لم تكن الاعتداءات والتهديدات التي طالت المملكة الأردنية الهاشمية ودولة الكويت، وما رافقها من تصعيد طال دول الخليج العربي، أحداثًا أمنية عابرة يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها. فحين تُستهدف دولة عربية، فإن الخطر لا يقف عند حدودها، ولا ينتهي بانتهاء دوي الصواريخ أو اعتراض الطائرات المسيّرة، بل يمتد ليصيب منظومة عربية كاملة في أمنها واقتصادها وثقة العالم بها.
ومن هنا، فإن الوقوف إلى جانب الأردن والكويت، وإلى جانب المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، ومملكة البحرين، وسلطنة عُمان، ليس مجرد موقف تضامني، بل دفاع عن استقرار منطقة تمثل أحد أهم مراكز الطاقة والتجارة والاستثمار في العالم، وتشكل ركيزة أساسية للاقتصاد العربي.
لقد أثبت الأردن، رغم محدودية موارده، أنه دولة تتحمل مسؤوليات تتجاوز حدودها، فكان مدافعًا عن القدس ومقدساتها، وسندًا للأشقاء، وشريكًا في حماية الاستقرار الإقليمي. كما حافظت الكويت على نهجها القائم على الاعتدال، والدبلوماسية، والعمل الإنساني، والدعم المتواصل للقضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وواصلت دول الخليج دورها في دعم التنمية العربية، وتحريك عجلة الاستثمار، وتعزيز الأمن الاقتصادي، لتصبح شريكًا رئيسيًا في استقرار المنطقة وازدهارها.
لكن القضية اليوم ليست قضية الأردن أو الكويت أو الخليج وحدها، بل قضية الأمن العربي بمعناه الشامل.
فالاقتصاد العربي لم يعد مجموعة اقتصادات منفصلة كما كان قبل عقود، بل أصبح أكثر ترابطًا. فالطاقة، والموانئ، والممرات البحرية، والطيران، والاستثمار، والأسواق المالية، وسلاسل الإمداد، كلها تتأثر عندما تتعرض أي دولة عربية لعدم الاستقرار. ولهذا فإن الصاروخ الذي يسقط في دولة عربية لا يصيب هدفًا بعينه، بل يرفع كلفة التأمين، ويؤثر في الأسواق، ويقلق المستثمر، ويهدد حركة التجارة، ويؤخر مشاريع التنمية، ويضعف صورة المنطقة بأكملها.
وهنا تكمن المشكلة الأكبر؛ فما زلنا نتعامل مع أمن كل دولة عربية وكأنه شأن محلي، بينما تتعامل القوى الدولية مع المنطقة باعتبارها شبكة مصالح مترابطة.
الدول لا تدافع عن الدول، بل تدافع عن مصالحها. وهذه حقيقة قد تبدو قاسية، لكنها تحكم العلاقات الدولية منذ نشأتها. ولذلك فإن القوة الحقيقية لا تُبنى بالشعارات، ولا بالبيانات، وإنما ببناء مشروع اقتصادي عربي يجعل استقرار الدول العربية مصلحة مشتركة للعرب أولًا، ولشركائهم في العالم ثانيًا.
وحين ينجح العرب في بناء موقف اقتصادي موحد، يقوم على التكامل في التجارة والاستثمار والطاقة والصناعة وسلاسل الإمداد، فإن الدول والشركات والاقتصادات التي ترتبط مصالحها بهذا الموقف لن تدافع عن استقرار المنطقة بدافع العاطفة أو المجاملة، بل دفاعًا عن مصالحها هي. فكلما اتسعت دائرة المستفيدين من الاقتصاد العربي، اتسعت تلقائيًا دائرة المدافعين عن أمنه واستقراره. وهنا تتحول القوة الاقتصادية إلى قوة سياسية، ويتحول الاعتماد المتبادل إلى مظلة حماية تتجاوز أثر السلاح وحده.
لقد بدأ الاتحاد الأوروبي بمشروع اقتصادي قبل أن يصبح قوة سياسية، ونمت التكتلات الاقتصادية الكبرى لأنها ربطت بين المصالح قبل المواقف. أما نحن، فما زلنا ننتقل من أزمة إلى أخرى، ومن بيان إلى آخر، بينما يظل المشروع العربي الكبير مؤجلًا.
والوطن العربي لا تنقصه المقومات. فالسعودية ودول الخليج تمتلك ثقلًا ماليًا وطاقويًا عالميًا، ومصر تمثل ركيزة سكانية وجغرافية واستراتيجية، والعراق والجزائر وليبيا يملكون موارد طبيعية هائلة، والمغرب العربي يشكل بوابة إلى إفريقيا وأوروبا، وبلاد الشام، وفي مقدمتها الأردن وفلسطين، تمثل قلب المشرق العربي، فيما يمتلك السودان واليمن وموريتانيا والصومال إمكانات كبيرة في الأمن الغذائي والموقع الجغرافي والثروات الطبيعية.
لكن هذه العناصر ما تزال تعمل في معظم الأحيان بصورة متفرقة، بينما المطلوب أن تتحول إلى منظومة إنتاج واستثمار وتجارة وتكنولوجيا قادرة على صناعة مصالح عربية ودولية مشتركة.
إن الاعتداء على أي دولة عربية يجب أن يُنظر إليه باعتباره اعتداءً على مشروع عربي جامع، لا على دولة منفردة. فكما يتألم الجسد كله إذا أصيب أحد أعضائه، فإن الاقتصاد العربي يخسر كله عندما تهتز ثقة المستثمر، أو تتعطل الموانئ، أو تُهدد طرق التجارة، أو ترتفع كلفة النقل والطاقة بسبب استهداف دولة عربية.
ولذلك فإن الرد الاستراتيجي الحقيقي لا يقتصر على الإدانة، ولا على تعزيز القدرات الدفاعية، مهما كانت أهميتهما، بل يبدأ ببناء اقتصاد عربي مترابط، ومشاريع مشتركة، وصناديق استثمار، وشبكات نقل، وتكامل في الأمن الغذائي والدوائي والتقني، ومناخ استثماري يجعل المنطقة العربية وجهة لا يمكن الاستغناء عنها.
عندها فقط، يصبح الاعتداء على أي دولة عربية اعتداءً على مصالح اقتصادية واسعة، لا على حدود سياسية فحسب، ويغدو الدفاع عن الأمن العربي دفاعًا عن مصالح دولية وإقليمية ارتبط ازدهارها بازدهار هذه المنطقة.
لقد أثبتت الأحداث أن أمن العرب لا يتجزأ، وأن استقرار دولة عربية واحدة ينعكس على الجميع، كما أن اضطرابها يدفع الجميع ثمنه.
ولهذا، فإن الاعتداء على الأردن والكويت، وما تعرضت له دول الخليج من تهديد، يجب أن يكون جرس إنذار يدفعنا إلى الانتقال من مرحلة التضامن الموسمي إلى مرحلة بناء المصالح العربية المشتركة.
فالمستقبل لن يحميه الخطاب وحده، وإنما سيحميه مشروع عربي يجعل من أمن كل دولة عربية جزءًا من أمن الجميع، ومن اقتصاد كل دولة ركيزة في الاقتصاد العربي الجماعي.
فالمشروع يولد المصالح، والمصالح تولد الشراكات، والشراكات تصنع النفوذ، والنفوذ يحمي القرار. أما من يبني مشروعًا عربيًا حقيقيًا، فلن يكون وحده في الدفاع عنه، لأن المستفيدين منه سيجدون في حمايته حمايةً لمصالحهم أيضًا.
ومن هنا، فإن الوقوف إلى جانب الأردن والكويت، وإلى جانب المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، ومملكة البحرين، وسلطنة عُمان، ليس مجرد موقف تضامني، بل دفاع عن استقرار منطقة تمثل أحد أهم مراكز الطاقة والتجارة والاستثمار في العالم، وتشكل ركيزة أساسية للاقتصاد العربي.
لقد أثبت الأردن، رغم محدودية موارده، أنه دولة تتحمل مسؤوليات تتجاوز حدودها، فكان مدافعًا عن القدس ومقدساتها، وسندًا للأشقاء، وشريكًا في حماية الاستقرار الإقليمي. كما حافظت الكويت على نهجها القائم على الاعتدال، والدبلوماسية، والعمل الإنساني، والدعم المتواصل للقضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وواصلت دول الخليج دورها في دعم التنمية العربية، وتحريك عجلة الاستثمار، وتعزيز الأمن الاقتصادي، لتصبح شريكًا رئيسيًا في استقرار المنطقة وازدهارها.
لكن القضية اليوم ليست قضية الأردن أو الكويت أو الخليج وحدها، بل قضية الأمن العربي بمعناه الشامل.
فالاقتصاد العربي لم يعد مجموعة اقتصادات منفصلة كما كان قبل عقود، بل أصبح أكثر ترابطًا. فالطاقة، والموانئ، والممرات البحرية، والطيران، والاستثمار، والأسواق المالية، وسلاسل الإمداد، كلها تتأثر عندما تتعرض أي دولة عربية لعدم الاستقرار. ولهذا فإن الصاروخ الذي يسقط في دولة عربية لا يصيب هدفًا بعينه، بل يرفع كلفة التأمين، ويؤثر في الأسواق، ويقلق المستثمر، ويهدد حركة التجارة، ويؤخر مشاريع التنمية، ويضعف صورة المنطقة بأكملها.
وهنا تكمن المشكلة الأكبر؛ فما زلنا نتعامل مع أمن كل دولة عربية وكأنه شأن محلي، بينما تتعامل القوى الدولية مع المنطقة باعتبارها شبكة مصالح مترابطة.
الدول لا تدافع عن الدول، بل تدافع عن مصالحها. وهذه حقيقة قد تبدو قاسية، لكنها تحكم العلاقات الدولية منذ نشأتها. ولذلك فإن القوة الحقيقية لا تُبنى بالشعارات، ولا بالبيانات، وإنما ببناء مشروع اقتصادي عربي يجعل استقرار الدول العربية مصلحة مشتركة للعرب أولًا، ولشركائهم في العالم ثانيًا.
وحين ينجح العرب في بناء موقف اقتصادي موحد، يقوم على التكامل في التجارة والاستثمار والطاقة والصناعة وسلاسل الإمداد، فإن الدول والشركات والاقتصادات التي ترتبط مصالحها بهذا الموقف لن تدافع عن استقرار المنطقة بدافع العاطفة أو المجاملة، بل دفاعًا عن مصالحها هي. فكلما اتسعت دائرة المستفيدين من الاقتصاد العربي، اتسعت تلقائيًا دائرة المدافعين عن أمنه واستقراره. وهنا تتحول القوة الاقتصادية إلى قوة سياسية، ويتحول الاعتماد المتبادل إلى مظلة حماية تتجاوز أثر السلاح وحده.
لقد بدأ الاتحاد الأوروبي بمشروع اقتصادي قبل أن يصبح قوة سياسية، ونمت التكتلات الاقتصادية الكبرى لأنها ربطت بين المصالح قبل المواقف. أما نحن، فما زلنا ننتقل من أزمة إلى أخرى، ومن بيان إلى آخر، بينما يظل المشروع العربي الكبير مؤجلًا.
والوطن العربي لا تنقصه المقومات. فالسعودية ودول الخليج تمتلك ثقلًا ماليًا وطاقويًا عالميًا، ومصر تمثل ركيزة سكانية وجغرافية واستراتيجية، والعراق والجزائر وليبيا يملكون موارد طبيعية هائلة، والمغرب العربي يشكل بوابة إلى إفريقيا وأوروبا، وبلاد الشام، وفي مقدمتها الأردن وفلسطين، تمثل قلب المشرق العربي، فيما يمتلك السودان واليمن وموريتانيا والصومال إمكانات كبيرة في الأمن الغذائي والموقع الجغرافي والثروات الطبيعية.
لكن هذه العناصر ما تزال تعمل في معظم الأحيان بصورة متفرقة، بينما المطلوب أن تتحول إلى منظومة إنتاج واستثمار وتجارة وتكنولوجيا قادرة على صناعة مصالح عربية ودولية مشتركة.
إن الاعتداء على أي دولة عربية يجب أن يُنظر إليه باعتباره اعتداءً على مشروع عربي جامع، لا على دولة منفردة. فكما يتألم الجسد كله إذا أصيب أحد أعضائه، فإن الاقتصاد العربي يخسر كله عندما تهتز ثقة المستثمر، أو تتعطل الموانئ، أو تُهدد طرق التجارة، أو ترتفع كلفة النقل والطاقة بسبب استهداف دولة عربية.
ولذلك فإن الرد الاستراتيجي الحقيقي لا يقتصر على الإدانة، ولا على تعزيز القدرات الدفاعية، مهما كانت أهميتهما، بل يبدأ ببناء اقتصاد عربي مترابط، ومشاريع مشتركة، وصناديق استثمار، وشبكات نقل، وتكامل في الأمن الغذائي والدوائي والتقني، ومناخ استثماري يجعل المنطقة العربية وجهة لا يمكن الاستغناء عنها.
عندها فقط، يصبح الاعتداء على أي دولة عربية اعتداءً على مصالح اقتصادية واسعة، لا على حدود سياسية فحسب، ويغدو الدفاع عن الأمن العربي دفاعًا عن مصالح دولية وإقليمية ارتبط ازدهارها بازدهار هذه المنطقة.
لقد أثبتت الأحداث أن أمن العرب لا يتجزأ، وأن استقرار دولة عربية واحدة ينعكس على الجميع، كما أن اضطرابها يدفع الجميع ثمنه.
ولهذا، فإن الاعتداء على الأردن والكويت، وما تعرضت له دول الخليج من تهديد، يجب أن يكون جرس إنذار يدفعنا إلى الانتقال من مرحلة التضامن الموسمي إلى مرحلة بناء المصالح العربية المشتركة.
فالمستقبل لن يحميه الخطاب وحده، وإنما سيحميه مشروع عربي يجعل من أمن كل دولة عربية جزءًا من أمن الجميع، ومن اقتصاد كل دولة ركيزة في الاقتصاد العربي الجماعي.
فالمشروع يولد المصالح، والمصالح تولد الشراكات، والشراكات تصنع النفوذ، والنفوذ يحمي القرار. أما من يبني مشروعًا عربيًا حقيقيًا، فلن يكون وحده في الدفاع عنه، لأن المستفيدين منه سيجدون في حمايته حمايةً لمصالحهم أيضًا.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات