رؤية اقتصادية جديدة للعمل البلدي: من إدارة المصروف إلى صناعة القيمة بقلم: بتول عدنان عمر الملكاوي حين نتحدث عن مشاكل المدن، غالبًا ما يبدأ النقاش بالسؤال: كم تحتاج البلدية من المال؟ لكنني أرى أن السؤال الذي يجب أن نبدأ منه في إربد مختلف: كم تستطيع إربد أن تُنتج من مواردها الموجودة أصلًا؟ هذا السؤال لا يعني تحميل المواطن أعباء جديدة، ولا رفع الرسوم، ولا انتظار موازنة أكبر. بل يعني تغيير طريقة التفكير في الاقتصاد البلدي. أن ننظر إلى ممتلكات البلدية، ومرافقها، ومساحاتها، وخدماتها، والطاقة، والنفايات، والمواقف، والأسواق، والفرص الاستثمارية باعتبارها منظومة اقتصادية واحدة يمكن أن تساهم في تمويل المدينة وخدماتها. فإربد ليست مدينة بلا موارد. لكن السؤال الحقيقي هو: هل ندير مواردها كأصول اقتصادية، أم نتعامل مع كل ملف منها بصورة منفصلة؟ ⸻ الأرقام تفرض علينا أن نفكر بطريقة مختلفة بحسب البيانات المنشورة من بلدية إربد الكبرى، بلغت موازنة البلدية لعام 2025 نحو 46.367 مليون دينار، فيما قدرت الإيرادات بنحو 41.6 مليون دينار، وبلغت الرواتب نحو 22.7 مليون دينار، أي ما يقارب نصف الموازنة. كما تظهر بيانات البلدية تفاوتًا بين الإيرادات والنفقات الفعلية في السنوات السابقة. (بلدية اربد الكبرى) وفي ملف النفايات، أوضحت البلدية أن رسوم خدمات النفايات تبلغ نحو 6 ملايين دينار، مقابل تكاليف تصل إلى نحو 13 مليون دينار سنويًا لجمعها ونقلها وتفريغها ودفنها. كما أشارت البلدية إلى أن دراسة جدوى مشروع محطة تدوير النفايات تتوقع وفرًا ماليًا يتراوح بين مليون ومليوني دينار سنويًا. (بلدية اربد الكبرى) وهنا تظهر أمامنا قاعدة اقتصادية بسيطة: كل ملف بلدي يجب ألا يُدرس فقط من زاوية تكلفته، بل أيضًا من زاوية القيمة التي يستطيع إنتاجها أو الوفر الذي يستطيع تحقيقه. ⸻ من هنا تبدأ الفكرة: «محفظة إربد البلدية» أقترح أن تُبنى لإربد محفظة اقتصادية بلدية. ليست بنكًا، وليست صندوقًا ماليًا بالمعنى التقليدي. بل منظومة تجمع كل الأصول والفرص البلدية التي يمكن أن تنتج دخلًا أو تحقق وفرًا ماليًا، ثم تُدار ضمن رؤية اقتصادية واحدة. تضم هذه المحفظة، على سبيل المثال: أراضي البلدية. المباني والأملاك البلدية. الأسواق والمرافق. المواقف. المساحات الإعلانية والتجارية المنظمة. مشاريع الطاقة. إعادة التدوير والنفايات القابلة للاستثمار. المرافق الثقافية والرياضية. الفعاليات والمساحات القابلة للاستثمار. وأي أصل آخر يمكن أن يحقق عائدًا أو وفرًا للمدينة. ثم لا نسأل فقط: ماذا سنفعل بهذا الأصل؟ بل نسأل: ما النموذج الاقتصادي الأفضل لهذا الأصل؟ ⸻ الأصل البلدي لا ينبغي أن يبقى أصلًا ساكنًا إذا كانت البلدية تمتلك أرضًا، فهناك أكثر من خيار. هل تؤجرها؟ هل تدخل بها في شراكة استثمارية؟ هل تقيم عليها مشروعًا خدميًا مدرًا للدخل؟ هل تمنح حق الانتفاع بها وفق القانون؟ هل يمكن أن تتحول إلى مشروع يوفر خدمة للمدينة وفي الوقت نفسه يولد إيرادًا؟ القرار هنا لا ينبغي أن يكون انطباعيًا. بل يجب أن يخضع لدراسة واضحة: قيمة الأصل + تكلفة المشروع + الإيراد المتوقع + فرص العمل + مدة استرداد الاستثمار + الأثر على المدينة. وهنا ننتقل من مجرد إدارة الممتلكات إلى: إدارة الأصول. ⸻ لا أريد من البلدية أن تبني كل شيء بنفسها هذه نقطة أساسية. ليس المطلوب أن تتحمل البلدية وحدها تكلفة المشاريع. بل يمكن أن تكون منظمًا وشريكًا ومحفزًا للاستثمار ضمن الصلاحيات والقوانين الناظمة. فالبلدية لديها أصلًا توجه معلن نحو الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص، وسبق أن ناقشت مشاريع في مجالات متعددة مثل السوق المركزي، والطاقة، والمواقف والمجمعات والخدمات الاستثمارية. (بلدية اربد الكبرى) لكن ما أطرحه هنا هو خطوة إضافية: بدل أن نبحث عن مشروع استثماري منفرد كل مرة، نبحث أولًا عن الخريطة الاقتصادية الكاملة لأصول المدينة. ثم نطرح الفرص الاستثمارية بطريقة واضحة وشفافة أمام المستثمرين. ⸻ ماذا لو أصبح لكل أصل «بطاقة اقتصادية»؟ أقترح أن يحصل كل أصل بلدي قابل للاستثمار على بطاقة اقتصادية تتضمن: * الموقع. * المساحة. * الوضع القانوني. * الاستخدامات الممكنة. * الكلفة التقديرية. * نموذج الشراكة المقترح. * الإيراد المتوقع. * فرص العمل الممكنة. * مدة الانتفاع وفق القانون. * الأثر الخدمي على المنطقة. وبذلك يصبح لدى إربد دليل استثماري حقيقي لأصولها. فالبلدية تعرض الفرصة بوضوح، والمستثمر يقدم التمويل والخبرة والنموذج التشغيلي المناسب، وفق الأطر القانونية والاقتصادية المعتمدة. ⸻ لا نبيع الأصل كي نغطي المصروف هناك فرق كبير بين استثمار الأصل والتخلص من الأصل. إذا كانت البلدية تمتلك أصلًا يمكن أن يولد دخلًا مستمرًا، فيجب أن تكون الأولوية لدراسة كيفية الحفاظ على ملكيته والاستفادة من عائده، وفق القانون. فالبيع قد يوفر مالًا مرة واحدة. أما الاستثمار الجيد فقد ينتج دخلًا لسنوات. ولهذا يجب أن يكون السؤال: كيف نحافظ على أصل إربد ونجعله يعمل؟ لا: كيف نحصل على المال منه مرة واحدة؟ ⸻ النفايات: عندما تتحول المشكلة إلى فرصة اقتصادية هذا النموذج موجود جزئيًا بالفعل في تجربة إربد. فالبلدية سبق أن نفذت مشاريع مرتبطة بفرز النفايات وإنتاج الأسمدة والكرتون، ووصفت مشروع إنتاج الأسمدة بأنه نموذج لتحويل النفايات إلى مصدر مالي، كما أشار تقرير البلدية إلى توفير المشروع فرص عمل للشباب وتخفيف العبء عن المكبات. (بلدية اربد الكبرى) إذن لسنا أمام فكرة نظرية بالكامل. السؤال الآن: كيف نوسع الفكرة؟ كيف نرفع كفاءة الفرز من المصدر؟ كيف نستفيد اقتصاديًا من المواد القابلة للتدوير؟ كيف نقلل كمية النفايات التي تتحمل البلدية كلفة نقلها ودفنها؟ كيف نربط ذلك بفرص عمل للشباب؟ وكيف يتحول الوفر الناتج إلى مورد يمكن توجيهه إلى خدمات أخرى؟ هنا تصبح البيئة جزءًا من الاقتصاد. ⸻ والطاقة نموذج واضح على قيمة «الوفر» البلدية أعلنت أن استبدال وحدات الإنارة بأخرى موفرة للطاقة ساهم في خفض فاتورة الكهرباء بنحو مليون دينار سنويًا، كما أشارت إلى انخفاض في استهلاك الطاقة. (بلدية اربد الكبرى) وهناك أيضًا مشاريع طاقة شمسية أعلنت البلدية أنها تحقق وفورات مالية سنوية. (بلدية اربد الكبرى) هذه ليست مجرد قصة إنارة أو طاقة. إنها قصة إدارة تكلفة. فالمشروع الاقتصادي الناجح ليس بالضرورة هو المشروع الذي يدخل أموالًا جديدة فقط. أحيانًا تكون قيمته في الأموال التي يمنع البلدية من إنفاقها مستقبلًا. وهذا أيضًا عائد اقتصادي. ⸻ كيف نعرف أن المشروع ناجح؟ هنا أرى أن أي مشروع اقتصادي بلدي يجب أن يخضع لمؤشرات واضحة قبل وبعد التنفيذ. قبل المشروع نسأل: كم سيكلف؟ كم سيحقق من إيراد؟ كم سيوفر؟ كم فرصة عمل يمكن أن ينتج؟ متى يمكن استرداد كلفته؟ ما المخاطر؟ وما أثره على المواطن والمدينة؟ وبعد التنفيذ نسأل: هل حقق ما وعد به؟ وإذا لم يحقق: لماذا؟ وما الذي يجب تعديله؟ بهذه الطريقة يصبح الاستثمار البلدي قرارًا مبنيًا على البيانات والقياس، لا مجرد فكرة جميلة على الورق. ⸻ إربد تملك ما هو أهم من المال إربد لا تملك الأراضي والمباني والمرافق فقط. هي مدينة جامعية وتجارية وسكانية، وتملك قاعدة بشرية واسعة، ومؤسسات تعليمية، وحركة شبابية وثقافية، وموقعًا اقتصاديًا مهمًا. وهذا يعني أن الاستثمار في إربد لا يجب أن يقتصر على المباني والمشاريع الإنشائية. يمكن أن يكون الاستثمار في: المعرفة. الشباب. الثقافة. التكنولوجيا. التجارة. الخدمات. والاقتصاد المحلي. ⸻ لا نريد بلدية أغنى على حساب المواطن الهدف من هذه الرؤية ليس زيادة إيرادات البلدية بأي ثمن. بل العكس. الهدف أن تمتلك البلدية موارد أكثر تستطيع من خلالها تقديم خدمات أفضل، دون أن يكون الحل الدائم هو زيادة الأعباء على المواطن. فإذا وفر مشروع الطاقة مليون دينار، فهذه ليست مجرد أرقام في دفاتر الحسابات. وإذا خفض مشروع النفايات كلفة النقل والدفن، فهذا وفر مالي. وإذا نجح استثمار لأرض بلدية، فهذا دخل مستمر. وإذا أدى تنظيم أصل بلدي إلى جذب مشروع خاص، فهذا يعني نشاطًا اقتصاديًا وفرص عمل. وهكذا تتراكم النتائج. ⸻ والسؤال الذي يجب أن نبدأ به اليوم كم تملك إربد من أصول يمكن أن تعمل اقتصاديًا؟ ليس كم تساوي فقط. بل: كم يمكن أن تنتج؟ وما الذي يمنعها من الإنتاج؟ وما النموذج الأفضل لاستثمارها؟ وما الذي يمكن أن يعود على المواطن من هذا الاستثمار؟ هذه، في رأيي، يجب أن تكون بداية النقاش. لأن إربد لا ينبغي أن تبقى مدينة تنتظر أن تأتيها الموارد من الخارج حتى تتحسن خدماتها. بل يجب أن تتعلم كيف تجعل جزءًا من مواردها الموجودة أصلًا يعمل من أجلها. وهنا يبدأ الانتقال الحقيقي: من إدارة المصروف… إلى إدارة القيمة. ومن إدارة الممتلكات… إلى إدارة الأصول. ومن انتظار التمويل… إلى صناعة جزء من التمويل. ومن بلدية تنفق على المدينة… إلى بلدية تستثمر من أجل المدينة. وهذه ليست نهاية الفكرة… بل بداية مشروع اقتصادي كامل لإربد.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات