محمد حسين كبة يكتب: العقبات التي تواجه البنوك الإسلامية في تطهير الأصول الناتجة عن الاستحواذ على بنك تجاري تقليدي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9116
محمد حسين كبة يكتب: العقبات التي تواجه البنوك الإسلامية في تطهير الأصول الناتجة عن الاستحواذ على بنك تجاري تقليدي
محمد حسين كبة

محمد حسين كبة

تتزايد رغبة البنوك الإسلامية في توسيع حصصها السوقية خاصة في الأسواق المصرفية التي تمتاز بالنمو المتسارع كالسوقين الأردني والعراقي، وتعد صفقات الاستحواذ على البنوك التجارية (التقليدية) أو شراء محافظها الائتمانية طريقاً مختصراً للنمو البنكي، على الورق تبدو المعادلة الاقتصادية واضحة من خلال نقل الأصول والعملاء الجدد الى البنك المستحوذ لتضخيم الأرباح وتوسيع قاعدته البنكية، لكن خلف هذه الأوراق يصطدم مجلس إدارة البنك والخبراء الماليون بحقل ألغام معقد يُعرف بمأزق "تطهير الأصول".

 

عندما يستحوذ بنك إسلامي على محفظة ائتمانية تقليدية (كقروض تجارية أو تمويل أفراد)، فإنه يرث عقوداً مبنية بالأساس على آلية " أصل الدين مضافاً إليه الفوائد الربوية المتراكمة والمستقبلية الثابتة "، وهنا تبرز العقدة الاقتصادية الكبرى أمام البنوك الإسلامية، إذ لا يمكن للبنك ذو الطابع الإسلامي شرعاً وقانوناً تملك أو تحصيل الفوائد الربوية الثابتة والمستقبلية، كما يلزمه التخلص من الفوائد المحصلة عبر إنفاقها في أعمال الخير المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية وأحكام القانون.

 

فإذا قام البنك ذو الطابع الإسلامي ببساطة بـ "شطب" هذه الفوائد من قيوده التجارية بعد إتمام الصفقة فإنه سيتعرض لضربة قاصمة تُعرف مالياً بـ (Haircut)؛ وهي انخفاض حاد وفوري في قيمة الأصول التي دفع ثمنها في صفقة الاستحواذ، مما يؤدي ذلك إلى تشويه الميزانية العمومية للكيان الجديد واستنزاف حقوق مساهميه، إضافةً الى تندي قيمة المحفظة الاستثمارية بعد ان كان البنك يرغب في رفعها من خلال الاستحواذ.

 

لم تعد عقود الاستحواذ المصرفي مجرد اتفاقيات موجزة لنقل الملكية، بل عقود واتفاقيات معقدة حيث يبتكر المستشارون القانونيون آليات تعاقدية شديدة التعقيد؛ بهدف حماية الميزانية ولتفادي الخسائر المالية العالية - والتي تعد بمثابة انتحار مالي -، وتبرز هنا ثلاثة حلول مالية جوهرية التي يمكن من الممكن أن تُصاغ في بنود الاستحواذ الى جانب الحلول الأخرى التي يمكن ان يتم الاتفاق عليها بين الطرفين : • الخصم المسبق من التقييم (Valuation Adjustment at Source): يتعمد المحامون والخبراء الماليون إلى قلب معادلة المخاطرة وتحميلها للطرف البائع (البنك التقليدي)، حيث يتم تقييم المحفظة المستهدفة باستبعاد كافة التدفقات النقدية المخالفة للشريعة (الفوائد الربوية) من السعر النهائي للصفقة، وبهذا البند العبء الاقتصادي للتطهير يتحمله مساهمو البنك التقليدي عبر خصمه من ثمن الاستحواذ وليس البنك المشتري.

 

العزل في كيان ذي غرض خاص (SPV Carve-out): لتجنب تلوث السجلات المالية للبنك الإسلامي، يتم اللجوء إلى تأسيس شركة مستقلة ذات غرض خاص عند إغلاق الصفقة، تُنقل الأصول السليمة القابلة للأسلمة فوراً إلى البنك الإسلامي، بينما تعزل الديون المتعثرة أوالمرتبطة بفوائد ربوية في هذه الشركة المستقلة؛ لتصفيتها وتحصيلها تدريجياً خارج الميزانية العمومية مما يضمن الحفاظ على المؤشرات المالية للكيان المندمج، وبذلك تمثل هذه الشركة إدارة لتلك الأموال ويتم بعد ذلك تصفيتها بعد تحصيل آخر دين.

 

• التجديد الفوري للدين (Immediate Novation): لضمان عدم توقف التدفقات النقدية يُدرج في عقد الاستحواذ "شرطاً واقفاً" (Condition Precedent) أي يكون عقد الاستحواذ معلقاً على شرط، على النحو الذي يمنع معه اكتمال الصفقة قانونياً إلا بتوقيع ملاحق لتجديد الالتزام مع كبار العملاء، تُحول هذه الملاحق القروض التقليدية إلى أدوات تمويل إسلامية (كالمرابحة أو الإجارة) في نفس يوم الإغلاق المالي، ليضمن البنك بدء جني الأرباح المتوافقة مع الشريعة منذ اليوم الأول.

 

في المحصلة لا يمكن النظر الى صفقات الاستحواذ المعقدة بين البنوك المختلفة بمعزل عن الدور السيادي والرقابي الحاسم للبنك المركزي، فعقود الاستحواذ مهما بلغت دقتها ومهارة صياغتها، تبقى مرهونة بموافقة البنك المركزي والذي يشترط ابتداءً إجازته المسبقة لأي عملية استحواذ بنكي؛ لضمان استقرار الجهاز المصرفي وحماية حقوق المودعين، وهنا تتجلى حنكة ومرونة التشريعات المصرفية، والتي تستحق الإشادة الى نجاحها في خلق بيئة قانونية متطورة وقادرة على استيعاب هذا التحول المعقد بين الأنظمة المصرفية، فقد وفرت هذه التشريعات الرؤية والوسائل التي تتيح للكيانات المالية ترويض المخاطر الاقتصادية، لتثبت دائماً قدرة القانون الوضعي على إيجاد ذلك التوازن الدقيق والسليم بين صرامة الامتثال للمعايير واستدامة ربحية رأس المال.

 

الكاتب : محمد حسين كبة / 2026 جميع الحقوق محفوظة

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم