الطورة يكتب: ثروات تستنزف ومشاريع في الإدراج كيف تحولت معان إلى افقر حكايات التنمية؟

منذ 21 دقيقة
المشاهدات : 4877
الطورة يكتب: ثروات تستنزف ومشاريع في الإدراج كيف تحولت معان إلى افقر حكايات التنمية؟
يوسف الطورة

يوسف الطورة

لفتني مشهد يبدو أنه يوثق إزالة خط سكة الحديد في معان ورفعه من تحت الركام، تمهيدًا لبيعه "سكراب"، بعد توقف أعمال شركة العقبة للسكك الحديدية، الخلف القانوني لمؤسسة سكة حديد العقبة، عقب تمليكها لسلطة العقبة الخاصة بقرار حكومي.

المشهد إن صحت دلالاته لا يتعلق بمجرد إزالة قضبان حديدية تراكمت فوقها الأتربة، وإنما يفتح سؤالاً أكبر وأكثر إيلاماً كيف انتهى أحد أبرز شواهد مؤسسة اقتصادية طالما ارتبطت بمعان إلى خط يقتلع من مكانه ويباع خردة.

بيع الأصول بالتجزئة بعد توقف المؤسسة بشكل كامل بقرار حكومي نيسان 2018، يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المحافظة الجنوبية حول ماذا جرى لأصول سكة الحديد، ولماذا انتهى بها الحال إلى هذا المصير، وأين ذهبت الوعود والمشاريع التي ارتبطت بهذا الخط؟، فيما بقيت معان تنتظر نصيبها من التنمية.

لا تزال سلطة العقبة الخاصة وشركة التطوير تتكبدان فاتورة رواتب العاملين التي تتجاوز 7 ملايين دينار سنوياً، إلى جانب الكلف التشغيلية الأخرى والمستمرة حتى اللحظة.

ولعل سكة الحديد "آخر معاقل المعانيين" التي أغلقت في وجوههم، بعد أن كانت حاضنة لنحو 1200 موظف، كانت رواتبهم وكلفها التشغيلية تغطى من إيرادات المؤسسة المالية.

والمفارقة الأكثر إثارة للجدل أن المدينة التي كانت تعتمد على مؤسسة بهذا الحجم، تتصدر اليوم معدلات البطالة في المملكة.

شركة العقبة للسكك الحديدية لطالما بقيت واحدة من آخر المعاقل الوظيفية في المحافظة توقفت بقرار حكومي، رغم أن إيرادات المؤسسة حينها كانت تأتي من نقل نحو 65 بالمائة من الفوسفات المعد للتصدير، قبل أن تتراجع النسبة إلى نحو 30 بالمائة بعد استحداث ميناء الفوسفات الجديد.

وكانت الإيرادات رغم تراجعها تتكفل بالنفقات التشغيلية ورواتب العاملين، إضافة إلى توفير فرص عمل لأبناء المجتمع المحلي وآخرين من مختلف المحافظات.

الأكثر إثارة للجدل استمرار صرف بدلات رئيس وأعضاء مجلس الإدارة لشركة متوقفة منذ ثماني سنوات، وتحمل الشركة فاتورة بدل إيجار الخط الحجازي لأربع سنوات، رغم توقفها عن العمل بشكل كامل.

لعل المفارقة الأكثر جدلاً أن المحافظة حاضنة الثروات من الفوسفات والمعادن والتعدين والطاقة الشمسية والرياح، والحاضنة للمدينة الوردية البترا، الرافدة لخزينة الدولة من عوائد السياحة، وقلعة الشوبك ومزارعها التي تستنزف مياهها، وامتداد المدورة والجفر بمزارعهما، بباديتها وحضرها، هي ذاتها معان "البطالة والفقر".

معان نفسها شاهدة على بيع مصنع الزجاج "خردة"، لتطلق رصاصة الرحمة بعد توقف لسنوات، وحاضنة لرواية مصنع تجميع السيارات الذي اكتفى مستثمره بالحصول على عشرات الملايين من التسهيلات البنكية، والرواية الرسمية لمينائها البري الذي يخشى أن يصبح المشروع بحكم الصفحة المطوية.

في ذاكرتها أيضا مزاعم مصفاة بترول معان ومجمع بتروكيماويات، الذي روج له باستثمار أردني كويتي أمريكي، بعد موافقات حكومية 2019، وكان من المفترض أن يبدأ تشغيله العام قبل الماضي، شاهدة على رواية حكومية أخرى لم تتحقق، رغم تصدرها "صحف طن ورق"، و "غرام حقائق".

وفي الشوبك أيضاً ثمة شواهد مثيرة للجدل، مباني كليتها الجامعية المتوسطة ومرافقها خارج حسابات التنمية وموازنات مجالس المحافظات، والمسؤولية المجتمعية المفترضة لعشرات المزارع تكتفي باستنزاف مخزونها المائي، دون حتى توفير فرصة عمل واحدة لأبناء المجتمع المحلي.

في الشوبك قطاع سياحي يحتضر وشاهد على وعود حكومية لا تسمن ولا تغني من جوع، غابت معها الحلول والبدائل، أبرزها الاستثمار في مدينة طاردة لسكانها، فرضها غياب الدور الرسمي التنموي المفترض.

أما البترا، حاضنة عجيبة الأنباط التي طوعت صخورها رفضاً لملاءات الطبيعة وعنادها، خسر المئات أعمالهم، وأُغلقت عشرات المنشآت السياحية، تبررها الرواية الرسمية إلى تأثيرات الاضطرابات الإقليمية، في حين لم نرصد التبرير والرواية نفسها في مصر وتركيا التي أصبحت وجهة الأردنيين أنفسهم.

والفوسفات من أكثر الملفات جدلاً بدءاً من صفقة بيعها، مروراً بملف التعيينات، وصولاً إلى سياسات ضبط وترشيد النفقات.

والثابت أن 1.454 مليون دينار بدلات مجلس إدارتها، خارج حساباتها، فيما المؤكد أن صافي أرباحها بلغ 910 ملايين دينار لعامي 2023 و2024، و 110 ملايين دينار في الربع الأول من العام الحالي.

أرقام تفرض سؤالاً مشروعاً عن دور الشركة في التنمية والمسؤولية المجتمعية، وعن أسباب تغييب هذا الدور أو محدوديته في محافظة تستخرج من أرضها واحدة من أهم ثروات المملكة.

أما جامعة الحسين ينشغل رؤساؤها بالبحث عن طريقة لتأمين رواتب العاملين شهرياً، بعد أن تجاوزت مديونيتها 40 مليون دينار، منها 22 مليوناً لأحد البنوك المحلية، تكبد الجامعة نحو مليوني دينار فوائد سنوية.

وبالمناسبة كشف حسابات الجامعة يوثق جانباً من أزمة رواتب العاملين، في ظل غياب الدعم الحكومي، إلى جانب منح دراسية مجانية لغير أبناء المحافظة، وكأنها منح تبادل ثقافي بين الدول!.

في معان ثمة مشاريع وعد بها أبناء المحافظة بمثابة الغيمة الماطرة عجزت اعتى الرياح استمطارها، ومدينة وروضة صناعية لو قدر اختراق قاصتها وصندوقها الأسود للكشف تقريرها المالي "إيرادات ونفقات"، اجزم ان الأرقام ستكون صادمة.

الثابت يقيناً أن أبناء المحافظة الجنوبية التي تصدرت قائمة المحافظات الأعلى في معدلات البطالة بنسبة 33.9 بالمائة، تعايشوا مع وعود رسمية "كرهاً وطواعية"، وربما في الغالب "مسايرة"، لكنهم يدركون أن البطالة في معان بلغت حداً يستوجب تنبّه عمان إلى سياسات الحكومات المتعاقبة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم