الدكتور جاسر عبد الرزاق النسور يكتب: حين تتعارض الحكومة مع المعارضة: ماذا قدمنا عندما كنا في موقع المسؤولية؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10503
الدكتور جاسر عبد الرزاق النسور يكتب: حين تتعارض الحكومة مع المعارضة: ماذا قدمنا عندما كنا في موقع المسؤولية؟
الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور

الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور

النقد حق مشروع، والمعارضة جزء أصيل من الحياة السياسية، ومراجعة أداء الحكومات مسؤولية وطنية لا خلاف عليها. لكن الإشكالية تبدأ حين يتحول النقد إلى هدف في ذاته، وحين تصبح معارضة الحكومة موقفاً دائماً لا يسأل صاحبه سؤالاً أكثر جوهرية: ماذا أنجزنا نحن عندما كنا في موقع القرار؟
هذا السؤال يفرض نفسه اليوم على بعض رؤساء الحكومات والوزراء والمسؤولين السابقين الذين يمارسون اليوم دور المعارضة أو المراقبة، بعد أن كانوا بالأمس القريب في قلب السلطة، والملفات نفسها مطروحة أمامهم، وأدوات الدولة بأكملها في متناول أيديهم.
من حق أي مسؤول سابق أن ينتقد، ومن حقه أن يختلف في الرأي. لكن من حق المواطن أيضاً أن يتساءل: ماذا فعلتم حين كانت القرارات بيدكم؟
ماذا أنجزتم لمواجهة البطالة؟ ماذا قدمتم لحل أزمة المياه؟ ما هي بصمتكم في الاقتصاد والاستثمار؟ ماذا فعلتم للمحافظات؟ وماذا تبقى من تلك الخطط والبرامج التي أعلنتموها بضجيج إعلامي واسع حين كنتم في مواقع المسؤولية؟
ليست هذه أسئلة للمحاسبة الشخصية، ولا محاولة لإسكات صوت المعارضة، بل هي استحقاقات مشروعة تفرضها المسؤولية العامة. فمن السهل اكتشاف أخطاء الآخرين بعد مغادرة مواقعنا، لكن الأصعب بكثير أن نراجع تجربتنا بصدق، وأن نعترف بجرأة بما أنجزناه وما أخفقنا فيه.
المعارضة الحقيقية ليست رفض كل قرار لمجرد صدوره عن الحكومة، وليست رفع سقف الخطاب السياسي والإعلامي. المعارضة الحقيقية أن تقدم بديلاً، وأن تقول للمواطن بوضوح: هذا ما نراه خطأ، وهذا ما نقترحه، وهذه هي الطريقة التي نرى أنها قادرة على معالجة المشكلة.
المواطن لا يحتاج إلى من يصف له المشكلة فحسب، بل يحتاج إلى من يمد يده بالحل.
من هنا يمكن التمييز بين مدرستين في العمل العام: مدرسة تنشغل بالسجال اليومي وتسجيل المواقف، ومدرسة تضع الإدارة والتنفيذ والنتائج في صدارة المشهد.
في هذا السياق، تبرز ملامح مدرسة الإدارة التنفيذية والإنجاز في تجربة حكومة الدكتور جعفر حسان، حيث يصبح البرنامج والمشروع والمتابعة والتنفيذ جزءاً أساسياً من العمل الحكومي. وهذا لا يعني أن الحكومة فوق النقد، بل يعني أن معيار الحكم عليها يجب أن يكون ما تنجزه وما تقدمه للمواطن، لا مجرد المواقف المؤيدة أو المعارضة لها.
فالحكومة مطالبة بأن تشرح ماذا تفعل، ومتى ستنجزه، وما النتائج التي حققتها. وفي المقابل، فإن من ينتقدها مطالب بأن يقدم بديلاً واضحاً، لا أن يكتفي بتسجيل الملاحظات.
وهنا تتحدد المعادلة:
• الحكومة تُحاسب على الإنجاز.
• والمعارضة تُحاسب على البديل.
• والمسؤول السابق يُحاسب على سجله.
• والجميع أمام المواطن سواء.
الأردن لا يحتاج إلى توسيع مساحة الخصومة بقدر ما يحتاج إلى توسيع مساحة الإنجاز. لا يحتاج إلى حكومة تكتفي بإعلان الخطط، ولا إلى معارضة تكتفي بتعداد الأخطاء. ما نحتاجه هو منافسة حقيقية في الحلول، وفي سرعة التنفيذ، وفي القدرة على تحويل البرامج إلى واقع ملموس.
ملفات البطالة والمياه والاقتصاد والاستثمار والخدمات لا تحتمل أن تبقى مادة للسجال السياسي. هذه ملفات تمس حياة المواطن ومستقبل الدولة، وتحتاج إلى قرارات واضحة وتنفيذ ومتابعة ومساءلة.
لذلك، لا يكفي أن نسأل الحكومة الحالية: ماذا فعلتم؟ بل يجب أن نسأل كل من سبقها أيضاً: ماذا فعلتم عندما كانت الفرصة والقرار والأدوات بين أيديكم؟
المسؤولية العامة لا تنتهي بمجرد مغادرة الموقع، والسجل لا يمحى بمجرد الانتقال إلى موقع المعارضة. ومن حق المواطن أن يقارن بين ما قيل وما تحقق، وبين الوعود والنتائج، وبين النقد الحالي والتجربة السابقة.
في المقابل، فإن الحكومة الحالية لا يمكن أن تطلب حصانة من النقد. فالإنجاز الحقيقي هو الذي يثبت نفسه على الأرض، وأي حكومة يجب أن تبقى تحت المساءلة، مهما كانت برامجها ومشاريعها.
المطلوب في النهاية أن ننتقل من معارضة الأشخاص إلى معارضة السياسات، ومن تسجيل المواقف إلى تقديم البدائل، ومن البحث عن الأخطاء إلى البحث عن الحلول.
وعندما يصبح معيار التنافس هو الإنجاز، يصبح الخلاف السياسي أكثر فائدة، وتصبح المعارضة جزءاً من عملية البناء، وتصبح الحكومة مطالبة دائماً بأن تثبت أن ما تقوله يتحول إلى واقع.
وفي الختام، لن أتوانى لحظة عن نقد حكومة الدكتور جعفر حسان، أو أي حكومة سابقة أو قادمة، بكل جرأة وحزم، حين أرى أن النقد واجب يمليه علي ضميري تجاه الوطن وقيادته الهاشمية.
أنا لا أعترض لأعترض، ولا أنتقد لأخاصم، بل أنتقد لأنني أريد أن نصيب في القادم، وأن نتعلم من أخطائنا، وأن يبقى الوطن دائماً أكبر من الأشخاص والحكومات.
سيبقى الوطن راسخا في نزاهته وشامخاً بقيادته وشعبه
حمى الله الاردن وقيادته وشعبه

الدكتور جاسر عبد الرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وادارة الأزمات
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم