القضاه يكتب: الجنسية أداة للتنمية: الأردن يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ورأس المال

منذ 8 ساعات
المشاهدات : 14975
 القضاه يكتب: الجنسية أداة للتنمية: الأردن يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ورأس المال
د.عبدالله محمد القضاه

د.عبدالله محمد القضاه

في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في الفلسفة الاقتصادية، أقر مجلس الوزراء تعديلات على أسس منح الإقامة والجنسية للمستثمرين، لتتجاوز كونها مجرد إجراء إداري إلى إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة ورأس المال. هذه التعديلات تؤسس لمرحلة جديدة يصبح فيها الاستثمار شريكاً حقيقياً في تحقيق التنمية الوطنية المستدامة، بدلاً من كونه وسيلة لمكاسب مالية عابرة.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن نجاح برامج منح الجنسية لا يقاس بعدد المستفيدين، بل بحجم القيمة الاقتصادية المضافة. فالجنسية، كقرار سيادي، تستوجب التزاماً استثمارياً حقيقياً ينعكس على النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتعزيز القدرة الإنتاجية للدولة. ومن هنا، جاءت التعديلات الحكومية لتركز على نوعية الاستثمار وأثره واستدامته، وليس فقط على حجمه. فلم يعد رأس المال وحده كافياً، بل المطلوب استثمار منتج يخلق قيمة مضافة ويوفر فرص عمل للأردنيين، ويحافظ على استمراريته لسنوات، مما يجعل العلاقة بين المستثمر والدولة قائمة على الشراكة والمسؤولية المتبادلة.
تأتي هذه التعديلات كأداة تنفيذية لرؤية التحديث الاقتصادي، التي تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنافسية. فالاستثمار لم يعد غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف وطنية مثل رفع معدلات النمو، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وزيادة الصادرات، وتحسين الإنتاجية، وتوفير فرص العمل. هذه الأهداف لا تتحقق إلا باستقطاب المستثمر الجاد القادر على بناء مشاريع مستدامة.
من أبرز ملامح هذه التعديلات هو إعادة الاعتبار لمفهوم الاستثمار المنتج، الذي أصبح معياراً عالمياً لتقييم جودة الاستثمار. فالاقتصادات الناجحة تتنافس على جذب المعرفة والتكنولوجيا والخبرات وسلاسل القيمة العالمية. لذلك، فإن ربط منح الجنسية بإنشاء مشاريع إنتاجية أو توسعات حقيقية يعكس فهماً متقدماً للاقتصاد الحديث، حيث يقاس النجاح بحجم ما يولده الاستثمار من فرص وتنمية.
يحمل القرار أيضاً بعداً اجتماعياً وتنموياً مهماً، حيث منح المحافظات ميزة تنافسية بتخفيض الحد الأدنى للاستثمار المطلوب فيها مقارنة بالعاصمة. هذه رسالة تنموية لافته ؛ تهدف إلى معالجة الاختلالات التنموية وإعادة توزيع فرص الاستثمار، مما يسهم في الحد من التفاوت بين المحافظات ويعزز دور المجتمعات المحلية في النمو الاقتصادي.
كما أن اشتراط تشغيل الأردنيين واستمرارهم ضمن مظلة الضمان الاجتماعي يؤكد أن المواطن هو محور السياسة الاستثمارية الجديدة، وأن الغاية النهائية لأي استثمار هي تحسين حياة الأردنيين وتوسيع قاعدة التشغيل. فكل فرصة عمل حقيقية هي استثمار في الإنسان، وكل مشروع منتج هو رافعة للاقتصاد الوطني.
التعديلات الحكومية لم تغفل البعد السيادي في موضوع منح الجنسية، حيث أحاطت القرار بضمانات وضوابط تمنع أي استغلال، مثل اشتراط استمرار الاستثمار ومنع التصرف بالأصول خلال مدد محددة، وربط الامتيازات بالالتزام الفعلي بالشروط، مع منح الدولة صلاحية سحب الجنسية أو الإقامة عند الإخلال بها. وبهذا، نجحت المملكة في تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على هيبة الجنسية الأردنية وسيادتها.
إن توجيه الحوافز نحو قطاعات استراتيجية كالصناعات الدوائية والخدمات اللوجستية يعكس وعياً بأن الأمن الوطني في القرن الحادي والعشرين يرتبط بقدرة الدولة على تحقيق أمنها الغذائي والدوائي وتعزيز مرونة اقتصادها. نجاح هذه السياسة يعتمد على حسن التطبيق، وسرعة الإجراءات، واستقرار التشريعات، وتعزيز الحوكمة، وتوفير بيئة أعمال شفافة وكفؤة.
الرسالة الأردنية للمستثمرين واضحة: أبواب المملكة مفتوحة للاستثمار الذي يبني وينتج ويوفر فرص العمل ويضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني. هذه السياسة تعكس تحولاً من مفهوم منح الامتياز مقابل رأس المال إلى مفهوم منح الامتياز مقابل الأثر الاقتصادي المستدام، وهو جوهر السياسات الاقتصادية الرشيدة التي تبني المستقبل.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم