العقاربة تكتب: الجيش العربي الأردني .. درع الوطن في مواجهة التضليل وحروب الوعي ومشاريع التوطين

منذ 46 دقيقة
المشاهدات : 13130
العقاربة تكتب: الجيش العربي الأردني ..  درع الوطن في مواجهة التضليل وحروب الوعي ومشاريع التوطين
الدكتورة فاطمة العقاربة

الدكتورة فاطمة العقاربة

في زمن لم تعد فيه الحروب تُخاض بالسلاح وحده، ولم تعد حدود الدول تُستهدف بالصواريخ والدبابات فقط، بات الوعي الوطني ساحة مواجهة لا تقل أهمية عن ميادين القتال. فالكلمة المضللة قد تُحدث شرخاً في المجتمع، والشائعة قد تزرع الخوف في النفوس، والخطاب الذي يستثمر في الانقسامات قد يتحول إلى أداة ضغط على الدولة ومؤسساتها، إذا تُرك من دون وعي أو تدقيق أو مسؤولية.


وفي قلب هذه المعادلة، تقف القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي بوصفها مؤسسة وطنية راسخة، ارتبط تاريخها بالدفاع عن الأردن وصون سيادته وحماية أمنه واستقراره، في ظل تحولات إقليمية متسارعة وتحديات تتجاوز مفهوم التهديد العسكري التقليدي إلى ميادين الإعلام الرقمي والحرب النفسية والتأثير في الرأي العام.


فالجيش العربي هو حماية للسيادة وصون الاستقرار لان الدور الوطني
للجيش العربي لا ينفصل عن طبيعة الدولة الأردنية ومصالحها العليا فحماية الحدود، وصون السيادة، والاستعداد لمواجهة الأخطار، تمثل ركائز أساسية في منظومة الأمن الوطني. ودائما تؤكدالقوات المسلحة، في بياناتها الرسمية، ضرورة استقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة وعدم تداول الأخبار غير المؤكدة، بما يعكس أهمية الوعي المجتمعي في التعامل مع التحديات الأمنية.


لكن الأمن الوطني في مفهومه المعاصر لا يقف عند حدود الجغرافيا؛ إذ يمتد إلى حماية المجتمع من التضليل، ورفع مستوى الوعي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات الرسمية، ومواجهة محاولات توظيف الأزمات الإقليمية لإثارة القلق والانقسام داخل المجتمع الأردني. ودائما الخطاب العسكري الأردني يشير حول تحديات الأمن الوطني إلى اتساع هذه التحديات لتشمل الحرب الفكرية والتضليل الإعلامي والجرائم الإلكترونية، إلى جانب الأبعاد العسكرية والاقتصادية والاجتماعية.
فالتضليل الإعلامي معركة تستهدف الوعي قبل المواقف حيث انه
لم تعد الشائعة مجرد خبر كاذب يتناقله الناس فقد تُبنى حولها رواية كاملة، وتُقتطع صورة من سياقها، ويُعاد نشر مقطع قديم على أنه حدث جديد، أو تُنسب تصريحات إلى جهات رسمية لم تصدر عنها، بهدف خلق حالة من الارتباك وفقدان الثقة.
وتزداد خطورة هذه الممارسات حين تتناول قضايا حساسة تتصل بالأمن الوطني والحدود والهوية الأردنية والقضية الفلسطينية. فالمعلومة غير الدقيقة قد تُستثمر لإثارة الخوف، أو تأجيج الخلافات، أو دفع المواطنين إلى تبني مواقف متسرعة قبل التحقق من الوقائع.
ومن هنا، فإن مواجهة التضليل لا تكون بالشعارات وحدها، بل ببناء منظومة متكاملة تقوم على سرعة توضيح الحقائق، ورفع كفاءة الاتصال الرسمي، وتعزيز التربية الإعلامية، ومساءلة من يثبت تعمده نشر معلومات مضللة وفقاً للقانون. كما أن للمواطن دوراً أساسياً؛ فعدم إعادة نشر خبر مجهول المصدر قد يكون موقفاً وطنياً مسؤولاً يحول دون اتساع أثر الشائعة.
فالتوطين والوطن البديل ثوابت لا تحتمل الالتباس
لان القضية الفلسطينية قضية عربية مركزية، ويظل حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على أرضه، وعاصمتها القدس الشرقية، جزءاً أساسياً من الموقف الأردني. وفي المقابل، فإن رفض التهجير القسري والتوطين الذي ينتقص من الحقوق الفلسطينية أو يهدد السيادة الأردنية يمثل موقفاً أردنياً ثابتاً ومعلناً.
وقد جدد جلالة الملك عبدالله الثاني، في شباط 2025، رفض الأردن للتهجير والتوطين والوطن البديل، مؤكداً ثبات الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية.

إن خطورة خطاب التوطين تكمن في أنه قد يُستخدم لتطبيع أفكار تنتقص من حق الفلسطيني في أرضه، أو لتصوير الأردن وكأنه البديل عن الدولة الفلسطينية، أو لإثارة مخاوف المواطنين وتحويل قضية سياسية واستراتيجية إلى مادة للاستقطاب الداخلي.
غير أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب خطاباً وطنياً دقيقاً يميز بين رفض المشاريع التي تمس السيادة والحقوق، وبين الإساءة إلى المواطنين أو التشكيك في انتمائهم بسبب أصولهم. فالأردنيون متساوون أمام القانون، ووحدة المجتمع ليست شعاراً عابراً، بل ضرورة لحماية الدولة وصون السلم الاجتماعي.
ولذلك، فإن التصدي لفكرة الوطن البديل يجب أن يكون واضحاً في ثوابته، حازماً في حماية المصالح الوطنية، ومتماسكاً في لغته؛ فلا يسمح بتمرير مشاريع التهجير، ولا يمنح في الوقت ذاته فرصة لمن يريد تحويل الاختلافات أو الأصول إلى أدوات للفرقة والانقسام.
لان الجيش والمجتمع شراكة في حماية الجبهة الداخلية
لان حماية الجبهة الداخلية مسؤولية وطنية مشتركة، تتكامل فيها أدوار القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمؤسسات الإعلامية والتربوية، مع دور المواطن الواعي الذي يدرك أن استقرار وطنه ليس شأناً يخص مؤسسة بعينها، بل مصلحة تجمع الأردنيين جميعاً.

وتبقى القوات المسلحة الأردنية مؤسسة دفاعية وطنية، فيما تتوزع مهام التحقق الإعلامي وإنفاذ القانون والتعامل مع الجرائم الإلكترونية وفق اختصاصات المؤسسات المعنية. ويقتضي هذا التكامل أن تعمل كل جهة ضمن صلاحياتها القانونية، وأن تكون المعلومة الدقيقة أساس التعامل مع الأحداث، بعيداً عن التهويل والتخوين والأحكام المسبقة.
كما أن تعزيز الثقة بالمؤسسات لا يتحقق بمجرد مطالبة المواطنين بتصديق كل ما يُنشر، بل بتوفير معلومات موثوقة وواضحة، وفتح المجال أمام النقد المسؤول، والتمييز بين الرأي المشروع والتحريض، وبين التساؤل العام المتزن ونشر الادعاءات الكاذبة التي تضر بالأمن أو تنتهك حقوق الآخرين.
لان الوعي الوطنيخط الدفاع الذي لا يُرى
وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في عصر الاتصال المفتوح هو أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لتداول روايات غير موثقة، وأن يصبح الانفعال بديلاً عن التفكير، والاتهام بديلاً عن الدليل، والانقسام بديلاً عن الحوار.
وهنا تبرز أهمية الاستثمار في وعي الشباب، وتعزيز الثقافة الرقمية، وتدريب الإعلاميين على التحقق من الأخبار، وتشجيع المواطنين على العودة إلى المصادر الرسمية والمستقلة الموثوقة، وعدم الانجرار خلف الحسابات المجهولة أو الحملات التي تستهدف إثارة الفتنة.
فالوطن لا يُحمى بالسلاح وحده، وإن كان السلاح ضرورة للدفاع عنه؛ بل يُحمى أيضاً بعقل يدرك، ولسان يتحقق قبل أن ينشر، وإعلام يتحمل مسؤوليته، ومؤسسات تعمل بشفافية، ومجتمع يرفض أن يكون أداة في أي حملة تضليل.
فالأردن دولة راسخة وشعب يدرك مسؤولياته

سيبقى الجيش العربي عنواناً للدفاع عن الأردن وسيادته، وستبقى عقيدته الوطنية مرتبطة بحماية الوطن وأرضه ومصالحه العليا. غير أن قوة الأردن لا تكمن في جاهزية قواته المسلحة وحدها، بل في تماسك مؤسساته، ووعي شعبه، واحترام دستوره وقانونه، وقدرته على مواجهة التحديات من دون التفريط في قيمه الوطنية أو حقوق مواطنيه.

إن مواجهة التضليل ومشاريع التهجير والتوطين لا تستدعي الخوف بقدر ما تستدعي اليقظة، ولا تحتاج إلى خطاب الانقسام بقدر ما تحتاج إلى وحدة وطنية واعية، ولا تُبنى على الشائعات بقدر ما تستند إلى الحقائق والمواقف الرسمية والمصلحة الوطنية العليا.

فالجيش العربي يحمي حدود الوطن، والوعي الوطني يحمي جبهته الداخلية، ووحدة الأردنيين هي الركيزة التي يستند إليها أمن الدولة واستقرارها.
حمى الله الأردن، أرضاً وقيادةً وشعباً وجيشاً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ حق الشعب الفلسطيني في أرضه وحريته ودولته المستقلة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم