صرخة في وجه التواطؤ الدولي وقرع لبوصلة الضمير الإنساني قراءة تحليلية استراتيجية معمقة في مضامين خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة بقلم المهندس ثائر عايش مقدادي في هذا التوقيت المفصلي من تاريخ الإنسانية المعاصرة، وتحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة، جاء خطاب حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ليشكل وثيقة سياسية استراتيجية عليا تعري عورات النظام الدولي وتضع قادة العالم وجهاً لوجه أمام مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية والقانونية. لم يكن هذا الخطاب مجرد كلمة دبلوماسية عابرة تُلقى في محفل أممي بروتوكولي، بل كان بمثابة جرس إنذار مدوٍّ يوقظ الضمير العالمي من سباته العميقة، مستهلاً برؤية فلسفية سياسية عميقة ترتكز على مفهوم "الانتباه كمورد جيوسياسي نادر". لقد شخص جلالته بدقة بالغة حالة التبلد التي أصابت المنظومة الدولية جراء طوفان الأزمات المتلاحقة والمتسارعة، حيث تعمد قوى الهيمنة والمصالح تشتيت انتباه الشعوب وتحويل المآساة الإنسانية الكبرى إلى مجرد مادة إعلامية مؤقتة تخضع لأهواء الكاميرات وتتقادم بمرور الوقت حتى يتحول الظلم الفادح إلى واقع مألوف ويصبح التقاعس الدولي سياسة ممنهجة لا تخطئها عين المحلل السياسي المنصف. لقد فكك جلالة الملك بجرأة نادرة استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي المزدوجة، مسقطاً الأقنعة المزيفة عن وجه سياساته العدوانية التي تحاول عبثاً الفصل بين جبهات الصراع في محاولة لتضليل الرأي العام العالمي، مؤكداً بحنكة القائد الخبير أن ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية ليس سوى وجهين لعملة واحدة واستراتيجية استعمارية متكاملة تستهدف في جوهرها محو الوجود الفلسطيني بشتى السبل والوسائل: * في غزة: تتكشف فصول إبادة ممنهجة وتدمير شامل للبنية التحتية وحصار خانق وتجويع متعمد يهدف إلى تقليص مساحة الحياة إلى ما لا يكاد يصل إلى ثلث القطاع، وكل ذلك يمرر تحت غطاء "التدابير المؤقتة" التي تحولت بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني إلى جريمة حرب واضحة المعالم تتمثل في التهجير القسري ومحاولة محو الهوية والوجود. * في الضفة الغربية: تشهد تحولاً عدوانياً جذرياً لا يمكن اختزاله في أحداث عنف عشوائية لمجموعة من المتطرفين، بل هو سياسة دولة وجيش يراقبان بصمت أو يشاركان بشكل علني في توفير الحماية والدعم لقطعان المستوطنين وهم يعيثون فساداً وقتلاً وترهيباً وتدميراً للمنازل والممتلكات بهدف تنفيذ مخطط الضم الفعلي ومصادرة الأراضي. ففي الخطاب كان جلالته يتحدث بصرامة السياسي الذي لا يساوم عما إذا كان هذا السلوك الممنهج يعكس حقاً مبادئ دولة ديمقراطية يحكمها القانون، أم أنه تجسيد فاضح لكيان يسوده شعور مرعب ومطلق بالحصانة والإفلات من العقاب في ظل صمت دولي مخزٍ وتقاعس متعمد لم يعد بالإمكان تفسيره إلا بكونه خياراً سياسياً مقصوداً. ولم يقف الطرح الملكي عند تشخيص الواقع، بل امتد ليدحض بكل قوة الأوهام الكبرى التي تروج لها آلة الدعاية الإسرائيلية أمام المحافل الدولية عبر عدة محاور: * وهم الاستقلال الميداني: والاعتقاد الخاطئ بأن تداعيات الصراع محصورة في جغرافية ضيقة دون أن تمتد لتطال استقرار العالم بأسره عبر تعطيل سلاسل التجارة والطاقة وارتفاع فواتير المعيشة للأسر العادية. * وهم قابلية تغير الموقف الإسرائيلي: الرافض قطعياً لقيام الدولة الفلسطينية والذي يتم تكريسه يومياً على الأرض منذ اتفاق أوسلو عبر التوسع الاستيطاني المستمر. * الوهم الأبدي المتعلق بغياب الشريك العربي للسلام: حيث ذكر جلالته العالم أجمع بأن مبادرة السلام العربية التي أُطلقت عام 2002 ظلت مطروحة على طاولة المفاوضات لأكثر من عقدين من الزمن عارضةً تطبيعاً شاملاً مع سبع وخمسين دولة عربية وإسلامية مقابل السلام العادل، مؤكدةً بذلك أن العقبة التاريخية لم تكن أبداً في غياب الشريك العربي المخلص للسلام، بل في غياب حكومة إسرائيلية تملك الشجاعة والإرادة السياسية لقبوله والاعتراف بحقوق الآخرين. ولم تقتصر الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك على الساحة الفلسطينية، بل انطلقت لتحذر المجتمع الدولي من مغبة التمادي الإسرائيلي وأطماعه الإقليمية التوسعية التي لن تتوقف عند حدود فلسطين، مسلطاً الضوء على المخاطر الجسيمة المتمثلة في التوغلات والانتهاكات المتكررة في الساحة السورية التي تهدد الأمن المائي والمصالح الحيوية لدول الجوار. وفي هذا السياق الجيوسياسي بالغ التعقيد، ارتفع الصوت الأردني مدوياً وحاسماً ليؤكد حقيقة ثابتة لا تقبل التأويل كما لخصتها الرؤية الملكية: «بالنسبة للأردن فالأمر واضح كالشمس: أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي، ولن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا ومياهنا ومصالح شعبنا». وإن أي تهديد لحدودنا أو مقدرات شعبنا سيقابل برد حاسم وإرادة صلبة، فالأردن بقيادته الهاشمية المظفرة لم ولن يشيح بنظره عن التهديدات المحيطة، بل سيبقى الحصن المنيع والدرع المتين في وجه كل من يحاول المساس بسيادته واستقراره. لقد أثبت الأردن، على الدوام، أنه واحة للاستقرار ونموذج فريد للدولة المبدئية التي تقود مسارين وطنيين متوازيين بكفاءة منقطعة النظير؛ فهي تواجه الإرهاب ومخاطر شبكات تهريب المخدرات بحزم عسكري عابر للحدود، وفي الوقت ذاته تبني جسور الشراكة الاقتصادية والصناعية والتجارية من الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط، وتدافع بشراسة عن الوجود والهوية التاريخية للمسيحيين والإسلام في موطنهم الأصلي، حاملة أمانة الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، ومستمرة في دعمها المطلق لصمود الأشقاء الفلسطينيين ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). إن خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني في الجمعية العامة للأمم المتحدة يمثل علامة فارقة في سجل الدبلوماسية العالمية ووثيقة شرف لضمير الإنسانية، إذ يؤكد بوضوح أن القوة العسكرية المفرطة والغطرسة لا يمكن أبداً أن تصنعا سلاماً مستداماً، ولا تطعمان جائعاً، ولا تبنيان مستقبلاً آمناً للشعوب، وأن استعادة هيبة الشرعية الدولية ومؤسساتها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بإعادة بناء الثقة وتطبيق القواعد القانونية بمعايير عادلة بعيداً عن سياسة الكيل بمكيالين. وأمام هذه المواقف التاريخية المشرفة، لا يسعنا إلا أن نرفع أكف الضراعة والابتهال إلى المولى عز وجل، سائلين إياه أن يحفظ قائدنا المفدى، عميد آل بيت النبوة وحامل راية الدفاع عن قضايا الأمة، جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، وأن يكلأه بعين عنايته ورعايته، ويمده بموفور الصحة والعافية وطول العمر، ليظل سنداً منيعاً وذخراً للأمتين العربية والإسلامية، وصوت حق وعدل وسلام في وجه طغيان الظلم وقوى البغي في العالم أجمع. ونسأله سبحانه وتعالى أن يديم على أردننا الغالي أمنه واستقراره ومنعته، وأن يحفظ شعبه الوفي الأبي درعاً حصيناً وسنداً متيناً في وجه كل التحديات والمتغيرات، إنه سميع مجيب الدعاء.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات