الخوالدة يكتب: علم النفس السريري والعلوم الصحية: نحو نموذج أكاديمي متكامل

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7088
 الخوالدة يكتب: علم النفس السريري والعلوم الصحية: نحو نموذج أكاديمي متكامل
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

ربما لم يعد السؤال الأهم في مستقبل علم النفس السريري هو: في أي كلية ينبغي أن يوجد؟ فقد ينشأ البرنامج في كلية للآداب أو العلوم الإنسانية والاجتماعية، فيستفيد من عمقها في الشخصية والسلوك والقياس والنظريات النفسية؛ وقد يوجد في كلية للتربية، فيستفيد من خبرتها في النمو والتعلم والإرشاد والقياس؛ وقد يحتضنه إطار للتمريض أو العلوم الصحية، فيصبح أقرب إلى المريض والمستشفى والمرض المزمن والرعاية متعددة التخصصات. ولكل بيئة أكاديمية ما يمكن أن تضيفه، وربما تكون قوة البرنامج الحقيقية في قدرته على الإفادة من هذه الحقول جميعًا، لا في الانغلاق داخل واحد منها.

فالمريض لا يصل إلى العيادة موزعًا بحسب كليات الجامعة. لا يأتي القلب وحده إلى طبيب القلب، ولا المفصل وحده إلى اختصاصي الروماتيزم، ولا القلق وحده إلى الأخصائي النفسي. يأتي الإنسان كاملًا: بألمه وخوفه ونومه وعلاقاته وأسرته وعمله وتاريخه المرضي وأدويته. ومن هنا يصبح النموذج الحيوي–النفسي–الاجتماعي Biopsychosocial Model أكثر من إطار نظري؛ إنه طريقة في فهم المريض تسمح للعلوم المختلفة بأن تلتقي حول الإنسان نفسه.

ولعل أمراض الألم المزمن تقدم مثالًا واضحًا على ذلك. ففي الألم العضلي الليفي Fibromyalgia قد يعاني المريض ألمًا واسع الانتشار، وإرهاقًا واضطرابًا في النوم وصعوبات في التركيز، مع غياب أذية نسيجية تفسر وحدها شدة المعاناة. وقد تطور فهم هذه الحالات مع مفهوم الألم النوسي-البلاستيكي Nociplastic Pain، الذي يشير إلى تغير في معالجة الألم لا يمكن تفسيره كاملًا بأذية نسيجية واضحة أو بإصابة عصبية تقليدية. وهنا يتعلم المتخصص النفسي درسًا مهمًا: غياب التلف الظاهر لا يعني أن الألم متوهم، كما أن وجود القلق أو الاكتئاب لا يجعل الشكوى الجسدية نفسية المنشأ تلقائيًا.

وفي المقابل، قد يأتي مريض آخر، وخصوصًا بعد سن الخمسين، بألم وتيبس واضحين في حزام الكتفين وربما الوركين، مع تيبس صباحي وارتفاع في مؤشرات الالتهاب مثل ESR وCRP. هنا يصبح التفكير في حالات التهابية مثل ألم العضلات الروماتيزمي Polymyalgia Rheumatica – PMR جزءًا من الصورة الطبية التي ينبغي أن يكون الأخصائي النفسي واعيًا بها، لا كي يشخصها أو يعالجها، بل كي يعرف متى يحتاج المريض إلى تقييم طبي، ومتى ينبغي أن تُقرأ الأعراض ضمن سياق صحي أوسع.

وهذه النقطة مهمة؛ لأن الثقافة الصحية لا توسع نطاق ممارسة الأخصائي النفسي بقدر ما توسع فهمه للمريض. معرفته بأن بعض الأدوية قد تؤثر في النوم والمزاج، أو بأن الألم قد يرتبط بمرض مناعي أو عصبي أو التهابي، تجعله أكثر قدرة على صياغة الحالة بصورة متوازنة، وأكثر استعدادًا للتواصل مع الطبيب والممرض واختصاصي التأهيل عندما تحتاج الحالة إلى ذلك.

والأمر نفسه يظهر في الأمراض المزمنة والمناعية. ففي التهاب المفاصل الروماتويدي، مثلًا، لا تكفي قراءة المرض من زاوية المفصل والالتهاب وحدهما؛ فالألم والإرهاق واضطراب النوم وتراجع القدرة الوظيفية والخوف من المستقبل والقلق والاكتئاب كلها قد تدخل في تجربة المرض. كما أن بعض العلاجات، مثل الغلوكوكورتيكويدات، قد ترتبط لدى بعض المرضى بتغيرات في النوم أو المزاج أو السلوك. ومن هنا تبرز أهمية أن يعمل المتخصصون معًا بدل أن يفسر كل واحد الحالة من نافذته وحدها.

ولهذا فإن اقتراب علم النفس السريري من الطب والتمريض والتأهيل ليس أمرًا طارئًا على التخصص، بل فرصة لتوسيع جودة التعليم والممارسة والبحث. فطالب التمريض يحتاج إلى فهم التواصل العلاجي والصحة النفسية والسلوك الصحي، وطالب العلاج الطبيعي يتعامل مع الألم والخوف من الحركة والدافعية والالتزام بالتأهيل، والطبيب يتعامل مع التشخيص والعلاج والمضاعفات، بينما يأتي علم النفس السريري بأدواته في التقييم النفسي، والمقابلة، وعلم النفس المرضي، وصياغة الحالة، والتدخلات القائمة على الدليل.

وهنا يمكن أن يكون التدريس المشترك واحدًا من أهم أبواب التكامل. فبعض موضوعات الألم المزمن، والصحة النفسية في الأمراض المزمنة، والالتزام العلاجي، والتواصل مع المريض، والتأهيل العصبي، وجودة الحياة، يمكن أن تستفيد من وجود أكثر من تخصص في القاعة نفسها. وقد يكون من المفيد أن يشارك الأخصائي النفسي والطبيب والممرض واختصاصي التأهيل في بعض المحاضرات أو الندوات أو مناقشات الحالات، بحيث يرى الطالب الحالة الواحدة من أكثر من زاوية، ويتعلم مبكرًا لغة الفريق متعدد التخصصات.

وينطبق الأمر نفسه على التدريب. فالتدريب السريري لا ينبغي أن يكون خبرة منعزلة عن بقية المنظومة الصحية. يمكن للطلبة أن يستفيدوا من التعرض المنظم للمستشفيات والعيادات ومراكز التأهيل، ومن مناقشة حالات مشتركة، ومن الإشراف المتبادل في الحدود التي يسمح بها كل تخصص. مثل هذه الخبرات لا تضعف هوية علم النفس السريري، بل تجعلها أكثر واقعية واتصالًا بالمريض الذي سيقابله الخريج بعد ذلك.

أما البحث العلمي، فربما يكون المجال الأوسع للتعاون. فأسئلة مثل العلاقة بين الاكتئاب والالتزام بالعلاج، أو بين الخوف من الحركة ونتائج التأهيل، أو بين الألم المزمن وجودة الحياة، أو بين الأمراض المناعية والنوم والمزاج، أو بين العبء النفسي للمرض وصحة الأسرة ومقدمي الرعاية، لا تنتمي إلى تخصص واحد وحده. وهي موضوعات يمكن أن تجمع باحثين من علم النفس السريري والتمريض والطب والعلاج الطبيعي والصحة العامة والعلوم العصبية في مشاريع مشتركة أكثر قربًا من مشكلات الناس الحقيقية.

ومن هنا لا يبدو من المفيد تحويل النقاش إلى مفاضلة جامدة بين وجود البرنامج في كلية للآداب أو العلوم، أو كلية للتربية، أو كلية للتمريض والعلوم الصحية. فقد تمنح الأولى البرنامج عمقًا نفسيًا ومنهجيًا، والثانية ثراءً نمائيًا وإرشاديًا وقياسيًا، بينما تمنحه البيئة الصحية قربًا أكبر من المريض والمستشفى والبحث السريري. وقد يكون النموذج الأكثر نضجًا هو الذي يستفيد من هذه البيئات كلها عبر التدريس المشترك، والبحث البيني، والتدريب السريري، والشراكات الأكاديمية.

وفي هذا السياق، فإن وجود برنامج لعلم النفس السريري داخل كلية طبية او تمريضية أو بيئة صحية يمكن أن يمثل فرصة مهمة إذا استثمر هذا القرب في التعليم والبحث والتدريب. فقد تنشأ مساقات مشتركة أو ندوات تطبيقية، ومشروعات بحثية في الألم المزمن والصحة النفسية للأمراض المزمنة وجودة الحياة والرعاية التلطيفية والصحة النفسية لمقدمي الرعاية، كما يمكن أن تتسع فرص الإشراف المشترك والعمل البحثي متعدد التخصصات.

وبالمثل، فإن وجود البرنامج في كلية للآداب أو التربية لا ينبغي أن يعني ابتعاده عن المستشفى أو العلوم الصحية؛ فالشراكات المؤسسية تستطيع أن تنقل المريض والعيادة والمختبر إلى قلب العملية التعليمية دون الحاجة إلى إعادة رسم الحدود الإدارية للجامعة. فالعبرة ليست فقط بمكان البرنامج، وإنما بالشبكة الأكاديمية والسريرية التي يستطيع أن يبنيها حول الطالب.

ويبقى من المهم، في الوقت نفسه، التمييز بهدوء بين الانفتاح الأكاديمي وهوية التخصص الدقيق. فالتدريب الإضافي، والبحث المشترك، والتدريس في مجالات متقاطعة، كلها تضيف إلى الأكاديمي وتوسع خبرته، لكنها لا تستلزم إعادة تسمية تخصصه الأصلي. وهذه ليست مسألة إقصاء، بل طريقة لتنظيم التكامل بصورة عادلة: لكل تخصص هويته، ولكل خبرة قيمتها، ثم تأتي الشراكة لتجمعها بدل أن تذيبها.

ولهذا يمكن أن تُقرأ الملفات الأكاديمية بصورة أكثر شمولًا: ما التخصص العام والدقيق؟ ما التكوين النظري والسريري؟ ما نوع التدريب؟ ما الخبرة البحثية والتدريسية؟ وما القدرة على العمل مع التخصصات الأخرى؟ مثل هذه القراءة تسمح للجامعة بأن تستفيد من الخبرات المتنوعة، وتكوّن فرقًا أكاديمية أكثر ثراءً، من دون أن تفقد الدقة في توصيف المؤهلات.

ولعل الأردن والعالم العربي بحاجة إلى الانتقال من منطق «مكان البرنامج» إلى منطق جودة البرنامج وشبكة علاقاته الأكاديمية والسريرية. فالبرنامج القوي هو الذي يعرف هويته، لكنه لا يخشى التعاون؛ يستفيد من الطب والتمريض والتأهيل والتربية والعلوم الاجتماعية، ويشاركها بعض التعليم والبحث والتدريب، ويخرج طالبًا يعرف كيف يعمل مع الآخرين لا إلى جوارهم فقط.

فالهدف في النهاية ليس تحويل علم النفس السريري إلى طب، ولا تحويل التمريض أو التأهيل إلى علم نفس، بل بناء مساحة أكاديمية مشتركة يفهم فيها كل تخصص الآخر بصورة أفضل. فكلما فهم الأخصائي النفسي الجسد أكثر، أصبح أكثر دقة في فهم النفس؛ وكلما فهم الفريق الصحي الجوانب النفسية أكثر، أصبح أقرب إلى الإنسان الذي يعيش المرض لا إلى المرض وحده.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم