبيعي أن يسأل نفسه: لماذا أقرأ كتابا من ثلاثمئة صفحة؟
لهذا فإن المسؤولية لا تقع على الطالب وحده. فالطالب يتكيف في الغالب مع النظام الذي نضعه أمامه؛ فإذا كان الامتحان يقيس ما ورد في الملخص فقط، وإذا كانت المادة التعليمية كلها مختزلة في شرائح، فإن المنظومة نفسها تكون قد بعثت إليه، ربما من دون قصد، رسالة واضحة مفادها أن القراءة الموسعة ليست ضرورية.
الكتاب الأكاديمي الجيد ليس مجرد نص أطول من المحاضرة، ولا تجميعا للمعلومات بين غلافين. إنه بناء معرفي متكامل يضع المفاهيم في سياقها، ويشرح النظريات، ويربط بين الأفكار، ويناقش المدارس الفكرية المختلفة، ويعرض الأمثلة والتطبيقات والحالات الدراسية، ويحيل القارئ إلى مصادر أخرى، ويفتح أمامه أبوابا جديدة للسؤال والبحث. أما العرض التقديمي والملخص فلهما وظيفة مختلفة؛ إذ أنهما أداتان مساعدتان مهمتان في التعليم، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحولان من وسيلة مساندة للكتاب والمراجع إلى بديل كامل عنها. فالطالب الذي يتعلم باستمرار من العناوين المختصرة قد يعتاد التفكير بالعناوين، والذي لا يتعامل إلا مع النصوص القصيرة قد يجد صعوبة متزايدة في قراءة الأفكار المعقدة الممتدة عبر عشرات الصفحات. وفي عالم العمل بعد التخرج، لن يجد دائما مَن يلخص له تقريراً مِن مائة صفحة، أو عقدا قانونيا معقدا، أو دراسة جدوى، أو لائحة تنظيمية، أو تقريرا فنيا قبل أنْ يُطلب منه اتخاذ القرار. ولهذا فإن المسألة تتجاوز نجاح الطالب في مقرر جامعي، إذ أنها تتعلق بنوعية العقل الذي نساعد في تكوينه: هل نريد خريجا يعرف كيف يصل إلى «المعلومة المطلوبة للامتحان» أم خريجا يستطيع التعامل مع المعرفة حين تكون معقدة وطويلة ومتعارضة وتحتاج إلى صبر وتحليل؟
ربما يكون الجانب الأخطر في القضية هو أنّ تراجع شراء الكتب لا ينتهي عند الطالب، بل ينتقل مباشرة إلى صناعة النشر الأكاديمي وإلى عضو هيئة التدريس نفسه. فتأليف كتاب أكاديمي جاد ليس عملا سريعا؛ بل إنه حصيلة شهور، وأحيانا سنوات من القراءة والبحث والتنظيم والمراجعة والتحديث وإعادة الصياغة. والمؤلِّف الجامعي يحاول من خلال كتابه أنْ يحول خبرته العلمية والتدريسية المتراكمة إلى معرفة منظمة يمكن أنْ تنتقل إلى أجيال جديدة من الطلبة.
لكن ماذا يحدث إذا انتهى الأستاذ مِن هذا الجهد ثم اكتشف أنّ الناشر لا يرغب في نشر الكتاب لأن الطلب المتوقع عليه ضعيف؟ وماذا يحدث إذا أصبح المؤلِّف مطالَبا بتحمل جزء كبير مِن تكاليف الطباعة، أو إذا انتشرت نسخة إلكترونية مصورة مِن كتابه بعد أيام مِن صدوره، فأصبح ما أمضى سنوات في إعداده متداوَلا مجانا؟ النتيجة المتوقعة هي تراجع الحافز على التأليف.
ومِن هنا تظهر خطورة الحلقة التي لا ينبغي أن ننظر إلى عناصرها منفصلة: الطالب لا يشتري، فيتردد الناشر في النشر ولا ينشر، فيتردد الأستاذ في التأليف؛ وحين يقل التأليف، تقل الكتب الأكاديمية الحديثة، فيلجأ الطالب أكثر إلى الملخصات والمواد المتفرقة. ومع استمرار هذه الدائرة، تتحول أزمة سوق الكتاب تدريجيا إلى أزمة في إنتاج المعرفة نفسها.
قد لا نشعر بخطورة ذلك في سنة أو سنتين، لأنها أزمة بطيئة التكوين. يبدأ الأمر بخفض عدد النسخ المطبوعة، ثم تتوقف دار نشر عن استقبال الكتب الأكاديمية، ثم يؤجل أستاذ مشروع كتاب كان يفكر فيه، ثم يصبح الاعتماد على الملفات الإلكترونية المتفرقة أكثر شيوعا. وبعد سنوات سنكتشف أن المكتبات الجامعية تستقبل عدداً أقل مِن المؤلفات الحديثة، وأنّ جزءاً كبيراً مِن الخبرة العلمية المتراكمة لدى الأساتذة لم يتحول إلى كتب يمكن أنْ تستفيد منها الأجيال التالية. وهنا تكمن خسارة لا تستطيع الأرقام التجارية قياسها. فالجامعة التي يقل فيها التأليف لا تنتج كتبا أقل فحسب، بل تخاطر بأنْ تنتج معرفة أقل أيضاً. والأستاذ الجامعي لا ينبغي أنْ يظل مجرد ناقل لما كتبه الآخرون؛ فالجامعة الحقيقية هي التي تضيف إلى المعرفة، وتنتج مراجعها وكتبها، وتوثق خبرات أساتذتها، وتترك بصمتها العلمية والفكرية.
قد يعترض البعض بالقول إنّ الكتاب الورقي أصبح جزءاً مِن الماضي، وإنّ الطالب المعاصر يعيش في بيئة رقمية ويحتاج إلى محتوى يناسبها. وهذا الاعتراض صحيح جزئياً، لكنه لا يمس جوهر المشكلة. فالكتاب الإلكتروني يمكن أنْ يكون بديلاً ممتازاً للكتاب الورقي، بل قد يكون أكثر مرونة، وأقل تكلفة، وأسهل في التحديث والوصول. لكن الكتاب الإلكتروني الحقيقي يظل كتابا: له بنية واضحة، وفصول مترابطة، وتسلسل معرفي، ومراجع، ومحتوى متكامل.
وبالتالي، فإنّ المشكلة إذن ليست في انتقال الكتاب مِن الورق إلى الشاشة، وإنما في اختفاء «فكرة الكتاب» نفسها لمصلحة معرفةٍ مبعثرة بين ملفات وشرائح وصور ومقتطفات. ولهذا فإن المعركة ليست بين الورقي والرقمي، وإنما بين المعرفة المنظمة والمعرفة المبعثرة، وبين القراءة المتعمقة والاستهلاك السريع للمعلومات. ويمكن للجامعة أنْ تكون رقمية بالكامل، وأنْ توفر كتباً إلكترونية تفاعلية حديثة، مِن دون أنْ تتخلى عن القراءة أو عن البناء المعرفي المتكامل. فالتحول الرقمي الحقيقي ينبغي أنْ يجعل المعرفة أكثر وصولا وتفاعلا وحداثة، لا أن يجعلها أقل عمقا.
مِن السهل أنْ ينظر الطالب إلى شراء الكتاب مِن زاوية التكلفة المباشرة. وقد يشعر بأنه يوفر المال حين يحصل على ملخص أو نسخة مصورة، وقد ينجح بالفعل في الامتحان مِن دون شراء الكتاب؛ لكن المكسب القصير قد يخفي وراءه خسارة أكثر عمقا. فالقراءة الطويلة لا تمنح الطالب المعلومات فقط، وإنما تدربه على التركيز، وبناء الدليل، وتتبع الأفكار، وفهم العلاقات بينها، والتمييز بين الرأي والدليل، وتطوير اللغة والقدرة على التعبير. والطالب الذي لا يقرأ نصوصاً متماسكة وممتدة سيجد صعوبة أكبر في أنْ يكتب بحثاً متماسكاً، أو تقريراً جيداً، أو رسالة جامعية رصينة.
القراءة والكتابة وجهان لعملية واحدة؛ ومَن لا يرى كيف تُبنى الفكرة والدليل في الكتب والدراسات، يصعب عليه أنْ ينتجها بنفسه. وهذا الجانب يصبح أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي. فالطالب يستطيع اليوم الحصول خلال ثوانٍ على تلخيص موضوع، أو تبسيط نظرية، أو إجابة عن سؤال. وهذه الأدوات تمثل فرصة هائلة إذا استُخدمت لتوسيع الفهم، ومقارنة الأفكار، وشرح النصوص الصعبة، والوصول إلى مصادر جديدة. لكنها تصبح مشكلة عندما تُستخدم بديلاً دائماً عن قراءة النص الأصلي. فالخطر ليس في الذكاء الاصطناعي، كما لم يكن مِن قبل في العرض التقديمي أو الكتاب الإلكتروني؛ الخطر في أنْ تتحول أدوات المساعدة إلى أدوات تعفينا مِن بذل الجهد العقلي. وإذا وصلنا إلى طالب لا يقرأ الكتاب، ويعتمد على الملخص، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي لتلخيص الملخص، يصبح مِن المشروع أن نسأل: ما الجزء الذي بقي للطالب نفسه مِن عملية التعلم؟
ولا يمكن الحديث عن مستقبل الكتاب الأكاديمي مِن دون التوقف عند حقوق الملكية الفكرية. فتحويل الكتب إلى ملفات إلكترونية مصورة وتداولها مِن دون إذنٍ قد يبدو لدى البعض شكلا مِن أشكال «مساعدة الطلبة» لكنه يحمل نتائج خطيرة على المدى الطويل. فالناشر الذي يتحمل تكاليف التحرير والتصميم والطباعة والتوزيع لا يستطيع الاستمرار إذا أصبح المنتَج متاحا مجانا بعد صدوره مباشرة، والمؤلِّف الذي يرى ثمرة سنوات مِن جهده تُتداول مِن دون إذنه أو حصوله على حقوقه سيعيد التفكير حتما قبل أنْ يخوض تجربة التأليف مرة أخرى. وحماية الملكية الفكرية هنا ليست دفاعاً عن المال وحده، وإنما عن الفكر وعن استمرار الإنتاج العلمي. فلا يمكن أنْ نطالب المؤلف بأنْ يؤلف، والناشر بأنْ ينشر، ثم نسمح في الوقت نفسه بتقويض الأساس الاقتصادي الذي يجعل هذا النشاط ممكنا. وفي المقابل، لا ينبغي أنْ تتحول حماية الكتاب إلى تحميل الطالب أعباء مالية غير معقولة. فالحل ليس في إجباره على شراء كتب مرتفعة الثمن، وإنما في إيجاد نماذج أكثر عدالة توفر النسخ الإلكترونية بأسعار مدعومة، وتشجع الشراء الجماعي، وتتيح للجامعات التفاوض مع الناشرين، وتدعم إنشاء منصات أكاديمية رقمية تحفظ حقوق المؤلف والناشر وتضمن للطالب الوصول إلى المحتوى بتكلفة مناسبة.
الكتاب الأكاديمي ليس علاقة تجارية بين الطالب والناشر فقط، ولذلك لا يجوز للجامعات أنْ تقف متفرجة على تراجعه. وإذا كانت الجامعة ترى أنّ الكتاب جزء مِن جودة التعليم، فعليها أنْ تتعامل معه باعتباره جزءا مِن بنيتها الأكاديمية، تماما كما تتعامل مع المختبرات والمنصات والقاعات والتجهيزات. فما قيمة أحدث شاشة في القاعة إذا لم يكن هناك محتوى معرفي عميق يستحق أنْ يُعرض عليها؟ وهذا يتطلب سياسات تشجع أعضاء هيئة التدريس على التأليف، وتمنح الكتاب الأكاديمي الجاد وزنا حقيقيا في أنظمة الحوافز والتقييم الأكاديمي، وتدعم إنشاء دور نشر جامعية محترفة أو منصات وطنية للكتاب الأكاديمي الرقمي، وتوفر صناديق لدعم التأليف والنشر، وتشجع الشراكات مع دور النشر للوصول إلى نماذج مستدامة اقتصاديا.
لكن دعم الكتاب لا يعني الدفاع عن أي كتاب لمجرد أنه كتاب. فالمؤلف أيضاً مسؤول عن تقديم محتوى يستحق وقت الطالب وماله. والكتاب الأكاديمي الحديث ينبغي أنْ يكون حديثا في مراجعه، واضحا في لغته، مرتبطا بالواقع، غنيا بالأمثلة والحالات الدراسية والأسئلة التحليلية، ومستفيدا مِن الإمكانات الرقمية والتفاعلية. فالطالب لن يُقبل على كتاب يكرر المحاضرة فقط، ولا ينبغي أنْ نطالبه بذلك. فقيمة الكتاب تكمن في أنه يأخذه إلى مساحة أوسع مِن الفهم والتفكير مما يمكن أنْ توفره له شرائح المحاضرة.
إنّ تراجع الإقبال على شراء الكتب الجامعية الاكاديمية، وانسحاب الناشرين تدريجيا مِن هذا المجال، ليسا قضية هامشية تخص سوق النشر وحده. إنهما إنذار مبكر بمشكلة قد تمس ثقافة الجامعة نفسها. فعندما يتراجع الكتاب، قد تتراجع معه عادة القراءة الطويلة. وعندما يقل النشر، يضعف الحافز على التأليف. وعندما يضعف التأليف، تفقد الجامعة جزءا مِن قدرتها على حفظ خبرة أساتذتها وتحويلها إلى معرفة متاحة للأجيال القادمة. وعندما يصبح الملخص هو المصدر الأساسي للتعلم، يتحول الطالب تدريجيا مِن باحث عن المعرفة إلى باحث عن أقصر طريق إلى الامتحان. ولهذا لا ينبغي أنْ ننتظر حتى يصبح السؤال في المستقبل: كيف نعيد الكتاب إلى الجامعة؟ بل الأفضل أنْ نتحرك الآن حتى لا يخرج منها أصلا.
نحن لسنا أمام معركة بين كتاب ورقي وشاشة رقمية، ولا أمام صراع بين الماضي والمستقبل. نريد جامعة رقمية، ومنصات ذكية، وكتبا إلكترونية، ومحتوى تفاعليا، وذكاءً اصطناعيا، وكل ما تتيحه التكنولوجيا الحديثة مِن أدوات. لكن هذه الأدوات ينبغي أنْ تساعد الطالب على أنْ يقرأ أكثر، ويفهم أعمق، ويبحث أوسع، لا أنْ توفر له مزيدا من الطرق للهروب مِن القراءة. فالجامعة تستطيع أنْ تشتري أحدث التقنيات خلال أشهر، لكنها تحتاج إلى سنوات كي تبني ثقافة معرفية حقيقية. وتدمير عادة القراءة أسهل بكثير مِن إعادة بنائها. ولهذا فإن إنقاذ الكتاب الأكاديمي ليس دفاعاً عن الورق، ولا حنينا إلى زمن مضى، ولا دفاعا عن مصالح دور النشر. إنه دفاع عن التأليف الجامعي، وعن حقوق المؤلف، وعن صناعة نشر أكاديمي قابلة للاستمرار، وعن ثقافة القراءة، وعن قدرة الجامعة على إنتاج المعرفة بدلا مِن الاكتفاء باستهلاكها.
والسؤال الذي ينبغي أن يقلقنا اليوم ليس فقط: كم طالبا اشترى الكتاب؟ ولا حتى: كم كتاباً أكاديما تم نشره؟ فالسؤال الأهم هو: أي خريج نريد أنْ نصنع؟ هل نريد خريجا اعتاد أن يبحث دائما عمن يختصر له المعرفة، أم إنسانا يستطيع أنْ يفتح كتاباً، أو دراسة، أو تقريراً معقداً، ويقرأ، ويحلل، ويسأل، ويختلف، ويصل إلى استنتاجه بنفسه؟
الكتاب الأكاديمي قد يتغير شكله، وقد ينتقل مِن الورق إلى الشاشة، لكن إذا اختفى مِن حياة الطالب ومِن ثقافة الجامعة، فإننا لن نكون قد خسرنا منتجا ورقيا فحسب؛ بل سنكون قد خسرنا شيئا أساسيا مِن معنى الجامعة نفسها.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم