موفق ابو دلبوح يكتب: خطاب ملكي وضع العالم أمام مرآته

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8998
موفق ابو دلبوح يكتب: خطاب ملكي وضع العالم أمام مرآته
موفق عبدالحليم ابودلبوح

موفق عبدالحليم ابودلبوح

خطاب ملكي وضع العالم أمام مرآته في زمنٍ كثرت فيه البيانات حتى فقدت الكلمات وزنها وتكررت الإدانات حتى كادت تتحول إلى طقسٍ دبلوماسي بلا أثر جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليكسر حالة الاعتياد ويضع العالم أمام الحقيقة بلا تجميل وبلا مواربة وبلا لغة دبلوماسية تخفي جوهر المأساة كان خطاباً أردنياً بامتياز قوياً في منطقه واضحاً في رسالته صريحاً في تشخيصه وثابتاً في الدفاع عن الحق الفلسطيني وعن أمن الأردن ومصالحه وثوابته والأهم أنه لم يكن خطاباً يبحث عن التصفيق بل خطاباً يطالب بالفعل. لقد قال جلالة الملك بوضوح إن المشكلة ليست في غياب القرارات الدولية وإنما في غياب الإرادة التي تنفذها فالعالم كما أشار جلالته يمتلك الأدوات العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزلة الدبلوماسية لكنه حين يتعلق الأمر بإسرائيل كثيراً ما تنتهي القرارات عند حدود الورق وهنا تكمن قوة الرسالة الملكية لا يمكن أن يستمر القانون الدولي بمكيالين ولا يمكن أن تكون العدالة مبدأً يُطبق حين يناسب الأقوياء ويتعطل حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين. لقد تجاوز جلالة الملك في خطابه لغة التوصيف الناعم ودعا إلى تسمية الأشياء بأسمائها فما يحدث في غزة والضفة الغربية وفق ما عرضه جلالته لم يعد يمكن اختزاله في عبارات عامة عن "التوتر" و"التصعيد" بينما تتغير الحقائق على الأرض وتتسع دائرة المعاناة والتهجير والاستيطان وهذه نقطة تستحق التوقف طويلاً فحين تصبح المأساة خبراً يومياً يصبح الخطر الأكبر ليس فقط ما يحدث على الأرض بل أن يعتاد العالم على حدوثه وهذا تحديداً ما حذر منه جلالة الملك أن يتحول المؤقت إلى دائم وأن يصبح غير المقبول مألوفاً وأن تنجح سياسة فرض الأمر الواقع في تغيير الحقيقة قبل أن يتحرك المجتمع الدولي. فغزة ليست رقماً في نشرات الأخبار من أقوى ما حمله الخطاب أنه رفض التعامل مع غزة باعتبارها ملفاً إنسانياً منفصلاً عن جذور الصراع غزة ليست مجرد أرقام للضحايا وليست مشاهد دمار تتصدر الشاشات ثم تختفي من العناوين إنها جزء من قضية شعب وحق في الأرض والحرية والدولة ولهذا شدد جلالة الملك على أن استمرار الحرب وتدمير البنية التحتية المدنية ورفض الانسحاب ومحاولات حصر الفلسطينيين في مساحات ضيقة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد إجراءات عسكرية مؤقتة أما الضفة الغربية فقد وضع جلالته أمام المجتمع الدولي صورة أكثر خطورة الاستيطان ومصادرة الأراضي والعنف والتهجير وتغيير الواقع الجغرافي والسياسي بصورة متدرجة. والرسالة الأردنية هنا واضحة: إذا سمح العالم بتغيير الخريطة بالقوة فلا معنى للحديث عن حل الدولتين ولا عن سلام دائم ولا عن نظام دولي تحكمه القواعد فالأردن لا يهدد... لكنه لا يقبل أن يُختبر فكان خطاب جلالة الملك حاسماً بصورة لا تقبل التأويل لإن الأردن ليس دولة تراقب ما يجري حولها من بعيد فحدوده الشمالية وأمنه المائي واستقراره ومصالح شعبه ليست أوراقاً قابلة للمساومة وقد أكد جلالته صراحة أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن الوطني الأردني وأن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه وهذه ليست لغة تصعيد بل لغة دولة تعرف حدود مسؤولياتها وحقوقها. الأردن الذي اختار الدبلوماسية والحوار والسلام لا ينبغي أن يُفهم اعتداله على أنه ضعف ولا أن تُقرأ عقلانيته على أنها استعداد للتنازل عن مصالحه لإن الدبلوماسية خيار لكنها ليست استسلاماً والاعتدال موقف قوة وليس علامة ضعف لقد آن الأوان للانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من المسكنات السياسية لا تحتاج إلى وقف إطلاق نار مؤقت يعقبه انفجار جديد ولا إلى بيانات قلق جديدة ولا إلى مؤتمرات تنتهي بصورة جماعية ثم يعود الجميع إلى سياساتهم السابقة ما تحتاجه هو إرادة سياسية حقيقية. إرادة توقف دوامة الحرب وتحمي المدنيين وتحفظ حقوق الفلسطينيين وتمنع التهجير وتحول دون ضم الأراضي وتفتح الطريق أمام حل سياسي عادل يقوم على قيام الدولة الفلسطينية بما يضمن الأمن والسلام للجميع. إن تأييدنا لما جاء في خطاب جلالة الملك ليس تأييداً لخطاب سياسي عابر بل تأييد لموقف وطني ثابت الأردن مع السلام لكنه ليس مع سلام بلا عدالة ومع الحوار لكنه ليس مع الحوار الذي يطلب من صاحب الحق أن يتخلى عن حقه ومع القانون الدولي لكنه يرفض أن يتحول القانون إلى نصوص تُقرأ ولا تُنفذ وهنا تحديداً تتجلى قيمة الموقف الأردني ثبات في المبدأ وانفتاح في السياسة ووضوح في المصالح وإصرار على أن يبقى السلام هدفاً لا شعاراً. لقد وضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام مرآته لم يقل إن العالم يجهل ما يحدث بل طرح السؤال الأصعب: ماذا سيفعل العالم بعدما أصبح يعرف؟ وهذا هو جوهر الخطاب فالمشكلة لم تعد في نقص المعلومات ولا في غياب الأدلة ولا في ندرة القرارات المشكلة في الإرادة وإذا كان العالم يريد أن يحافظ على معنى القانون الدولي فعليه أن يثبت أن القانون ليس امتيازاً للأقوياء وإذا كان يريد للسلام أن يعيش فعليه أن يعالج أسباب الصراع لا أن يكتفي بإدارة نتائجه. ذلك هو صوت الأردن صوتٌ لا يبحث عن المعركة لكنه لا يخشى قول الحقيقة وصوتٌ يمد يده للسلام لكنه لا يفرّط بالثوابت وفي عالمٍ يتنافس فيه الجميع على جذب الانتباه جاء خطاب جلالة الملك ليذكّر العالم بحقيقة أكثر أهمية: أن ما نتجاهله اليوم قد يكون هو الذي يصنع كارثة الغد. حمى الله الأردن ومليكنا المفدى وشعبنا العظيم (فإن كان ولا بد نموت ويحيا الوطن) موفق عبدالحليم ابودلبوح
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم