د. زياد الحنفي يكتب: حين تنجح العلامة… وترسب التربية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7631
 د. زياد الحنفي يكتب: حين تنجح العلامة… وترسب التربية
د. زياد جلال الحنفي

د. زياد جلال الحنفي

الاحتفال بالنجاح حق، والفرح بإنجاز أبنائنا جميل ومستحق؛ فالنجاح ثمرة سنوات من التعب والسهر والاجتهاد، ومن حق الطالب وأسرته ومدرسته أن يحتفلوا بهذه اللحظة. فمبارك لكل من نجح من طلبة الثانوية العامة، وحظًا أوفر وفرصة أجمل بإذن الله لمن لم يحالفه النجاح هذا العام.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس: هل نحتفل؟ بل: كيف نحتفل؟
فالفرح، مهما كان كبيرًا، لا يمنحنا إجازة مؤقتة من الأخلاق، ولا يبرر تجاوز حدود الذوق واللباقة والقيم التي يفترض أن المؤسسة التعليمية وجدت أساسًا لترسيخها.
والمؤسف أن بعض مظاهر الاحتفال التي شاهدناها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والصادرة عن بعض المؤسسات التعليمية، تجاوزت في مضمونها وشكلها الإطار التربوي الذي يفترض أن تمثله المدرسة. رأينا أحيانًا لغةً وأغانيَ وأساليبَ في التعبير عن الفرح لا تنسجم مع رسالة مؤسسة يفترض أنها لا تعلّم أبناءنا الرياضيات والعلوم واللغات فحسب، بل تساهم في بناء شخصياتهم، وتهذيب أذواقهم، وتعزيز منظومتهم الأخلاقية والقيمية.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: قد ننجح في صناعة طالب يحصل على العلامة، لكننا نفشل في صناعة إنسان يعرف قيمة الكلمة وحدود السلوك.
فما قيمة أن تتصدر المدرسة نتائج الامتحانات، إذا كانت عاجزة عن أن تتصدر في الوعي والقيمة والقدوة؟
وما قيمة أن نعلّم أبناءنا كيف يجيبون عن أسئلة الامتحان، إذا لم نعلّمهم كيف يجيبون عن أسئلة الحياة والأخلاق والمسؤولية؟
الأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات التعليمية باتت تتعامل مع هذه المناسبات بعقلية تسويقية بحتة؛ وكأن الاحتفال لم يعد مناسبة تربوية وإنسانية، بل فرصة لجذب المشاهدات وإثارة الانتباه وتحقيق الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي.
وهنا أوجّه سؤالًا إلى القائمين على هذه المؤسسات:
هل سألتم أنفسكم، قبل نشر أي فعالية، عن الرسالة التي تقدمونها للطلبة والمجتمع؟ وهل أصبح عدد المشاهدات والتفاعلات معيارًا أهم من السؤال عن القيمة التي تتركها المدرسة في وعي أبنائها؟
ليس كل ما يجذب الانتباه نجاحًا في التسويق، وليس كل ما يحقق انتشارًا يخدم سمعة المؤسسة، بل إن التسويق الذي يهدم هوية المؤسسة وقيمها من أجل لحظة من الانتشار هو في حقيقته إساءة للمؤسسة قبل أن يكون دعاية لها.
لقد أصبح التعليم، للأسف، لدى بعض المؤسسات سوقًا تجاريًا؛ الطالب فيه رقم، والنتيجة إعلان، والنجاح مادة تسويقية، والاحتفال حملة دعائية، بينما تتراجع التربية إلى الهامش.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، فالمدرسة ليست متجرًا لبيع العلامات، ولا منصةً لصناعة المحتوى، ولا مشروعًا تجاريًا غايته ملء المقاعد والجيوب. المدرسة مؤسسة لبناء الإنسان، وإذا فقدت هذه الوظيفة، فقدت مبرر وجودها التربوي مهما ارتفعت نسب النجاح فيها ومهما ازدحمت إعلاناتها بصور المتفوقين.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بالتعليم هو أن نفرغه من رسالته، وأن نحوله من مشروع لبناء الإنسان إلى سباق على العلامة والإعلان والربح، فالعلامة المرتفعة قد تصنع طالبًا متفوقًا، لكنها وحدها لا تصنع إنسانًا واعيًا.
والمدرسة الحقيقية لا يُقاس نجاحها فقط بعدد طلبتها الذين تجاوزوا امتحان الثانوية العامة، بل بعدد القيم التي بقيت فيهم بعد أن غادروا مقاعدها، لأن الامتحان الحقيقي للتعليم ليس ما يحفظه الطالب داخل قاعة الامتحان، بل ما يبقى منه في سلوكه عندما يخرج إلى المجتمع.
وهنا علينا أن نسأل بصدق:
إذا نجح أبناؤنا في الامتحان، وفشلنا في تعليمهم معنى القيمة… فمن الذي نجح فعلًا؟ ومن الذي رسب؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم