د. زياد جلال الحنفي يكتب: أن يتحدث الذكاء الاصطناعي بالعربية لا يعني بالضرورة أنه يفكر من داخل السياق العربي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 6455
 د. زياد جلال الحنفي يكتب: أن يتحدث الذكاء الاصطناعي بالعربية لا يعني بالضرورة أنه يفكر من داخل السياق العربي
د. زياد جلال الحنفي

د. زياد جلال الحنفي

حين يجيبنا الذكاء الاصطناعي بعربية سليمة، قد يبدو لنا أنه أصبح قريبًا منا، يعرف كلماتنا، ويفهم أسئلتنا، وربما يحدثنا بلهجتنا أيضًا. لكن معرفة اللغة شيء، ومعرفة الناس الذين يتحدثون بها شيء آخر.
فاللغة ليست قاموسًا من الكلمات، وراء كل كلمة حياة وذاكرة وعادات وتجارب صنعت معناها، عندما نقول "العائلة" مثلًا، فنحن لا نتحدث دائمًا عن الأب والأم والأبناء فقط. في حياتنا العربية قد يكون الجد جزءًا من القرار، والعم حاضرًا في المشكلة، والخال حاضرًا في الحل، وحين نقول "الضيف"، فالمعنى ليس مجرد شخص جاء للزيارة، هناك باب يُفتح، وقهوة تُقدَّم، وعبارة "البيت بيتك" التي تحمل معنى أكبر من كلماتها، حتى "إن شاء الله" قد تكون دعاءً، أو أملًا، أو وعدًا، وأحيانًا طريقة لطيفة لعدم قول "لا" مباشرة.
هنا يظهر الفرق بين أن تعرف العربية وأن تعرفنا بالعربية، فالذكاء الاصطناعي يتعلم من المحتوى الذي أنتجه البشر: الكتب والمقالات والأبحاث والمواقع وكل ما تركناه في العالم الرقمي، وكلما كانت ثقافة أكثر حضورًا في هذا المحتوى، كانت أفكارها وتجاربها أكثر حضورًا فيما تتعلمه الآلة، لهذا فإن ضعف المحتوى العربي ليس مجرد نقص في عدد النصوص العربية على الإنترنت، بل قد يكون نقصًا في حضور هويتنا نفسها داخل المعرفة الرقمية.
فالهوية ليست اللغة وحدها، هي قصصنا وذاكرتنا ومدننا ولهجاتنا وعاداتنا وطريقة فهمنا للعائلة والدين والجيرة والنجاح والعمل والتعليم، وإذا لم نكتب نحن هذه التفاصيل ونوثقها، فلن تجدها الآلة بالقدر نفسه الذي تجد فيه تجارب مجتمعات أخرى، وهنا تكمن المفارقة: قد نسأل الذكاء الاصطناعي يومًا عن أنفسنا، فيجيبنا بعربية ممتازة، لكن من معرفة لم نكن نحن من صنع الجزء الأكبر منها.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى التعليم والإعلام والعمل، تصبح المسألة أكثر حساسية. فالطالب لا يأخذ منه معلومة فقط، بل يتلقى أيضًا طريقة في فهمها، والكاتب لا يأخذ كلمات فقط، بل قد يأخذ معها زاوية يرى منها العالم، لذلك فالحفاظ على هويتنا في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعني الخوف منه، بل أن نكون أكثر حضورًا داخله: أن نكتب، ونبحث، ونوثق، وننتج معرفة عربية تعبّر عنا نحن.
فالخطر ليس أن يتوقف الذكاء الاصطناعي عن الحديث بالعربية. الخطر أن يتحدث العربية بطلاقة، بينما تصبح الأفكار التي يحملها أقل شبهًا بنا، ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس: هل أصبح الذكاء الاصطناعي يتحدث العربية؟ بل: حين يتحدث العربية كم يوجد منّا فعلًا فيما يقوله؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم