أصبح الابتكار في القطاع العام شرطاً أساسياً لقدرة الدولة على تقديم خدمات أفضل، وإدارة مواردها المحدودة بكفاءة، والاستجابة السريعة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، ولم يعد ترفاً إدارياً، ولا شعاراً تجميلياً يضاف إلى الخطط والاستراتيجيات.
الابتكار الحكومي لا يعني بالضرورة اختراع تقنيات معقدة، أو إنفاق مبالغ طائلة على الأنظمة الإلكترونية؛ فقد يكون الابتكار على شكل تبسيط إجراء، أو إلغاء توقيع لا ضرورة له، أو دمج خدمات متشابهة، أو إعادة تصميم رحلة المواطن داخل المؤسسة، أو استخدام البيانات للتنبؤ بالمشكلة قبل وقوعها. وقد يتمثل أيضاً في منح الموظف مساحة لاقتراح حلول جديدة، بدلاً من مطالبته بتنفيذ التعليمات بصمت، حتى عندما يعرف ذلك الموظف أن الإجراء القائم بطيء أو مكلف أو عديم الجدوى. وفي بلد مثل الأردن، يواجه ضغوطاً مالية متراكمة، ونمواً سكانياً متزايداً، وارتفاعاً في توقعات المواطنين، لم يعد ممكناً أنْ تتم إدارة المؤسسات العامة بالأدوات والأساليب التي كانت سائدة قبل عقود؛ وبالتالي، تزداد أهمية الابتكار في هذه المرحلة بالتزامن مع تنفيذ خارطة تحديث القطاع العام، التي جعلت تحسين الخدمات ورفع كفاءة الإدارة العامة غايتها النهائية، ووضعت الرقمنة والحوكمة ضمن أولوياتها الرئيسة. فلماذا يحتاج القطاع العام الأردني الابتكار وبصورة ملحة؟
تنبع الحاجة الأولى من محدودية الموارد العامة. فالمؤسسات الحكومية لا تستطيع مواجهة كل مشكلة بزيادة عدد الموظفين، أو فتح مديريات جديدة، أو طلب مخصصات مالية إضافية. وعليه، يتجلى الابتكار هنا بالقدرة على تحقيق نتائج أفضل باستثمار الموارد المتاحة بكفاية، من خلال إعادة هندسة الإجراءات، والاستفادة من التكنولوجيا، وتقليل الازدواجية، وتحسين التنسيق بين المؤسسات.
أما الحاجة الثانية فتتعلق بثقة المواطن. فالمواطن لا يقيس نجاح الإدارة العامة بعدد الخطط أو الاجتماعات أو اللجان، وإنما يقيسه بالوقت الذي يحتاجه للحصول على الخدمة، وعدد الوثائق التي يُطلب منه تقديمها، ومدى وضوح الإجراءات، وعدالة القرارات، وسهولة الاعتراض أو تقديم الشكوى. وكل ابتكار يختصر على المواطن الوقت والكلفة والجهد هو، في جوهره، استثمار في الثقة بالدولة ومؤسساتها.
وتتمثل الحاجة الثالثة في تسارع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. فالعالم يتجه نحو حكومات تستند إلى البيانات، وتستخدم التحليل التنبؤي في التخطيط، وتقدم خدمات استباقية للمواطن قبل أن يطلبها. وقد طرحت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة استراتيجية التحول الرقمي مستندة إلى مرتكزات تشمل البيئة التشريعية والتنظيمية، والابتكار، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والشراكات الاستراتيجية. كما أطلقت برامج لرفع وعي موظفي القطاع العام وبناء قدراتهم في الذكاء الاصطناعي. غير أن التكنولوجيا لن تصنع حكومة مبتكِرة إذا جرى استخدامها لرقمنة التعقيد نفسه؛ فتحويل المعاملة الورقية الطويلة إلى معاملة إلكترونية طويلة ليس ابتكاراً، بل هو نقل للبيروقراطية من الورق إلى الشاشة.
لكن، على الرغم من كثرة الحديث الرسمي عن الابتكار، والنصِّ عليه في عدد من التشريعات ومنها نظام إدارة الموارد البشرية،فإنّه ما يزال هناك الكثير من المعيقات التي تحول دون استخدام الابتكار كأحد معززات تطوير القطاع العام، مما يتطلب وضع آلية تنفيذية، تعالج المعيقات، وتجعل الابتكار أمرا واقعا وليس مجرد خطابات وكلمات رنانة. فعلى سبيل المثال، نجد البيئةَ الإدارية في بعض المؤسسات العامة لا تزال أكثر ميلاً إلى الحفاظ على الوضع القائم منها إلى تجربة حلول جديدة. والموظف الذي يلتزم بالتعليمات حرفياً، حتى لو لم يحقق نتائج ملموسة، يكون في الغالب أكثر أماناً مِن الموظف الذي يجرب حلاً جديداً وقد يتعثر في تطبيقه. ومثل هذه الثقافة تخلق ما يمكن وصفه بـ«الإدارة الدفاعية» حين يصبح همّ المسؤول إثبات أنه لم يخالف التعليمات، وليس إثبات أنه قام بإيجاد حل مشكلة. وبدلاً من السؤال: ماذا أنجزنا؟ يصبح السؤال: هل قمنا بحماية أنفسنا من خلال الكتب الرسمية والتواقيع؟.
وتشكل المركزية المفرطة عائقاً رئيساً أمام الابتكار. فلا يمكن أن نطلب من مدير أو موظف في الميدان أن يكون مبتكراً، ثم نحرمه من أبسط الصلاحيات اللازمة لتعديل إجراء أو تجربة فكرة. وعندما تحتاج القرارات التشغيلية الصغيرة إلى سلسلة طويلة من الموافقات، فإن الأفكار تفقد زخمها، ويتعلم الموظفون بمرور الوقت أن الصمت أقل كلفة من الاقتراح.
ومن المعيقات أيضاً ضعف الربط بين الابتكار والتقييم والترقية. ففي كثير من الحالات، لا تختلف نتيجة الموظف الذي يقدم حلولاً ويوفر الوقت والمال عن نتيجة زميل يكتفي بأداء الحد الأدنى من واجباته. وقد يحصل الموظف على كتاب شكر، لكن فكرته لا تتحول إلى نموذج مؤسسي، ولا تنعكس على مساره الوظيفي أو مكافآته. وعندما لا يجد الموظفون مقابلاً عادلاً للمبادرة، يصبح الابتكار جهداً شخصياً قصير العمر.
يضاف إلى ذلك ضعف التنسيق وتبادل البيانات بين المؤسسات. فقد تنجح مؤسسة في تطوير خدمة، لكنها تظل تطلب من المواطن وثائق صادرة عن مؤسسة حكومية أخرى؛ لأن الأنظمة لا تتكامل أو لأن كل جهة تتعامل مع بياناتها كأنها ملْكية خاصة. ولا يمكن بناء قطاع عام مبتكر في ظل جزر مؤسسية منعزلة، ولا يمكن تقديم خدمة حكومية متكاملة إذا كان المواطن هو الذي يحمل المعلومات من نافذة حكومية إلى أخرى.
ولا يقل عن ذلك خطورة التغيير المستمر للأولويات بتغير المسؤولين. فبعض المبادرات تبدأ بحماس كبير، ثم تتراجع أو تتوقف عند انتقال مسؤول أو تغيير قيادة. والابتكار المؤسسي لا يُبنى بحملات موسمية ولا يرتبط بشخص متحمس، بل يحتاج إلى نظام يحفظ استمراريته ويقيس نتائجه ويتعلم من إخفاقاته.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يصبح الابتكار في القطاع العام ممارسة مؤسسية، وما هي ممكنات ذلك؟ أول الممكنات هو وجود قيادة تؤمن بأن الابتكار ليس مناسبة إعلامية. فالقيادة المبتكِرة لا تكتفي بطلب الأفكار، وإنما تزيل العوائق أمام تنفيذها، وتمنح فرق العمل صلاحيات واضحة، وتوفر لها الموارد والوقت، وتحمي التجارب المسؤولة من العقاب عند الإخفاق غير المتعمد.
ويأتي بعد ذلك إنشاء «مساحات آمنة للتجريب» داخل المؤسسات العامة تتيح اختبار الحلول على نطاق محدود قبل تعميمها؛ إذ ليس من المنطقي أنْ نطالب بأنْ تكون كل فكرة ناجحة منذ يومها الأول؛ فالابتكار بطبيعته يقوم على التجربة والتعلم والتعديل. والمطلوب ليس التساهل مع الإهمال، وإنما التمييز بين الفشل الناتج عن تجربة مدروسة، والفشل الناتج عن التقصير أو سوء الإدارة.
ومن الممكنات المهمة إعادة تصميم أنظمة إدارة الموارد البشرية، بحيث يصبح الابتكار جزءاً واضحاً من الوصف الوظيفي وتقييم الأداء والترقية والحوافز؛ ويجب ألا تقاس مساهمة الموظف بعدد الاقتراحات التي يقدمها، بل بقيمة ما أحدثته هذه الاقتراحات: كم اختصرت من الوقت؟ كم وفرت من المال؟ كم رفعت من مستوى رضا المتعاملين؟ وكم خفضت عدد الشكاوى والأخطاء؟
ويحتاج الابتكار أيضاً إلى شراكة حقيقية مع الجامعات والقطاع الخاص والشركات الناشئة ومؤسسات المجتمع المدني. فالوزارة ليست مطالبة بأن تنتج جميع الحلول داخل مبناها، لكنها مطالبة بأن تعرف كيف تطرح المشكلة، وتستفيد من المعرفة والخبرة المتاحة، وتختبر الحلول بشفافية وعدالة.
كما ينبغي إشراك المواطنين في تصميم الخدمات. فالمواطن ليس مجرد متلقٍ للخدمة، بل هو المصدر الأهم لمعرفة نقاط الضعف فيها. ويمكن للمؤسسات استخدام الشكاوى والاستبيانات وتحليل رحلة المتعامل والمختبرات الحكومية للوصول إلى حلول تنطلق من احتياجات الناس الفعلية، لا من تصورات الموظفين وحدهم.
لقد حقق الأردن تقدماً في بعض مؤشرات الابتكار خلال عام 2025، ومنها تحسن ترتيبه في مدخلات الابتكار من المرتبة 69 إلى المرتبة 66، وتَقَدُّمُ ركيزةُ تطور الأعمال من المرتبة 72 إلى المرتبة 58. وهذه إشارات إيجابية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على قدرة المؤسسات العامة على الابتكار. فالمعيار الحقيقي ليس ترتيب الدولة في المؤشرات فقط، وإنما ما إذا كان المواطن قد لمس خدمة أسرع، وإجراءً أبسط، وقراراً أوضح، وكلفة أقل.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو اختزال الابتكار في مسابقات للأفكار، أو أيام وظيفية، أو شعارات تعلق على الجدران. فالابتكار الحقيقي قرار إداري وسياسي يعيد توزيع الصلاحيات، ويربط المسؤولية بالنتائج، ويفتح البيانات، ويكافئ المبادرة، ويقبل التجربة، ويحاسب على تعطيل الحلول كما يحاسب على مخالفة الإجراءات.
الأردن يمتلك كفاءات بشرية قادرة على تقديم نماذج حكومية متقدمة، كما يمتلك بنية رقمية وخططاً وطنية واتجاهاً معلناً نحو تحديث الإدارة العامة. لكن المسافة بين الإمكان والإنجاز لن تختصرها التكنولوجيا وحدها، ولا التصريحات المنمقة. وما يختصرها هو بناء ثقافة مؤسسية لا تخاف من السؤال، ولا تعاقب الموظف لأنه فكر بطريقة مختلفة، ولا تجعل الابتكار رهينة لموافقة سلسلة طويلة من المسؤولين.
القطاع العام الأردني لا يعاني من ندرة الأفكار، بل مِن ضعف القدرة على التقاطها وتجربتها وتعميم الناجح منها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس أنْ نقنع الموظفين بأن يبتكروا، وإنما أنْ نبني إدارة تسمح لهم بالابتكار، وتحميهم عندما يجربون بمسؤولية، وتكافئهم عندما يصنعون فَرْقاً. عندها فقط ينتقل الابتكار مِن خطاب رسمي جذاب إلى قوة حقيقية لتحسين حياة الأردنيين.
الابتكار الحكومي لا يعني بالضرورة اختراع تقنيات معقدة، أو إنفاق مبالغ طائلة على الأنظمة الإلكترونية؛ فقد يكون الابتكار على شكل تبسيط إجراء، أو إلغاء توقيع لا ضرورة له، أو دمج خدمات متشابهة، أو إعادة تصميم رحلة المواطن داخل المؤسسة، أو استخدام البيانات للتنبؤ بالمشكلة قبل وقوعها. وقد يتمثل أيضاً في منح الموظف مساحة لاقتراح حلول جديدة، بدلاً من مطالبته بتنفيذ التعليمات بصمت، حتى عندما يعرف ذلك الموظف أن الإجراء القائم بطيء أو مكلف أو عديم الجدوى. وفي بلد مثل الأردن، يواجه ضغوطاً مالية متراكمة، ونمواً سكانياً متزايداً، وارتفاعاً في توقعات المواطنين، لم يعد ممكناً أنْ تتم إدارة المؤسسات العامة بالأدوات والأساليب التي كانت سائدة قبل عقود؛ وبالتالي، تزداد أهمية الابتكار في هذه المرحلة بالتزامن مع تنفيذ خارطة تحديث القطاع العام، التي جعلت تحسين الخدمات ورفع كفاءة الإدارة العامة غايتها النهائية، ووضعت الرقمنة والحوكمة ضمن أولوياتها الرئيسة. فلماذا يحتاج القطاع العام الأردني الابتكار وبصورة ملحة؟
تنبع الحاجة الأولى من محدودية الموارد العامة. فالمؤسسات الحكومية لا تستطيع مواجهة كل مشكلة بزيادة عدد الموظفين، أو فتح مديريات جديدة، أو طلب مخصصات مالية إضافية. وعليه، يتجلى الابتكار هنا بالقدرة على تحقيق نتائج أفضل باستثمار الموارد المتاحة بكفاية، من خلال إعادة هندسة الإجراءات، والاستفادة من التكنولوجيا، وتقليل الازدواجية، وتحسين التنسيق بين المؤسسات.
أما الحاجة الثانية فتتعلق بثقة المواطن. فالمواطن لا يقيس نجاح الإدارة العامة بعدد الخطط أو الاجتماعات أو اللجان، وإنما يقيسه بالوقت الذي يحتاجه للحصول على الخدمة، وعدد الوثائق التي يُطلب منه تقديمها، ومدى وضوح الإجراءات، وعدالة القرارات، وسهولة الاعتراض أو تقديم الشكوى. وكل ابتكار يختصر على المواطن الوقت والكلفة والجهد هو، في جوهره، استثمار في الثقة بالدولة ومؤسساتها.
وتتمثل الحاجة الثالثة في تسارع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. فالعالم يتجه نحو حكومات تستند إلى البيانات، وتستخدم التحليل التنبؤي في التخطيط، وتقدم خدمات استباقية للمواطن قبل أن يطلبها. وقد طرحت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة استراتيجية التحول الرقمي مستندة إلى مرتكزات تشمل البيئة التشريعية والتنظيمية، والابتكار، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والشراكات الاستراتيجية. كما أطلقت برامج لرفع وعي موظفي القطاع العام وبناء قدراتهم في الذكاء الاصطناعي. غير أن التكنولوجيا لن تصنع حكومة مبتكِرة إذا جرى استخدامها لرقمنة التعقيد نفسه؛ فتحويل المعاملة الورقية الطويلة إلى معاملة إلكترونية طويلة ليس ابتكاراً، بل هو نقل للبيروقراطية من الورق إلى الشاشة.
لكن، على الرغم من كثرة الحديث الرسمي عن الابتكار، والنصِّ عليه في عدد من التشريعات ومنها نظام إدارة الموارد البشرية،فإنّه ما يزال هناك الكثير من المعيقات التي تحول دون استخدام الابتكار كأحد معززات تطوير القطاع العام، مما يتطلب وضع آلية تنفيذية، تعالج المعيقات، وتجعل الابتكار أمرا واقعا وليس مجرد خطابات وكلمات رنانة. فعلى سبيل المثال، نجد البيئةَ الإدارية في بعض المؤسسات العامة لا تزال أكثر ميلاً إلى الحفاظ على الوضع القائم منها إلى تجربة حلول جديدة. والموظف الذي يلتزم بالتعليمات حرفياً، حتى لو لم يحقق نتائج ملموسة، يكون في الغالب أكثر أماناً مِن الموظف الذي يجرب حلاً جديداً وقد يتعثر في تطبيقه. ومثل هذه الثقافة تخلق ما يمكن وصفه بـ«الإدارة الدفاعية» حين يصبح همّ المسؤول إثبات أنه لم يخالف التعليمات، وليس إثبات أنه قام بإيجاد حل مشكلة. وبدلاً من السؤال: ماذا أنجزنا؟ يصبح السؤال: هل قمنا بحماية أنفسنا من خلال الكتب الرسمية والتواقيع؟.
وتشكل المركزية المفرطة عائقاً رئيساً أمام الابتكار. فلا يمكن أن نطلب من مدير أو موظف في الميدان أن يكون مبتكراً، ثم نحرمه من أبسط الصلاحيات اللازمة لتعديل إجراء أو تجربة فكرة. وعندما تحتاج القرارات التشغيلية الصغيرة إلى سلسلة طويلة من الموافقات، فإن الأفكار تفقد زخمها، ويتعلم الموظفون بمرور الوقت أن الصمت أقل كلفة من الاقتراح.
ومن المعيقات أيضاً ضعف الربط بين الابتكار والتقييم والترقية. ففي كثير من الحالات، لا تختلف نتيجة الموظف الذي يقدم حلولاً ويوفر الوقت والمال عن نتيجة زميل يكتفي بأداء الحد الأدنى من واجباته. وقد يحصل الموظف على كتاب شكر، لكن فكرته لا تتحول إلى نموذج مؤسسي، ولا تنعكس على مساره الوظيفي أو مكافآته. وعندما لا يجد الموظفون مقابلاً عادلاً للمبادرة، يصبح الابتكار جهداً شخصياً قصير العمر.
يضاف إلى ذلك ضعف التنسيق وتبادل البيانات بين المؤسسات. فقد تنجح مؤسسة في تطوير خدمة، لكنها تظل تطلب من المواطن وثائق صادرة عن مؤسسة حكومية أخرى؛ لأن الأنظمة لا تتكامل أو لأن كل جهة تتعامل مع بياناتها كأنها ملْكية خاصة. ولا يمكن بناء قطاع عام مبتكر في ظل جزر مؤسسية منعزلة، ولا يمكن تقديم خدمة حكومية متكاملة إذا كان المواطن هو الذي يحمل المعلومات من نافذة حكومية إلى أخرى.
ولا يقل عن ذلك خطورة التغيير المستمر للأولويات بتغير المسؤولين. فبعض المبادرات تبدأ بحماس كبير، ثم تتراجع أو تتوقف عند انتقال مسؤول أو تغيير قيادة. والابتكار المؤسسي لا يُبنى بحملات موسمية ولا يرتبط بشخص متحمس، بل يحتاج إلى نظام يحفظ استمراريته ويقيس نتائجه ويتعلم من إخفاقاته.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يصبح الابتكار في القطاع العام ممارسة مؤسسية، وما هي ممكنات ذلك؟ أول الممكنات هو وجود قيادة تؤمن بأن الابتكار ليس مناسبة إعلامية. فالقيادة المبتكِرة لا تكتفي بطلب الأفكار، وإنما تزيل العوائق أمام تنفيذها، وتمنح فرق العمل صلاحيات واضحة، وتوفر لها الموارد والوقت، وتحمي التجارب المسؤولة من العقاب عند الإخفاق غير المتعمد.
ويأتي بعد ذلك إنشاء «مساحات آمنة للتجريب» داخل المؤسسات العامة تتيح اختبار الحلول على نطاق محدود قبل تعميمها؛ إذ ليس من المنطقي أنْ نطالب بأنْ تكون كل فكرة ناجحة منذ يومها الأول؛ فالابتكار بطبيعته يقوم على التجربة والتعلم والتعديل. والمطلوب ليس التساهل مع الإهمال، وإنما التمييز بين الفشل الناتج عن تجربة مدروسة، والفشل الناتج عن التقصير أو سوء الإدارة.
ومن الممكنات المهمة إعادة تصميم أنظمة إدارة الموارد البشرية، بحيث يصبح الابتكار جزءاً واضحاً من الوصف الوظيفي وتقييم الأداء والترقية والحوافز؛ ويجب ألا تقاس مساهمة الموظف بعدد الاقتراحات التي يقدمها، بل بقيمة ما أحدثته هذه الاقتراحات: كم اختصرت من الوقت؟ كم وفرت من المال؟ كم رفعت من مستوى رضا المتعاملين؟ وكم خفضت عدد الشكاوى والأخطاء؟
ويحتاج الابتكار أيضاً إلى شراكة حقيقية مع الجامعات والقطاع الخاص والشركات الناشئة ومؤسسات المجتمع المدني. فالوزارة ليست مطالبة بأن تنتج جميع الحلول داخل مبناها، لكنها مطالبة بأن تعرف كيف تطرح المشكلة، وتستفيد من المعرفة والخبرة المتاحة، وتختبر الحلول بشفافية وعدالة.
كما ينبغي إشراك المواطنين في تصميم الخدمات. فالمواطن ليس مجرد متلقٍ للخدمة، بل هو المصدر الأهم لمعرفة نقاط الضعف فيها. ويمكن للمؤسسات استخدام الشكاوى والاستبيانات وتحليل رحلة المتعامل والمختبرات الحكومية للوصول إلى حلول تنطلق من احتياجات الناس الفعلية، لا من تصورات الموظفين وحدهم.
لقد حقق الأردن تقدماً في بعض مؤشرات الابتكار خلال عام 2025، ومنها تحسن ترتيبه في مدخلات الابتكار من المرتبة 69 إلى المرتبة 66، وتَقَدُّمُ ركيزةُ تطور الأعمال من المرتبة 72 إلى المرتبة 58. وهذه إشارات إيجابية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على قدرة المؤسسات العامة على الابتكار. فالمعيار الحقيقي ليس ترتيب الدولة في المؤشرات فقط، وإنما ما إذا كان المواطن قد لمس خدمة أسرع، وإجراءً أبسط، وقراراً أوضح، وكلفة أقل.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو اختزال الابتكار في مسابقات للأفكار، أو أيام وظيفية، أو شعارات تعلق على الجدران. فالابتكار الحقيقي قرار إداري وسياسي يعيد توزيع الصلاحيات، ويربط المسؤولية بالنتائج، ويفتح البيانات، ويكافئ المبادرة، ويقبل التجربة، ويحاسب على تعطيل الحلول كما يحاسب على مخالفة الإجراءات.
الأردن يمتلك كفاءات بشرية قادرة على تقديم نماذج حكومية متقدمة، كما يمتلك بنية رقمية وخططاً وطنية واتجاهاً معلناً نحو تحديث الإدارة العامة. لكن المسافة بين الإمكان والإنجاز لن تختصرها التكنولوجيا وحدها، ولا التصريحات المنمقة. وما يختصرها هو بناء ثقافة مؤسسية لا تخاف من السؤال، ولا تعاقب الموظف لأنه فكر بطريقة مختلفة، ولا تجعل الابتكار رهينة لموافقة سلسلة طويلة من المسؤولين.
القطاع العام الأردني لا يعاني من ندرة الأفكار، بل مِن ضعف القدرة على التقاطها وتجربتها وتعميم الناجح منها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس أنْ نقنع الموظفين بأن يبتكروا، وإنما أنْ نبني إدارة تسمح لهم بالابتكار، وتحميهم عندما يجربون بمسؤولية، وتكافئهم عندما يصنعون فَرْقاً. عندها فقط ينتقل الابتكار مِن خطاب رسمي جذاب إلى قوة حقيقية لتحسين حياة الأردنيين.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات