د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: اقتصاد المدينة الأردنية: كيف نترجم التوجيهات الملكية !

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9981
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: اقتصاد المدينة الأردنية: كيف نترجم التوجيهات الملكية !
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

في منطقة لم تمنح أبناءها كثيرًا من الهدوء، وبين حروب وأزمات وتوترات متلاحقة، بقي الأردن يبني؛ وهذه واحدة من علامات الدولة التي تدرك أن صعوبة الجغرافيا لا تصلح ذريعة لتأجيل المستقبل. ومن هنا فإن ترجمة التوجيهات الملكية نحو تنمية المحافظات وتحسين نوعية الحياة وتوسيع الفرص يمكن أن تنتقل من إدارة الطريق والرصيف والخدمة إلى مستوى أعمق: إعادة الاعتبار للمدينة الأردنية باعتبارها وحدة إنتاج اقتصادي واجتماعي، لا مجرد نطاق لتلقي الخدمات. وهذا الاتجاه ينسجم مع ما يتضمنه مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 من توسيع الدور التنموي والاستثماري للبلديات وربط التخطيط الحضري بتحفيز الاقتصاد المحلي. فالمدينة بيت وسوق وحرفة وساحة وذاكرة وفرصة عمل؛ وليس المطلوب الاختيار بين مدينة جديدة ومدينة قائمة، بل أن يسير فتح جغرافيا جديدة للنمو بالتوازي مع إعادة تنشيط المدن التي استثمر الأردن فيها عبر عقود، حتى يصبح تحديث العمران مشروعًا لشبكة المدن الأردنية كلها، لا لموقع واحد مهما بلغت أهميته.

ومن هنا يمكن البدء بإنشاء أحياء نموذجية تشكل نواة لامتدادات حضرية جديدة، تنمو من السردية المكانية والتاريخية للمدينة الأم ولا تُرمى على أطرافها ككتل إسمنتية بلا ذاكرة. فالسلط ليست الكرك، وعجلون ليست المفرق، والعقبة ليست مادبا؛ لكل مدينة حجرها ومناخها وسوقها وذاكرة أهلها. ونحن لا نبحث عن «إسكانات» كثيفة تكرر الوحدات وتضغط على الطرق والخدمات، ولا عن بيوت منفردة متناثرة تستهلك الأرض وتصنع ضواحي ساكنة؛ بل عن حل وسط ذكي: أحياء إنسانية الكثافة تجمع السكن بالحياة والاقتصاد. يكون البناء منخفض الارتفاع هو الأصل، وتدخل الأقواس والقناطر والأفنية والحجر والشبابيك والفنون والرموز المحلية في السردية البصرية بصورة رمزية ومدروسة، من دون استنساخ الماضي أو تحويل التراث إلى ديكور. ويتخلل ذلك فضاء أخضر حقيقي، وأشجار وساحات ومسارات للمشي والدراجات؛ فالمدينة التي تمنح الإنسان مكانًا للمشي والجلوس والالتقاء هي مدينة تبني مجتمعًا، لا عقارات فقط.

وفي قلب هذا النموذج نعيد التنمية إلى خطها الطبيعي في الشارع: المخبز والبقالة والصيدلية والمقهى والمطعم العائلي والخياط والحلاق والحرفي ومتجر المنتج المنزلي، إلى جوار الساحة والمساحة الخضراء والخدمة العامة. وليس المقصود الوقوف في وجه المولات أو الاستثمارات الكبرى، فهي جزء من الاقتصاد، وإنما ألا تصبح هي المسار الوحيد الذي تتجمع فيه التجارة والفرصة ورأس المال. اقتصاد المدينة الصحي يحتاج إلى الكبير والصغير معًا؛ يحتاج استثمارًا كبيرًا يخلق الوظائف، لكنه يحتاج أيضًا إلى مشروع صغير ومتوسط يستطيع شاب أو أسرة أو حرفي أن يدخل منه السوق. فحين تبقى التجارة موزعة على الشوارع والأحياء، ينتقل الإنفاق بين عدد أكبر من الناس، وتتحرك الحرفة، ويجد المنتج المحلي منفذًا، ويبقى جزء أكبر من المال داخل المجتمع. ويمكن للحي أن يضم جامعًا منسجمًا مع هوية المنطقة، ونُزلًا تقليدية صغيرة، وعيادات وخدمات، وأسواقًا موسمية، مع ربطه بالنقل العام. وهنا تتحقق غاية أوسع: توزيع الدينار الاقتصادي والسياحي والتنموي جغرافيًا، وإطالة دورة بقائه داخل الاقتصاد الأردني، بدل أن تتكدس الحركة الاقتصادية في قطاعات محدودة أو مواقع محدودة.

وتزداد أهمية ذلك عند قراءة ما أثاره الوزير الأسبق البروفيسور عادل الطويسي عن الأوضاع الاقتصادية في وادي موسى والبترا، حين نقل عن أحد أصحاب الصيدليات تراجع القدرة الشرائية وانخفاض مبيعات حليب الأطفال إلى نحو النصف في ظل التراجع الحاد للحركة السياحية. والمغزى هنا أوسع من السياحة نفسها: المدينة التي تعيش على رئة اقتصادية واحدة تصبح أكثر هشاشة عندما تصاب تلك الرئة. ولذلك ينبغي أن يكون السكان هم السوق الأول، والمدينة ومحيطها السوق الثاني، والزائر السوق الثالث. ومن هنا يمكن أن تتكامل الأحياء النموذجية مع «حافلة الأردن» لربط المدن والأسواق والمواقع الثقافية والسياحية، ومع تطبيقات وطنية لتسويق منتجات المحافظات، وأسواق موسمية للحرف والمنتجات الزراعية والمنزلية، ومبادرات مدروسة لتنشيط السياحة الداخلية. وهكذا لا يكون الهدف فقط جذب الزائر، بل بناء اقتصاد محلي يستطيع أن يعيش قبل وصوله ويصبح أقوى بوجوده.

أما التنفيذ فلا يتطلب أن تتحول الدولة إلى مقاول يبني البيوت والمحال؛ بل أن تخطط وتجهز وتحمي وتنظم ثم تفسح المجال للناس كي يبنوا ويستثمروا. تختار مواقع محدودة وفق حاجة المدن إلى التوسع وتوفر الأرض وقدرة البنية التحتية، وتضع مخططًا حضريًا وكودًا معماريًا واضحًا للكثافة والارتفاع والاستعمالات والواجهات والفضاءات الخضراء، ثم تهيئ الطرق والمياه والطاقة والصرف والنقل والمساحات العامة، وتطرح القطع والاستثمارات للمواطنين والمستثمرين ضمن هذه القواعد، مع فرص حقيقية لصغار المستثمرين والمشروعات المتوسطة والحرفيين، ومنع الاحتكار والتشوه العمراني. ثم يبدأ نموذج ويُقاس: كلفة البنية، وإشغال المساكن والمحال، وفرص العمل، وحركة السوق، واستخدام النقل والمشي، والمساحات الخضراء، وقدرة الخدمات، وأثر المشروع في أهل المدينة. الفكرة قبل الإنشاء، والتجربة قبل التعميم، والقياس قبل الاحتفال. وحين تنجح النواة وتتكرر بحساب، يعود النمو إلى مساره الطبيعي: شارع فيه حياة، وسوق فيه فرصة، وشجرة تمنح ظلًا، وحرفة تجد مشتريًا، ومشروع صغير يستطيع أن يكبر؛ وهنا تجد المدينة الأردنية روادها وأصدقاءها، من داخل الوطن ومن خارجه؛ يزورونها، ويعودون إليها، وربما يختار بعضهم الإقامة فيها. ومن هذه النقطة يبدأ حديث آخر عن مورد اقتصادي لم نمنحه بعد ما يستحق من التفكير؛ ولنا، بإذن الله، لقاء مع «اقتصاد الإقامة». وعندها تصبح التنمية موزعة على مساحة الوطن، لا محصورة في عنوان واحد.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم