منذ أكثر من عقدين، يعيش الشرق الأوسط حالة من السيولة السياسية والاستراتيجية غير المسبوقة، حروب تندلع قبل أن تنتهي أخرى، وتحالفات تتغير بسرعة، ودول تتراجع أدوارها بينما تصعد قوى جديدة، وحدود النفوذ تتحرك باستمرار، حتى أصبح من الصعب على أكثر الخبراء خبرة أن يتنبأ بشكل المنطقة بعد سنة واحدة، فكيف بعقد كامل؟
في خضم هذا المشهد المضطرب يقف الأردن في موقع جغرافي وسياسي بالغ الحساسية، فمن الشمال أزمة سورية لم تنتهِ فعلياً رغم تراجع حدتها العسكرية، ومن الشرق عراق ما زال يبحث عن استقراره الكامل، ومن الغرب القضية الفلسطينية التي تدخل مرحلة هي الأخطر منذ عقود، ومن الجنوب بحر من التغيرات الإقليمية والدولية التي لا تكاد تهدأ.
السؤال الذي يواجه الأردنيين اليوم ليس سؤالاً سياسياً مجرداً، بل سؤال وجودي يتعلق بالمستقبل: إلى أين نحن ذاهبون؟
في الأزمات التقليدية يمكن للدول أن تضع خططاً قصيرة ومتوسطة الأجل لأنها تعرف تقريباً شكل النهاية، أما أزمة الشرق الأوسط الحالية فهي مختلفة؛ فلا أحد يعرف متى تنتهي، ولا كيف تنتهي، ولا حتى ما هو شكل النظام الإقليمي الذي سينتج عنها.
فهل نحن أمام شرق أوسط جديد تقوده المصالح الاقتصادية؟ أم أمام مرحلة صراعات طويلة الأمد؟ أم أمام إعادة رسم موازين القوى الإقليمية؟ أم أمام عالم متعدد الأقطاب تتراجع فيه قدرة القوى الكبرى على فرض حلول مستقرة؟ ولا أحد يملك إجابة حاسمة، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الدول الصغيرة والمتوسطة هو انتظار الإجابات من الآخرين.
الأردن بين الجغرافيا والتاريخ: لم يختر الأردن موقعه الجغرافي، لكنه مطالب دائماً بدفع ثمن هذا الموقع أو الاستفادة منه، فالتاريخ الحديث يخبرنا أن الأردن كان غالباً في قلب الأحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة، سواء كانت حروباً أو موجات لجوء أو أزمات اقتصادية أو تحولات سياسية، ومع ذلك فإن التجربة التاريخية الأردنية تكشف حقيقة تستحق التأمل: لقد نجح الأردن غالباً في تجنب الانهيارات الكبرى، لكنه لم ينجح دائماً في تحويل الأزمات الإقليمية إلى فرص تنموية مستدامة، لقد امتلك الأردنيون عبر العقود قدرة عالية على إدارة المخاطر، لكنهم كانوا أقل نجاحاً في إدارة الفرص، وهذه حقيقة يجب ألا نخجل منها، وتحتاج الى مراجعة.
مشكلة الفرص الضائعة: حين ننظر إلى تاريخ المنطقة خلال العقود الخمسة الماضية نجد أن دولاً عديدة استطاعت تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة اقتصادية، بينما بقي الأردن في كثير من الأحيان يركز على إدارة الأزمة أكثر من صناعة المستقبل.
لقد مرت على الأردن فرص مرتبطة بالنقل والتجارة والسياحة والاستثمار والطاقة والخدمات اللوجستية والتعليم والرعاية الصحية، لكن جزءً كبيراً من هذه الفرص لم يُستثمر بالقدر الذي يسمح بتحويلها إلى مشاريع وطنية كبرى.
ولا يعود ذلك إلى نقص الكفاءات البشرية، فالأردن يمتلك موارد بشرية متميزة، وإنما إلى غياب الرؤية طويلة المدى أحياناً، وإلى البيروقراطية أحياناً أخرى، وإلى التردد في اتخاذ القرارات الاستراتيجية في أحيان كثيرة.
ماذا نفعل إذا كنا لا نعرف المستقبل؟ هنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ فالدول لا تستطيع انتظار وضوح الصورة بالكامل قبل اتخاذ القرار، لأن الانتظار نفسه قد يكون أخطر من الخطأ، وعندما يكون المستقبل مجهولاً، فإن السياسة الحكيمة لا تقوم على توقع ما سيحدث، بل على الاستعداد لأكبر عدد ممكن من الاحتمالات؛ بمعنى آخر، لا ينبغي أن يكون السؤال: "ما الذي سيحدث في الشرق الأوسط؟" بل:" كيف نجعل الأردن قادراً على الصمود والازدهار مهما كان ما سيحدث؟"
الاقتصاد أولاً: ففي عالم مضطرب تصبح القوة الاقتصادية أهم من أي وقت مضى؛ فالدول التي تمتلك اقتصاداً قوياً تستطيع التكيف مع التغيرات السياسية والأمنية، بينما تجد الدول الضعيفة نفسها رهينة للأحداث، ولذلك فإن الأولوية الوطنية ينبغي أن تكون بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وأقل اعتماداً على المساعدات الخارجية وأكثر قدرة على خلق فرص العمل.
إن التحدي الحقيقي للأردن ليس سياسياً فقط، بل اقتصادي واجتماعي أيضاً، فلا يمكن الحديث عن مستقبل مستقر في ظل بطالة مرتفعة، وهجرة للكفاءات، وتراجع فرص الطبقة الوسطى، واتساع الفجوة بين الطموحات والواقع.
الاستثمار في الإنسان: لقد أثبتت تجارب الدول الناجحة أن الثروة الحقيقية ليست النفط ولا المعادن ولا الموقع الجغرافي، بل الإنسان، والأردن يمتلك مورداً استراتيجياً بالغ الأهمية يتمثل في شبابه وتعليمه وخبراته، لكن السؤال هو: هل ما زلنا نُعِد أبناءنا لوظائف الماضي أم لوظائف المستقبل؟
إن العالم يتغير بسرعة هائلة بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، بينما ما زالت قطاعات واسعة من أنظمة التعليم والتدريب في المنطقة تسير بإيقاع أبطأ بكثير من سرعة التغيير.
الواقعية بدلاً من الأوهام: من أهم الدروس التي تقدمها لنا الأزمات الإقليمية أن الدول لا تُبنى بالشعارات ولا بالأمنيات ولا بالوهم، فالعالم لا يكافئ من يمتلك أفضل الخطابات، بل من يمتلك أفضل الخطط، ولهذا فإن المطلوب اليوم هو قدر أكبر من الواقعية في قراءة التحديات والإمكانات معاً، فالواقعية لا تعني التشاؤم، كما أن التفاؤل لا يعني تجاهل الحقائق.
الأردن الذي نريده: إذا كان الشرق الأوسط يتشكل من جديد، فإن الأردن بحاجة إلى أن يكون طرفاً فاعلاً في صناعة مستقبله لا مجرد متلقٍ لنتائج قرارات الآخرين، ولذا نحتاج إلى دولة أكثر قدرة على التخطيط بعيد المدى، وأكثر جرأة في استثمار الفرص، وأكثر سرعة في اتخاذ القرار، وأكثر ثقة بقدرات أبنائها، فالمنطقة مقبلة على تحولات كبيرة، وربما تكون السنوات القادمة مليئة بالمخاطر، لكنها قد تحمل أيضاً فرصاً استثنائية لمن يحسن الاستعداد لها.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً: هل سنبقى نكتفي بإدارة الأزمات كما فعلنا طويلاً، أم سننتقل أخيراً إلى مرحلة صناعة المستقبل؟ ففي عالم لا يمكن التنبؤ به، قد لا يكون أخطر ما يواجه الدول هو الخطأ في قراءة المستقبل، بل العجز عن الاستعداد له.
في خضم هذا المشهد المضطرب يقف الأردن في موقع جغرافي وسياسي بالغ الحساسية، فمن الشمال أزمة سورية لم تنتهِ فعلياً رغم تراجع حدتها العسكرية، ومن الشرق عراق ما زال يبحث عن استقراره الكامل، ومن الغرب القضية الفلسطينية التي تدخل مرحلة هي الأخطر منذ عقود، ومن الجنوب بحر من التغيرات الإقليمية والدولية التي لا تكاد تهدأ.
السؤال الذي يواجه الأردنيين اليوم ليس سؤالاً سياسياً مجرداً، بل سؤال وجودي يتعلق بالمستقبل: إلى أين نحن ذاهبون؟
في الأزمات التقليدية يمكن للدول أن تضع خططاً قصيرة ومتوسطة الأجل لأنها تعرف تقريباً شكل النهاية، أما أزمة الشرق الأوسط الحالية فهي مختلفة؛ فلا أحد يعرف متى تنتهي، ولا كيف تنتهي، ولا حتى ما هو شكل النظام الإقليمي الذي سينتج عنها.
فهل نحن أمام شرق أوسط جديد تقوده المصالح الاقتصادية؟ أم أمام مرحلة صراعات طويلة الأمد؟ أم أمام إعادة رسم موازين القوى الإقليمية؟ أم أمام عالم متعدد الأقطاب تتراجع فيه قدرة القوى الكبرى على فرض حلول مستقرة؟ ولا أحد يملك إجابة حاسمة، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الدول الصغيرة والمتوسطة هو انتظار الإجابات من الآخرين.
الأردن بين الجغرافيا والتاريخ: لم يختر الأردن موقعه الجغرافي، لكنه مطالب دائماً بدفع ثمن هذا الموقع أو الاستفادة منه، فالتاريخ الحديث يخبرنا أن الأردن كان غالباً في قلب الأحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة، سواء كانت حروباً أو موجات لجوء أو أزمات اقتصادية أو تحولات سياسية، ومع ذلك فإن التجربة التاريخية الأردنية تكشف حقيقة تستحق التأمل: لقد نجح الأردن غالباً في تجنب الانهيارات الكبرى، لكنه لم ينجح دائماً في تحويل الأزمات الإقليمية إلى فرص تنموية مستدامة، لقد امتلك الأردنيون عبر العقود قدرة عالية على إدارة المخاطر، لكنهم كانوا أقل نجاحاً في إدارة الفرص، وهذه حقيقة يجب ألا نخجل منها، وتحتاج الى مراجعة.
مشكلة الفرص الضائعة: حين ننظر إلى تاريخ المنطقة خلال العقود الخمسة الماضية نجد أن دولاً عديدة استطاعت تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة اقتصادية، بينما بقي الأردن في كثير من الأحيان يركز على إدارة الأزمة أكثر من صناعة المستقبل.
لقد مرت على الأردن فرص مرتبطة بالنقل والتجارة والسياحة والاستثمار والطاقة والخدمات اللوجستية والتعليم والرعاية الصحية، لكن جزءً كبيراً من هذه الفرص لم يُستثمر بالقدر الذي يسمح بتحويلها إلى مشاريع وطنية كبرى.
ولا يعود ذلك إلى نقص الكفاءات البشرية، فالأردن يمتلك موارد بشرية متميزة، وإنما إلى غياب الرؤية طويلة المدى أحياناً، وإلى البيروقراطية أحياناً أخرى، وإلى التردد في اتخاذ القرارات الاستراتيجية في أحيان كثيرة.
ماذا نفعل إذا كنا لا نعرف المستقبل؟ هنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ فالدول لا تستطيع انتظار وضوح الصورة بالكامل قبل اتخاذ القرار، لأن الانتظار نفسه قد يكون أخطر من الخطأ، وعندما يكون المستقبل مجهولاً، فإن السياسة الحكيمة لا تقوم على توقع ما سيحدث، بل على الاستعداد لأكبر عدد ممكن من الاحتمالات؛ بمعنى آخر، لا ينبغي أن يكون السؤال: "ما الذي سيحدث في الشرق الأوسط؟" بل:" كيف نجعل الأردن قادراً على الصمود والازدهار مهما كان ما سيحدث؟"
الاقتصاد أولاً: ففي عالم مضطرب تصبح القوة الاقتصادية أهم من أي وقت مضى؛ فالدول التي تمتلك اقتصاداً قوياً تستطيع التكيف مع التغيرات السياسية والأمنية، بينما تجد الدول الضعيفة نفسها رهينة للأحداث، ولذلك فإن الأولوية الوطنية ينبغي أن تكون بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وأقل اعتماداً على المساعدات الخارجية وأكثر قدرة على خلق فرص العمل.
إن التحدي الحقيقي للأردن ليس سياسياً فقط، بل اقتصادي واجتماعي أيضاً، فلا يمكن الحديث عن مستقبل مستقر في ظل بطالة مرتفعة، وهجرة للكفاءات، وتراجع فرص الطبقة الوسطى، واتساع الفجوة بين الطموحات والواقع.
الاستثمار في الإنسان: لقد أثبتت تجارب الدول الناجحة أن الثروة الحقيقية ليست النفط ولا المعادن ولا الموقع الجغرافي، بل الإنسان، والأردن يمتلك مورداً استراتيجياً بالغ الأهمية يتمثل في شبابه وتعليمه وخبراته، لكن السؤال هو: هل ما زلنا نُعِد أبناءنا لوظائف الماضي أم لوظائف المستقبل؟
إن العالم يتغير بسرعة هائلة بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، بينما ما زالت قطاعات واسعة من أنظمة التعليم والتدريب في المنطقة تسير بإيقاع أبطأ بكثير من سرعة التغيير.
الواقعية بدلاً من الأوهام: من أهم الدروس التي تقدمها لنا الأزمات الإقليمية أن الدول لا تُبنى بالشعارات ولا بالأمنيات ولا بالوهم، فالعالم لا يكافئ من يمتلك أفضل الخطابات، بل من يمتلك أفضل الخطط، ولهذا فإن المطلوب اليوم هو قدر أكبر من الواقعية في قراءة التحديات والإمكانات معاً، فالواقعية لا تعني التشاؤم، كما أن التفاؤل لا يعني تجاهل الحقائق.
الأردن الذي نريده: إذا كان الشرق الأوسط يتشكل من جديد، فإن الأردن بحاجة إلى أن يكون طرفاً فاعلاً في صناعة مستقبله لا مجرد متلقٍ لنتائج قرارات الآخرين، ولذا نحتاج إلى دولة أكثر قدرة على التخطيط بعيد المدى، وأكثر جرأة في استثمار الفرص، وأكثر سرعة في اتخاذ القرار، وأكثر ثقة بقدرات أبنائها، فالمنطقة مقبلة على تحولات كبيرة، وربما تكون السنوات القادمة مليئة بالمخاطر، لكنها قد تحمل أيضاً فرصاً استثنائية لمن يحسن الاستعداد لها.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً: هل سنبقى نكتفي بإدارة الأزمات كما فعلنا طويلاً، أم سننتقل أخيراً إلى مرحلة صناعة المستقبل؟ ففي عالم لا يمكن التنبؤ به، قد لا يكون أخطر ما يواجه الدول هو الخطأ في قراءة المستقبل، بل العجز عن الاستعداد له.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات