محمد علي الزعبي يكتب: أحمد الشرع .. عندما ينتصر منطق الدولة على ضجيج الحرب

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7754
محمد علي الزعبي يكتب: أحمد الشرع ..  عندما ينتصر منطق الدولة على ضجيج الحرب
محمد علي الزعبي

محمد علي الزعبي

في التاريخ لحظاتٌ لا تُقاس بطول الزمن، بل بقدرة الرجال على الانتقال بالأوطان من حافة الهاوية إلى أفق الدولة، فليس كل من يقود مرحلةً انتقالية يصنع مستقبلاً، وليس كل من يتحدث عن السلام يمتلك مفاتيحه، لأن صناعة الدول ليست خطاباً عاطفياً، بل مشروعاً وطنياً يقوم على الحكمة، والصبر، وسيادة القانون.

لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً خلال سنوات الصراع؛ مدنٌ أنهكتها الحرب، واقتصادٌ أثقلته الأزمات، ومجتمعٌ يتطلع إلى الاستقرار بعد سنوات طويلة من الألم. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الهدوء السياسي، والقدرة على إدارة التحديات بعقل الدولة، من أهم الأدوات التي يمكن أن تُسهم في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

ويأتي الرئيس أحمد الشرع في لحظة تاريخية دقيقة، تتطلب من القيادة أن تنظر إلى المستقبل أكثر مما تنظر إلى الماضي، وأن تجعل من مؤسسات الدولة وسيادة القانون أساساً لإعادة بناء الثقة، بما يفتح الباب أمام مشاركة وطنية أوسع، ويعزز فرص الاستقرار وإعادة الإعمار.

إن الدول لا تُبنى بالانتصارات العسكرية وحدها، بل تُبنى عندما يشعر المواطن أن القانون هو المرجع الأعلى، وأن مؤسسات الدولة تعمل لخدمة الجميع، وأن العدالة ليست شعاراً يُرفع، بل ممارسة تُترجم في حياة الناس، فحين يصبح القانون هو الحكم بين الجميع، تتحول الخلافات إلى مساحة للحوار، ويتراجع منطق القوة أمام قوة الدولة.

لقد أثبت التاريخ أن أعظم القادة ليسوا أولئك الذين يطيلون أمد الصراعات، وإنما الذين يملكون شجاعة الانتقال بأوطانهم من لغة المواجهة إلى لغة البناء، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة الوطنية، ومن الانقسام إلى مشروع جامع يحفظ كرامة الإنسان ويصون وحدة الدولة.

واليوم، فإن التحدي الحقيقي أمام سوريا لا يقتصر على إعادة إعمار الحجر، بل يمتد إلى إعادة بناء الثقة، واستعادة الاقتصاد، وترسيخ المؤسسات، وتهيئة بيئة يشعر فيها المواطن بأن مستقبله يُصنع داخل وطنه، لا خارجه، فهذه هي المعركة التي تحدد مصير الأمم، وهي المعيار الذي يُقاس به نجاح أي تجربة سياسية.

إن المنطقة بأسرها تحتاج إلى سوريا مستقرة وقوية، لأن استقرارها ينعكس على محيطها العربي والإقليمي، وكل خطوة تُعزز منطق الدولة، وتوسع مساحة القانون، وتدعم مؤسسات الحكم، تمثل ركيزة لأي مشروع يسعى إلى تجاوز آثار الحرب وبناء مستقبل أكثر استقراراً.

ويبقى الزمن وحده هو الحكم على التجارب، غير أن الثابت في مسيرة الأمم أن الدول التي تنتصر للقانون على الفوضى، وللمؤسسات على الأشخاص، وللمصلحة الوطنية على الانقسامات، تكون أكثر قدرة على استعادة مكانتها وصناعة مستقبلها.

إن سوريا تستحق أن تفتح صفحة جديدة عنوانها الدولة، وأن تجعل من القانون سقفاً يلتقي تحته جميع أبنائها، ومن التنمية جسراً نحو الغد، ومن الاستقرار قاعدةً لاستعادة دورها الحضاري العربي، فالأوطان العظيمة لا تُقاس بما مرّ عليها من أزمات، بل بما تمتلكه من إرادة للنهوض، وما يملكه أبناؤها وقيادتها من إيمان بأن المستقبل يُصنع بالحكمة، وتُحرس منجزاته بالمؤسسات، ويظل القانون فيه سيد الجميع.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم