يحيى الحموري يكتب: إذا كان لقب معالي عاديا .. ماذا يبقى عاديا في الدولة؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 35577
يحيى الحموري يكتب: إذا كان لقب معالي عاديا ..  ماذا يبقى عاديا في الدولة؟
يحيى الحموري

يحيى الحموري

ليس اخطر ما في التصريح الذي قيل اليوم إن لقب "معالي" لا يثير لديه الدهشة، بل اخطر ما فيه انه كشف، من حيث اراد او لم يرد، عن مسافة شاسعة بين من يرى الدولة من شرفتها العليا، ومن يقف تحتها منتظرا عدالة الفرصة.

حين يقول مسؤول سابق إن والده كان وزيرا، وجده وزيرا، وخاله وزيرا، ووالد زوجته وزيرا، ثم يصبح لقب "معالي" في نظره امرا عاديا لا يلفت الانتباه، فالقضية لا تعود قضية شخص، ولا حتى قضية لقب، بل تصبح سؤالا عن الدولة نفسها:

هل المناصب العامة ابواب مفتوحة لكل ابناء الوطن، ام ممرات تتوارثها بعض البيوت جيلا بعد جيل؟

لا احد يحاسب انسانا على عائلته، ولا يعاقب شابا على ان يولد في بيت كبير. فالابن لا يختار اباه، والحفيد لا يختار جده، والنسب ليس جريمة.

لكن الدولة ليست ارثا عائليا.

الوزارة ليست قطعة ارض تنتقل في دفتر العائلة، والمنصب العام ليس خاتما يدار بين الاصابع، ولقب "معالي" ليس امتيازا اجتماعيا تتوارثه الاسماء.

الدولة العادلة هي التي يستطيع فيها ابن القرية النائية، وابن المخيم، وابن الحي الشعبي، وابن الموظف الصغير، وابن الفلاح والعامل والمعلم، ان يحلم بالوصول الى اعلى مواقعها دون ان يسأل نفسه اولا:

من اعرف؟ ومن اكون ابن من؟ ومن هو جدي؟

فالمشكلة ليست ان يكون في عائلة واحدة وزير او وزيران او اكثر.

المشكلة تبدأ حين يصبح تكرار الاسماء في مواقع القرار ظاهرة تجعل المواطن البسيط يشعر ان هناك ابوابا لا تفتح الا بمفاتيح لا يملكها، وان بعض الناس يولدون وفي ايديهم مفاتيح المستقبل، بينما يقضي آخرون اعمارهم وهم يطرقون الباب.

وهنا يصبح السؤال موجعا:

اذا كان "معالي" ليس واوا بالنسبة لمن جاء من بيت اعتاد على الوزراء، فماذا يكون بالنسبة لشاب اردني يحمل شهادة وكفاءة وطموحا، لكنه لا يملك خلفه وزيرا ولا عينا ولا نائبا ولا وجيها؟

بالنسبة له قد لا تكون "معالي" مجرد كلمة.

قد تكون حلما.

قد تكون اعترافا بانه موجود.

قد تكون لحظة انتصار على شعور قديم بأن الطريق الى الدولة له بوابات جانبية لا يعرفها الا المقربون.

نحن لا نريد دولة تعاقب ابناء العائلات الكريمة، ولا دولة تقطع الطريق امام من يستحق لمجرد ان اباه كان مسؤولا.

نريد شيئا اكثر عدلا وعمقا:

نريد دولة لا تمنح ابن المسؤول افضلية لانه ابن المسؤول، ولا تحرمه لانه ابن المسؤول؛ بل تزن الجميع بميزان واحد: الكفاءة، والنزاهة، والانجاز، والقدرة على حمل الامانة.

فالاردن ليس مزرعة لاحد، ولا شركة مساهمة بين العائلات، ولا مجلس ادارة مغلقا.

الاردن وطن كامل، فيه ملايين الوجوه، وملايين القصص، وملايين الاحلام التي تستحق ان ترى النور.

والاخطر من توريث المنصب هو توريث الشعور بان المنصب حق طبيعي.

عندها لا يعود السؤال: من يستحق؟

بل يصبح السؤال: من جاء دوره؟

وهنا تبدأ الدولة في خسارة اهم ما تملكه: ثقة الناس.

يا سادة..

المواطن لا يحسد الوزير على كرسيه، ولا يحقد على ابن الوزير لانه ابن وزير.

المواطن يريد فقط ان يعرف ان الكرسي، حين يخلو، لا يبحث عن اسم عائلة؛ بل يبحث عن رجل دولة.

يريد ان يؤمن ان الكفاءة تستطيع ان تعبر الحاجز، وان الشهادة تستطيع ان تهزم الواسطة، وان الوطن يستطيع ان يرى ابناءه جميعا بالعين نفسها.

فلا تجعلوا "معالي" كلمة عادية في قصور الذين اعتادوا عليها، ثم تطلبوا من الذين لم يصلوا اليها ان يصفقوا باعتبارها حلما وطنيا.

لان ما يبدو عاديا فوق، قد يكون حلما عمره ستون عاما عند انسان يقف تحت السلم.

وهذه ليست معركة ضد شخص.

انها صرخة من اجل معنى الدولة.

الدولة التي لا يشعر فيها المواطن ان بعض الابواب خلقت لغيره، هي الدولة التي تستحق ان نحبها ونحميها ونبنيها.

أما حين يصبح النفوذ نسبا، والمنصب عادة، والالقاب ارثا، والفرص تدور في الدائرة ذاتها،

فلا تسألوا لماذا غضب الناس.

اسألوا كم مرة طرقوا الباب، ولم يجدوا احدا يفتح.
يحيى الحموري
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم