الفرجات يكتب: الجاهة العشائرية… حين تتغير الأدوار ولا تتغير الهيبة

منذ 51 دقيقة
المشاهدات : 9864
 الفرجات يكتب: الجاهة العشائرية… حين تتغير الأدوار ولا تتغير الهيبة
الشيخ ماجد ابو فرج الفرجات

الشيخ ماجد ابو فرج الفرجات

الجاهة العشائرية في الأردن ليست خطوبةً فقط، كما قد يظن البعض؛ فالجاهة في عرفنا الاجتماعي تاريخ من الوجاهة والمسؤولية، تدخل في طلب الزواج كما تدخل في قضايا الدم والعِرض والصلح وفضّ النزاعات، ويحمل رجالها أحيانًا كلامًا ووعودًا والتزامات لا تحتمل الخفة أو المجاملة. ولذلك كان اختيار رئيس الجاهة في الماضي يتم على أساس المكانة والحكمة والخبرة ومعرفة أعراف الناس.

ومن هنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل أصبح من المألوف أن تتصدر المرأة الأردنية جاهة من الرجال في قضايا ذات طابع عشائري؟

لا شك أن المرأة الأردنية قطعت شوطًا كبيرًا في ميادين الدولة والمجتمع، ووصلت إلى مواقع كانت في الماضي حكرًا على الرجال، بل دخلت سلك القضاء وتولت مسؤوليات رفيعة في مؤسسات الدولة. وهذا التطور لا يمكن إنكاره ولا ينبغي لأحد أن يقف في وجهه، فالمرأة الكفؤة جديرة بالتقدير حيثما كانت الكفاءة هي المعيار.

لكن هناك فرقًا بين موقع وظيفي تحكمه أنظمة الدولة وبين عرف عشائري تحكمه منظومة متوارثة من الهيبة والرمزية والخبرة. ففي القضاء مثلًا، تستمد المرأة صلاحيتها من القانون، أما في الجاهة العشائرية فإن رئيس الجاهة يستمد ثقله من ثقة الناس به، ومن معرفته بالعادات والأعراف، ومن قدرته على حمل الكلام وضبط النفوس والوصول إلى حلول تحفظ الحقوق والكرامات.

لذلك فإن الاعتراض، إن وُجد، لا ينبغي أن يكون اعتراضًا على المرأة لأنها امرأة، ولا دفاعًا عن الرجل لأنه رجل؛ وإنما يجب أن يكون السؤال: هل الشخص الذي يتصدر الجاهة، رجلًا كان أم امرأة، يمتلك المؤهلات التي تجعل الناس يأتمنونه على دم أو عِرض أو حق أو عهد؟

فالجاهة ليست مسرحًا لإثبات أن زمن الرجال انتهى، ولا مناسبة لإثبات أن المرأة أصبحت أقوى من الرجل. هذه حسابات صغيرة أمام مسؤوليات كبيرة. الجاهة العشائرية أمانة، ومن يتصدرها ينبغي أن يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يطلب، ومتى يضمن، ومتى يقول كلمة تنهي خصومة قد تكون وراءها سنوات من الألم.

نحن لا نريد أن نهدم العرف باسم الحداثة، ولا أن نحارب التطور باسم الأصالة. نريد أن نحافظ على جوهر الجاهة الأردنية، وأن نسمح لها بالتطور بقدر ما يخدم المجتمع، دون أن نفقد هيبتها أو نحولها إلى صورة احتفالية خالية من مضمونها.

والمرأة الأردنية محل احترام وتقدير، لكن تكريمها الحقيقي ليس بأن نضعها في كل موقع لمجرد إثبات المساواة، وإنما بأن نضعها في الموقع الذي تكون فيه أقدر على العطاء. وكذلك الرجل، فليس كل رجل صالحًا لرئاسة جاهة لمجرد أنه رجل.

إن العشيرة الأردنية لا تخشى المرأة، ولا تخشى التطور؛ لكنها تخشى أن تضيع هيبة العرف بين التقليد الأعمى والحداثة المستعجلة. فالجاهة التي تحمل دمًا أو عِرضًا أو صلحًا ليست مناسبة لتغيير الأدوار من أجل المظهر، وإنما أمانة لمن يملك الحكمة والقبول والقدرة على حملها
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم