حمزة بني عطا يكتب: أي ماضي سأترك خلفي .. الماضي الذي نصنعه الآن ..

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7439
حمزة بني عطا يكتب: أي ماضي سأترك خلفي ..  الماضي الذي نصنعه الآن ..
حمزة بني عطا

حمزة بني عطا

هذه كلمات ليست عن المدينة أو الحديث عن فن العمارة أو حتى عن الذاكرة، بقدر ماهي حديث عن فن البقاء. عن تلك المشكلة القديمة التي لا نحبّ الاعتراف بها كثيرا، من أننا، ببساطة، فانون، بينما تملك أشياء كثيرة صنعتها أيدينا فرصة أن تعيش أكثر منا، فلا ترحل بمجرد رحيلنا.
سأعترف بأن هذا قد يكون أكثر ما يربكني في البيوت القديمة. فهي تضعني دائمًا أمام مفارقة قاسية نوعًا ما بين الذين بنوها، وصمموا نوافذها واختاروا عدد أبوابها، ووضبوا غرفها، وغضبوا وتصالحوا وناموا واستيقظوا داخلها، ثم رحلوا في النهاية. فيما بقيت جدرانهم وأبوابهم ونوافذهم وسلالمهم، والأماكن السرية التي كانوا يخبئون فيها أسرارهم ورسائلهم، والأسِرّة التي بكوا عليها وحلموا ومرضوا وأحبوا.
"البيت الحقيقي ليس مجرد جدران، إنه عش الذاكرة الأولى"، هكذا وصف "باشلار" البيت في فلسفته عن جماليّات المكان. عبارة تكاد تسمع صرخة كبرياء الإنسان فيها، فهي وإن كانت جميلة إلا أنها تخفي نصف الحقيقة؛ وهي أن الأمكنة لا تحافظ على أثر الإنسان فيها بقدر ما تفضح هشاشته أيضًا. يكفي أن يبقى بيت بعد رحيل أصحابه حتى يصبح شاهدًا على أنهم كانوا عابرين. نرحل نحن فتستمر الأماكن دون أن يبدو عليها أنها فقدتنا بالقدر الذي تخيلناه، ففكرة المرور بلا أثر ثقيلة. نخاف على هوية مدينتنا، وعلى هويتنا من خلال مدينتنا، فنميل إلى الإمساك بما يمكن الإمساك به. نحافظ على واجهة، نكرر قوسًا، نستعيد زخرفة، ونضع حجرًا قديمًا في بناء جديد، وكأن الشكل، إذا نجا، سيكون باستطاعته أن يحمل معناه معه.
الحقيقة أن ما نسميه اليوم تراثًا لم يبدأ تراثًا. كان في زمنه حاضرًا وحاجة وأسلوب حياة. فالذين صنعوه لم يكونوا منشغلين بأن يبدوا أصيلين، كانوا يحاولون فقط حل مشكلات حياتهم بالطريقة التي يعرفونها. بنوا وفق مناخهم وموادهم ومواردهم وعلاقاتهم الاجتماعية وفهمهم للخصوصية والنفع والجمال والجسد. الشكل الذي نقدسه اليوم لم يكن هدفًا قائمًا بذاته؛ كان نتيجة حياة. وحين نأخذ النتيجة ونكررها بعد اختفاء الحياة التي أنتجتها، قد نكون حافظنا على الصورة، فيما فقدنا الفكرة التي صنعتها. لعل السؤال المطروح دوما حول كيفية الحفاظ على هوية المدينة، حان له أن يتحول إلى تساؤل حول ان كان بمقدور الهوية أن تبقى حية ان كانت مهمتها الأساسية أن تنحشر كما هي في شكلها وتصميمها؟ هل سينطق الحجر إن لمسته أيدٍ أخرى؟ وهل ستحيا ذكريات البيت إذا سكنه أحفاد الذين رحلوا؟ الشيء الحي يتغير. وهذه حقيقة يصعب علينا قبولها حين يتعلق الأمر بنا أو بما نحب. فنحن نريد للمدينة أن تحتفظ بملامحها، وننسى أن الملامح التي نحاول تثبيتها الآن كانت يومًا نتيجة تغير سابق. ما أصبح بالنسبة إلينا أصلًا كان، في لحظة ما، جديدًا، وربما غريبًا، وربما أثار اعتراض من سبقه. وهذا وحده يجعل الوفاء للماضي أكثر تعقيدًا من مجرد المحافظة عليه؛ فالتقليد، في أغلب الأحيان، يكاد يكون أقل أشكال الوفاء. عندما أكرر ما صنعه السابقون فأنا لا أقوم بالضرورة بما قاموا به، أنا أكرر النتيجة فقط، وأتخلى عن الظرف الذي أنتجها. هم نظروا إلى زمنهم وصنعوا شيئًا يخصه، بينما أنظر أنا إلى زمنهم وأصنع شيئًا يشبهه فقط. وهذا ما قصدته، ربما لا نرث من الماضي شكله بقدر ما نرث منه حقنا في الاختلاف عنه. ولعل الفن هو أكثر ما يتيح للحاضر أن يترك بصمته وصوته؛ نحتًا كان أو رسمًا، مبنى أو مساحة أو شكلًا جديدًا يظهر في المدينة ويقول بمجرد بوجوده إن زمنًا آخر مرّ من هنا أيضًا. فالمدينة التي تكتفي بالمحافظة على آثار من سبقوها تتحول فورا إلى مزار أو سياحة، في الوقت الذي تصبح فيه أقل مقدرة على أن تُعاش. تحتاج المدينة إلى ذاكرة، نعم، لكنها تحتاج أيضًا إلى شيء لم يدخل الذاكرة بعد. كأثر منحوتة تحمل أسئلة مدينتها، أو لوحة تكشف طريقة الحاضر في القلق، مبنى يقول شيئًا عن علاقته بتلك المساحة ما بين الآخر والجسد، أو عملًا لا نملك له بعد اسمًا وقد لا يكتمل لأنه يشي بتحولات لم تُفهم بعد.. أثر يصل إلى من سيأتي بعدنا ويخبره بأننا نحن أيضًا كانت لدينا أسئلتنا، وخوفنا وارتباكنا، وذلك القلق الذي كان يدفعنا إلى أن نقوم بما نقوم به، أثر حكي عن منظورنا تجاه الجسد والفضاء والسلطة والجمال والمدينة والإنسان، وبأننا لم نكن مجرد حرّاس لما تركه الآخرون، كما أنهم غير مطالبين بأن يكونوا حرّاسًا لما سنتركه من أثر.. فالهوية ليست إرثًا يصلنا مكتملًا، إنما هي حكاية وصلت إلينا في منتصفها، فلا نقطع الحكاية عند الجملة التي كتبها من سبقنا. سيأتي آخرون بعدنا. وهذه حقيقة بسيطة تكفي وحدها لتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى ما نصنعه الآن. سيعيشون في الأماكن نفسها، وربما يهدمون بعضها، او يعبرون الشوارع التي نعرفها، سينحتون ويرسمون ويصممون ويعيدون تمثيل قلقهم وواقعهم، لأن الذاكرة وحدها لا تصنع مدينة حيّة، كما أن القطيعة معها لا تصنع مستقبلًا. ما يُبقي المدينة حية هو ذلك القلق الوجودي بين أن تعرف ما الذي عاش فيها من دون أن تسكن فيه، وأن تمتلك من الخيال ما يكفي لتترك لمن سيأتي بعدك شيئًا لم يكن موجودًا قبلك، وربما يكون أسوأ ما يمكن أن نفعله بالماضي هو أن نحبه لدرجة ألا نسمح لشيء جديد بأن يحدث بعده.
سأعود إلى النقطة التي بدأت منها؛ ببيوت تحمل إلينا آثار أناس غادروا، وسأنتهي هنا وقد أصبحنا نحن أولئك الغائبين. هل سيؤلمك أن تتخيل أنك أنت الغائب؟ أن تكون أنت من كان يقف خلف هذه النافذة، ثم يأتي يوم تبقى فيه النافذة ولا تبقى أنت. أن تكون أقدامك هي التي عبرت الطريق والسلالم وممرات البيت، وصوتك واحدًا من الأصوات التي امتلأت بها الغرف ثم انقطعت، ويدك هي التي تركت أثرًا على باب أو كرسي سيعيش أكثر منها. ربما يصعب علينا أن نرى أنفسنا بهذه الطريقة لأننا، ما دمنا هنا، ننظر إلى الماضي باعتباره شيئًا حدث للآخرين. نتأمل بيوتهم، نقرأ أسماءهم، نلمس ما تركوه، وننسى للحظة أن الزمن يعمل علينا بالطريقة نفسها. نحن أيضًا أولئك الذين سيرحلون وتبقى بعض أشيائهم. وما نصنعه اليوم، ونحن نظنه حاضرنا، سيصبح يومًا ماضي شخص آخر. قد يسكن أحدهم بيتًا عرفناه، أو يعبر شارعًا مشيناه آلاف المرات، أو يقف أمام عمل صنعناه من دون أن يعرف شيئًا عن القلق الذي كان يسكننا ونحن نصنعه. أنا ماضي شخص لم يولد بعد، وما سوف اتركه في جسد المدينة سيصل إليه يوما أثرا من زمن لم يعشه. هذه الفكرة تغيّر السؤال كله: أيّ ماضٍ أريد أن أتركه لمن سيأتي بعدي؟
حمزة بني عطا
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم