سند حدادين يكتب: وديع المعايعة .. حين يرحل الحائك وتبقى الحكاية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 23506
سند حدادين يكتب: وديع المعايعة ..  حين يرحل الحائك وتبقى الحكاية
سند حدادين

سند حدادين

لم يكن وديع المعايعة رجلًا عاديًا، ولم تكن أنامله تنسج خيوط السجاد فحسب؛ بأنامله الساحرة نسج آلاف القطع التي أصبحت جزءًا من هوية مادبا التراثية والثقافية، وحوّل حرفة يدوية قديمة إلى حكاية تحفظها المدينة ويتناقلها أبناؤها وزوارها.


كان وديع واحدًا من أولئك الرجال الذين لا يحتاجون إلى منصب أو لقب كبير كي يتركوا أثرًا. يكفي أن تذكر «حائك البسط اليدوية» في مادبا، حتى يحضر اسمه ووجهه وذاك المحل الصغير المتواضع في شارع السياحة، الذي أصبح على مر السنوات علامة مميزة لكل سائح يأتي إلى المدينة باحثًا عن قطعة أصيلة تحمل في تفاصيلها روح المكان.


بدأت الحكاية منذ سنوات بعيدة، عندما كان شابًا أحب هذه الحرفة بدافع الفضول، ثم أتقنها بالجدارة والممارسة. كان يذهب بعد المدرسة لمساعدة والده، ويجلس أمام «النول»، تلك الأداة التي كانت بالنسبة له أكثر من مجرد وسيلة لصناعة السجاد والنسيج اليدوي؛ كانت مدرسته الأولى، ومكانه الذي تعلم فيه الصبر والدقة وحب المهنة.


ومنذ عام 1965، ظل وديع ينسج خيوطًا لم تكن تصنع بسطًا وسجادًا فحسب، بل كانت تصنع ذاكرة. قطعة تلو أخرى، حتى أصبحت أعماله تزين قصورًا وبيوتًا لشخصيات بارزة في الأردن، وتحمل معها اسم مادبا وحرفتها الأصيلة إلى أماكن كثيرة.


لم يكن السجاد الذي ينسجه مجرد ألوان وخيوط متداخلة، بل كان أشبه بصفحات مفتوحة من تاريخ المدينة؛ كل لون فيها يحكي، وكل نقش يحمل ذاكرة، وكل قطعة تختزن ساعات طويلة من العمل والصبر والعشق لحرفة كان يمكن أن تندثر لولا أمثال وديع الذين حملوها من جيل إلى جيل.


كان العم وديع المعايعة يشبه مادبا كثيرًا. تشبهه خطوط وجهه التي رسمت عليها السنوات حكايات طويلة، وتشبهه شوارعها التي تلتقي فيها القصص وتتلاقى فيها روح الماضي مع الحاضر. كان جزءًا من تلك الصورة القديمة الجميلة للمدينة، من ذاك الزمن الذي كانت فيه المهنة هوية، والدكان حكاية، والناس يعرفون بعضهم بعضًا بالوجه والاسم والذكرى.


واليوم، يرحل العم وديع عن هذه الدنيا، لكن رحيله ليس نهاية الحكاية.


فالحكايات التي عاشها، والقطع التي نسجها، والأشخاص الذين عرفوه، والسياح الذين دخلوا متجره وخرجوا منه محملين بقطعة من مادبا، كل ذلك سيبقى شاهدًا على رجل لم يعش حياته عابرًا، بل ترك أثرًا في المكان وفي ذاكرة من عرفه.


أما أنا، فلن أتذكر وديع المعايعة كحائك البسط اليدوية فقط، ولن أتذكره باعتباره أحد أبناء مادبا الذين حفظوا تراثها فحسب. سأذكره دائمًا كإنسان كان لي بمثابة والد ثانٍ.


لن أنسى ابتسامتك الأخيرة لي يا عم وديع، ولن أنسى القصص والحكايات التي كنت ترويها، ولا حس الدعابة الساخر الذي كنت تمتلكه، ولا تلك الروح الجميلة التي كنت تخفيها خلف عبوسة وجهك المادبوي الأصيل.


كنت تعرف كيف تجعل من الجلسة العادية حكاية، ومن الحديث ذكرى، ومن التفاصيل الصغيرة شيئًا يستحق أن يُروى. وربما لهذا السبب تحديدًا سيصعب علينا أن نعتاد غيابك؛ لأن بعض الأشخاص لا يغيبون بمجرد رحيلهم، بل يتركون مكانهم فارغًا في تفاصيل حياتنا.


رحلت يا عم وديع، لكنك تركت وراءك ما هو أبقى من العمر؛ تركت حرفة، وتراثًا، وقطعًا تحمل بصمتك، وذكريات لا تنتهي، وأشخاصًا أحبّوك وسيحملون اسمك وحكاياتك معهم أينما ذهبوا.


وفي مادبا، حيث تتعانق الحجارة القديمة مع الحكايات، ستبقى هناك خيوط كثيرة تذكّر بك. خيوط نسجتها يداك على مدى عقود، وخيوط أخرى نسجتها محبتك في قلوب من عرفوك.


رحمك الله يا عم وديع،


ورحم ابتسامتك، وحكاياتك، وروحك الجميلة.


رحلتَ عن النول، لكن الحكاية التي نسجتها لن تنتهي.


سند حدادين

معرض الصور (6)
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم