منذ أكثر من ستة عقود، والمملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية تنسجان معًا حكاية عربية أصيلة، قوامها النسب العريق والوفاء المتبادل، وجوهرها الأخوة الصادقة والتلاحم العربي الإسلامي. ترجع البدايات الرسمية لهذه العلاقات إلى أوائل ستينيات القرن الماضي، حيث بدأ التنسيق السياسي والدبلوماسي بين البلدين يتبلور في المحافل العربية والدولية، متكئًا على إرث تاريخي يجمع العائلتين الملكيتين الهاشميين في الأردن والعلويين في المغرب، وهما أبناء عمومة تربطهم سلالة النسب الشريف الممتد إلى الدوحة النبوية الطاهرة. ففي عهد الراحلين المغفور لهما بإذن الله الملك الحسين بن طلال والملك الحسن الثاني طيب الله ثراهما، لم تكن لقاءات القيادتين مجرد محطات بروتوكولية، بل لقاءات أهل وذوي قربى تجمعهم أواصر الدم قبل اعتبارات السياسة، وروابط التاريخ المشترك قبل مفردات المصلحة. ومع اعتلاء جلالة الملك عبد الله الثاني وجلالة الملك محمد السادس العرش عام 1999، واصلت هذه العلاقة الملكية الممتدة مسارها المتين، فازدادت عمقًا ورسوخًا، وارتقت العلاقات بين المملكتين إلى مستويات أرحب وأكثر نضجًا. وما زال التنسيق بين عمّان والرباط يتمّ على أعلى المستويات وبشفافية لافتة، حتى غدت الشراكة الأردنية المغربية نموذجًا عربيًا يُحتذى في الثبات والانسجام وحكمة القيادة. وهنا نؤكد أن الموقف الأردني، على مستوى القيادة والحكومة والشعب، ظل ثابتًا وواضحًا في دعم وحدة المغرب الترابية وسيادته الكاملة على صحرائه. وقد تَرجَم هذا الموقف نفسه في انسجام دبلوماسي رفيع بين الرباط وعمّان، تُوّج بعد ماراثون ملكي ودبلوماسي مغربي بامتياز، ولله الحمد بصدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي أعاد التأكيد على مركزية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفها الإطار الأكثر جدية وواقعية وقابلية للتطبيق لقضية مفتعلة استمرت منذ قرابة خمسين عامًا. ويأتي هذا الانتصار أيضًا انعكاسًا لخطوات ملموسة على أرض الواقع، من أبرزها أن الأردن كانت من أولى الدول التي فتحت قنصلية عامة لها في مدينة العيون، وهو ما يشكّل دعمًا عمليًا وتجسيدًا للثقة المتبادلة والشراكة الراسخة بين المملكة المغربية والمملكة الأردنية الهاشمية. وفي إطار التنسيق المتبادل، ظل المغربُ، الأخُ الشقيقُ للأردن، على الدوام سندًا ثابتًا وداعمًا للمواقف الأردنية في المحافل الإقليمية والدولية، وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف. ولم تكن هذه المواقف مجرد علاقات دبلوماسية عابرة، بل تجسيدًا لوحدة المصير وصدق الأخوة التي لا تحدّها المسافات. كما أن الدور المحوري الذي يضطلع به جلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، أسهم في تعزيز هذا التنسيق التاريخي، ولا سيما من خلال مبادراته الداعمة لصمود أهل القدس وجهوده في حماية هويتها العربية والإسلامية، وهو ما يلتقي وينسجم مع الجهود الهاشمية في رعاية المقدسات وحماية الوضع القانوني والتاريخي للمدينة. ومن قلب الرباط، تضطلع سفارة المملكة الأردنية الهاشمية، بدور حيوي في ترجمة هذه الروابط التاريخية إلى واقع ملموس بأسلوب دبلوماسي رفيع وحضور فاعل في الأوساط المغربية، وقد نجحت في جعل السفارة بيتًا للأردنيين في المغرب، وجسرًا نابضًا للتعاون بين البلدين على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية. ولم يكن التعليم بعيدًا عن هذه الروابط؛ فقد احتضنت الجامعات المغربية أجيالًا من الطلبة الأردنيين الذين تتلمذوا على أيدي أساتذة مغاربة أجلاء، وعادوا إلى وطنهم حاملين شهادات أكاديمية ومعارف علمية واسعة واطلاعات معمقة عن الحضارة المغربية العريقة بمختلف ثقافاتها. ولا نغفل أنّ هذا الجانب أسس لروابط إنسانية متينة نشأت منها علاقات اجتماعية وصداقة زادت النسيج الاجتماعي بين البلدين دفئًا ورسوخًا. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد شهد التبادل التجاري خطوات متنامية، مدعومًا بفرص استثمارية في مجالات عدة لاسيما أن المغرب يحتضن العديد من الاستثمارات الأردنية في عدة قطاعات منها الصناعية والمصرفية والزراعية والتكنولوجية والعقارية، وهو تعاون يعكس الثقة المتبادلة والبيئة الاستثمارية الجاذبة في كلا البلدين، في إطار حرص مشترك على تعميق المصالح الاقتصادية جنبًا إلى جنب مع روابط الدم والتاريخ. واليوم يقف الأردنيون والمغاربة على ضفّتي وطن عربي واحد، تجمعهم وحدة الانتماء العربي والإسلامي، ويقودهم نهج حكيم يمثله جلالة الملك عبد الله الثاني وأخوه جلالة الملك محمد السادس. إنها علاقة بلغت ذروة نضجها، تمزج بين المكانة التاريخية الرفيعة للعرشين وعمق الإخلاص السياسي، وبين إرث حضاري عريق وحاضر يتّسم بالاستقرار والرؤية الواضحة. وهي علاقة ترسم للمستقبل صفحة ناصعة من التلاحم العربي والإسلامي، وتثبت أن الأخوّة الحقيقية لا تحدّها المسافات، وأن روابط العقيدة والتاريخ المشترك تبقى الأقوى عبر الزمن.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات