هل بقي في عالمنا الحديث رئيس ديوان ملكي أو رئاسي يستطيع، قدر الإمكان، أن يبقي بابه مفتوحاً للناس؟
قد تبدو المسألة عادية في الأردن؛ حتى نضعها في سياقها الصحيح.
فالدواوين الرئاسية والملكية في العالم هي، بطبيعتها، أعلى دوائر الدولة حساسية، وأشدها ازدحاماً بالملفات والمواعيد والبروتوكول. وكلما اقترب المسؤول من قمة الدولة، ازدادت المسافات بينه وبين الناس.
لكن يوسف العيسوي فهم منذ البداية أن لهذا المكان خصوصية أخرى.
فهذه أبواب ديوان آل هاشم.
والأردني يعرف معنى هذه العبارة جيداً.
فحين يحل جلالة الملك عبدالله الثاني بين أهله في مدينة أو قرية أو بادية أو مخيم، لا نشعر أن ملكاً جاء ضيفاً علينا؛ بل نقول له من القلب: يا مولاي، أنت صاحب الدار ونحن ضيوفك.
فكيف إذا دخل الأردني الديوان الملكي نفسه؟
من الضيف، ومن صاحب الدار؟
هنا تكمن الحكاية كلها.
فالديوان الملكي الهاشمي لم يكن في الوجدان الأردني مجرد مؤسسة سيادية خلف الأسوار؛ إنه بيت الأردنيين. وهذه ليست استعارة صحفية، فقد جاءت المهمة واضحة في رسالة جلالة الملك إلى العيسوي عند تكليفه برئاسة الديوان: تعزيز التواصل مع أبناء وبنات الشعب، وإبقاء أبواب الديوان مفتوحة أمام الجميع، ليظل بيتاً وموئلاً للأردنيين.
والعيسوي كان أهلاً لهذه المدرسة قبل أن يكون أهلاً للموقع.
يوسف.. ومن أجمل الأسماء يوسف.
اسم ارتبط في ذاكرتنا بالصبر والحكمة وحسن التدبير، وربما كان للرجل من اسمه نصيب؛ قليل الضجيج، كثير الحركة، يعرف أن بعض المواقع تتحدث عنها الأعمال أكثر مما تتحدث عنها الكلمات.
فهو لم يتخلَّ عن مكتبه، لكنه لم يسمح للمكتب أن يحتجزه.
عرف الورقة، وعرف الميدان.
قرأ التقرير، لكنه ذهب ليرى ما وراء التقرير.
وظل قريباً من المبادرات الملكية التي وُلدت أصلاً من فلسفة ميدانية؛ إذ جاءت استجابة لما كان يلمسه جلالة الملك في زياراته المتكررة للمحافظات والبلدات والقرى والبوادي والمخيمات، ثم جرى تحويل هذه الاحتياجات إلى عمل مؤسسي ومشروعات في الصحة والتعليم والإسكان والتمكين والتنمية.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم مدارس الرجل:
الميدان يهذّب المكتب.
فالملف في المكتب يحمل رقماً، لكنه في الميدان يحمل اسماً ووجهاً وحكاية.
والحاجة في التقرير سطر، لكنها عند باب بيت قد تكون حياة أسرة كاملة.
ولهذا لم تكن المتابعة الميدانية عنده نقيضاً للعمل المؤسسي، وإنما امتداداً له.
وهناك مدرسة أخرى لا تحتاج إلى قرار إداري: التواضع.
فالمناصب الكبيرة تغري أصحابها بالمسافات؛ مكتب أوسع، مواعيد أكثر، بروتوكول أثقل، وحواجز تتكاثر حتى يعرف المسؤول المواطن من التقارير أكثر مما يعرفه من الناس.
أما التواضع في موقع كبير، فليس أن تخفض صوتك أمام الناس فحسب؛ بل أن تبقى قادراً على سماع أصواتهم.
ولهذا كانت سياسة الباب المفتوح عند العيسوي باباً في المكتب، ولكنها أيضاً باب في العقل وباب في القلب.
شارك الأردنيين، قدر ما يسمح به الموقع والوقت، مناسباتهم؛ في أفراحهم وأتراحهم، في مجالسهم وبيوت عزائهم ومناسباتهم الوطنية والاجتماعية. وهذه التفاصيل قد لا تدخل في الوصف الوظيفي لرئيس ديوان، لكنها تدخل في شيء أعمق كثيراً:
ذاكرة الناس.
فالناس قد تنسى رقم كتاب، ولا تنسى يداً امتدت إليها.
وقد تنسى اسم لجنة، ولا تنسى من وقف معها في يوم فرح أو حزن.
وقد لا تتذكر نص القرار، لكنها تتذكر جيداً كيف عاملها صاحب القرار.
وهنا تأتي قيمة قلّما نجد لها خانة في نماذج تقييم الأداء:
جبر الخواطر.
وجبر الخاطر في الدولة ليس توزيع الوعود، ولا تجاوز القانون، ولا أن يستطيع المسؤول حل كل مشكلة تعرض عليه.
بل أن يشعر المواطن، حتى عندما يتعذر طلبه، أن أحداً سمعه واحترمه، وأن الدولة لم تختصره في معاملة.
وتلك مسافة كبيرة بين خدمة المواطن واسترضائه.
والعيسوي فهم كذلك معادلة أصعب: أن تنتصر للمواطن من دون أن تصنع خصومة مع المسؤول.
فالدولة ليست جزرًا متصارعة.
ورئيس الديوان لا يحل محل الوزير، ولا يلغي المؤسسة، ولا يبني حضوره على إضعاف حضور الآخرين. دوره الأذكى أن يحمل حاجة المواطن إلى حيث ينبغي أن تصل، وأن يتابعها ضمن مؤسسات الدولة، وأن يجعل التعاون أقصر الطرق بين المشكلة والحل.
أن تكون مع المواطن، من دون أن تعارض مع المؤسسات.
هذه واحدة من أدق معادلات رجل الدولة.
فالانتصار الحقيقي للمواطن في جعل مؤسسات الدولة تعمل من أجله.
ولهذا ظل الديوان في هذا النهج حلقة وصل لا جبهة موازية، وبيتاً يستقبل الصوت ثم يعيده إلى مساره المؤسسي الصحيح.
وقد تجسد معنى «بيت الأردنيين» عملياً منذ سنوات في دوائر خدمة الجمهور، وفي متابعة احتياجات المواطنين والمبادرات الملكية، وفي التواصل مع المحافظات والمخيمات ومؤسسات المجتمع.
وفي كل ذلك بقي الرجل أقرب إلى مدرسة العمل الهادئ.
وربما ساعدته بداياته في الجيش العربي على فهم معنى الانضباط، ثم علّمته سنوات الديوان أن للانضباط وجهاً آخر اسمه الرحمة، وأن الدولة تكون قوية بالقانون، لكنها تكون قريبة بالإنسان.
فالمسؤولية، مهما علا موقعها، ليست امتيازاً عابراً بل أمانة كبرى.
أما الطريقة التي يمارس بها صاحبه المسؤولية، فقد تصبح مدرسة.
ومدرسة العيسوي يمكن اختصارها في كلمات قليلة:
مكتب لا يحجبه عن الميدان، وباب لا يحجبه عن الناس، وعقل لا يغلقه المنصب، وقلب يعرف أن جبر خاطر مواطن قد يكون أحياناً أثقل في ميزان الدولة من عشرات الخطب.
وهكذا نفهم لماذا بقيت عبارة «الديوان الملكي الهاشمي بيت الأردنيين» أكبر من شعار.
لأن البيت لا تصنعه الجدران.
يصنعه أهله.
ويصنعه باب يعرف صاحبه لماذا يجب أن يبقى مفتوحاً.
ويصنعه ملك، إذا حل بيننا في مدننا وقرانا وبوادينا ومخيماتنا، شعرنا أننا نحن الضيوف وأنه صاحب الدار.
فكيف إذا كنا نحن الداخلين إلى داره؟
يوسف العيسوي..
حملت الأمانة في بيت آل هاشم، وأبقيت في البيت مكاناً للناس.
فكنت أهلاً لها.
قد تبدو المسألة عادية في الأردن؛ حتى نضعها في سياقها الصحيح.
فالدواوين الرئاسية والملكية في العالم هي، بطبيعتها، أعلى دوائر الدولة حساسية، وأشدها ازدحاماً بالملفات والمواعيد والبروتوكول. وكلما اقترب المسؤول من قمة الدولة، ازدادت المسافات بينه وبين الناس.
لكن يوسف العيسوي فهم منذ البداية أن لهذا المكان خصوصية أخرى.
فهذه أبواب ديوان آل هاشم.
والأردني يعرف معنى هذه العبارة جيداً.
فحين يحل جلالة الملك عبدالله الثاني بين أهله في مدينة أو قرية أو بادية أو مخيم، لا نشعر أن ملكاً جاء ضيفاً علينا؛ بل نقول له من القلب: يا مولاي، أنت صاحب الدار ونحن ضيوفك.
فكيف إذا دخل الأردني الديوان الملكي نفسه؟
من الضيف، ومن صاحب الدار؟
هنا تكمن الحكاية كلها.
فالديوان الملكي الهاشمي لم يكن في الوجدان الأردني مجرد مؤسسة سيادية خلف الأسوار؛ إنه بيت الأردنيين. وهذه ليست استعارة صحفية، فقد جاءت المهمة واضحة في رسالة جلالة الملك إلى العيسوي عند تكليفه برئاسة الديوان: تعزيز التواصل مع أبناء وبنات الشعب، وإبقاء أبواب الديوان مفتوحة أمام الجميع، ليظل بيتاً وموئلاً للأردنيين.
والعيسوي كان أهلاً لهذه المدرسة قبل أن يكون أهلاً للموقع.
يوسف.. ومن أجمل الأسماء يوسف.
اسم ارتبط في ذاكرتنا بالصبر والحكمة وحسن التدبير، وربما كان للرجل من اسمه نصيب؛ قليل الضجيج، كثير الحركة، يعرف أن بعض المواقع تتحدث عنها الأعمال أكثر مما تتحدث عنها الكلمات.
فهو لم يتخلَّ عن مكتبه، لكنه لم يسمح للمكتب أن يحتجزه.
عرف الورقة، وعرف الميدان.
قرأ التقرير، لكنه ذهب ليرى ما وراء التقرير.
وظل قريباً من المبادرات الملكية التي وُلدت أصلاً من فلسفة ميدانية؛ إذ جاءت استجابة لما كان يلمسه جلالة الملك في زياراته المتكررة للمحافظات والبلدات والقرى والبوادي والمخيمات، ثم جرى تحويل هذه الاحتياجات إلى عمل مؤسسي ومشروعات في الصحة والتعليم والإسكان والتمكين والتنمية.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم مدارس الرجل:
الميدان يهذّب المكتب.
فالملف في المكتب يحمل رقماً، لكنه في الميدان يحمل اسماً ووجهاً وحكاية.
والحاجة في التقرير سطر، لكنها عند باب بيت قد تكون حياة أسرة كاملة.
ولهذا لم تكن المتابعة الميدانية عنده نقيضاً للعمل المؤسسي، وإنما امتداداً له.
وهناك مدرسة أخرى لا تحتاج إلى قرار إداري: التواضع.
فالمناصب الكبيرة تغري أصحابها بالمسافات؛ مكتب أوسع، مواعيد أكثر، بروتوكول أثقل، وحواجز تتكاثر حتى يعرف المسؤول المواطن من التقارير أكثر مما يعرفه من الناس.
أما التواضع في موقع كبير، فليس أن تخفض صوتك أمام الناس فحسب؛ بل أن تبقى قادراً على سماع أصواتهم.
ولهذا كانت سياسة الباب المفتوح عند العيسوي باباً في المكتب، ولكنها أيضاً باب في العقل وباب في القلب.
شارك الأردنيين، قدر ما يسمح به الموقع والوقت، مناسباتهم؛ في أفراحهم وأتراحهم، في مجالسهم وبيوت عزائهم ومناسباتهم الوطنية والاجتماعية. وهذه التفاصيل قد لا تدخل في الوصف الوظيفي لرئيس ديوان، لكنها تدخل في شيء أعمق كثيراً:
ذاكرة الناس.
فالناس قد تنسى رقم كتاب، ولا تنسى يداً امتدت إليها.
وقد تنسى اسم لجنة، ولا تنسى من وقف معها في يوم فرح أو حزن.
وقد لا تتذكر نص القرار، لكنها تتذكر جيداً كيف عاملها صاحب القرار.
وهنا تأتي قيمة قلّما نجد لها خانة في نماذج تقييم الأداء:
جبر الخواطر.
وجبر الخاطر في الدولة ليس توزيع الوعود، ولا تجاوز القانون، ولا أن يستطيع المسؤول حل كل مشكلة تعرض عليه.
بل أن يشعر المواطن، حتى عندما يتعذر طلبه، أن أحداً سمعه واحترمه، وأن الدولة لم تختصره في معاملة.
وتلك مسافة كبيرة بين خدمة المواطن واسترضائه.
والعيسوي فهم كذلك معادلة أصعب: أن تنتصر للمواطن من دون أن تصنع خصومة مع المسؤول.
فالدولة ليست جزرًا متصارعة.
ورئيس الديوان لا يحل محل الوزير، ولا يلغي المؤسسة، ولا يبني حضوره على إضعاف حضور الآخرين. دوره الأذكى أن يحمل حاجة المواطن إلى حيث ينبغي أن تصل، وأن يتابعها ضمن مؤسسات الدولة، وأن يجعل التعاون أقصر الطرق بين المشكلة والحل.
أن تكون مع المواطن، من دون أن تعارض مع المؤسسات.
هذه واحدة من أدق معادلات رجل الدولة.
فالانتصار الحقيقي للمواطن في جعل مؤسسات الدولة تعمل من أجله.
ولهذا ظل الديوان في هذا النهج حلقة وصل لا جبهة موازية، وبيتاً يستقبل الصوت ثم يعيده إلى مساره المؤسسي الصحيح.
وقد تجسد معنى «بيت الأردنيين» عملياً منذ سنوات في دوائر خدمة الجمهور، وفي متابعة احتياجات المواطنين والمبادرات الملكية، وفي التواصل مع المحافظات والمخيمات ومؤسسات المجتمع.
وفي كل ذلك بقي الرجل أقرب إلى مدرسة العمل الهادئ.
وربما ساعدته بداياته في الجيش العربي على فهم معنى الانضباط، ثم علّمته سنوات الديوان أن للانضباط وجهاً آخر اسمه الرحمة، وأن الدولة تكون قوية بالقانون، لكنها تكون قريبة بالإنسان.
فالمسؤولية، مهما علا موقعها، ليست امتيازاً عابراً بل أمانة كبرى.
أما الطريقة التي يمارس بها صاحبه المسؤولية، فقد تصبح مدرسة.
ومدرسة العيسوي يمكن اختصارها في كلمات قليلة:
مكتب لا يحجبه عن الميدان، وباب لا يحجبه عن الناس، وعقل لا يغلقه المنصب، وقلب يعرف أن جبر خاطر مواطن قد يكون أحياناً أثقل في ميزان الدولة من عشرات الخطب.
وهكذا نفهم لماذا بقيت عبارة «الديوان الملكي الهاشمي بيت الأردنيين» أكبر من شعار.
لأن البيت لا تصنعه الجدران.
يصنعه أهله.
ويصنعه باب يعرف صاحبه لماذا يجب أن يبقى مفتوحاً.
ويصنعه ملك، إذا حل بيننا في مدننا وقرانا وبوادينا ومخيماتنا، شعرنا أننا نحن الضيوف وأنه صاحب الدار.
فكيف إذا كنا نحن الداخلين إلى داره؟
يوسف العيسوي..
حملت الأمانة في بيت آل هاشم، وأبقيت في البيت مكاناً للناس.
فكنت أهلاً لها.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات