أما قبل؛ فليست المشكلة في أنَّ الكذب موجود؛ فالكذب وُلد مع ولادة البشر، لكنَّ المشكلة الحقيقيَّة تبدأ عندما يتحوَّل الكذب إلى ذائقة عامة، ويصبح التصفيق "والتسحيج" هما المعياران الوحيدان لصدق الحكايات! عندها لا يعود الوعي يقاس بما تعرفه المجتمعات، بل يصبح المقياس ما نستمتع بتصديقه! فإذا أردنا أن نقيس مستوى الوعي في أي مجتمع من المجتمعات العربيَّة؛ فإنَّنا لا نحتاج أن نسأله عن مقدار ما يعرف، بل نحتاج أن نسأله عن نوع القصص التي تستحق أن نصفِّق لها.
وأما بعد؛ فإنَّ هناك رواية شعبيَّة تشير إلى أنَّ ثلاثةً من طيور "الكيوي" كانت تقف على تلَّة صغيرة؛ وعلى مناقيرها آثار الدماء، فاقترب منها أحد الصيادين ليسأل الطير الأول؛ ما هذا الدم الذي يتقاطر من رأسك؟
فأجاب الطير متفاخراً: لقد رأيت ثوراً كبيراً خلف ذاك الجبل، فتصارعت معه حتى قضيت عليه وأكلته!
ثم التفت إلى الطير الثاني سائلاً: وأنت أيَّها الطير، من أين جاء هذا الدم؟
فأجاب بثقة أكبر: لقد وجدت جَمَلاً خلف تلك التلَّة، فانقضضت عليه، فأكلته ولم أترك منه شيئاً!
عندها التفت الصياد إلى الطير الثالث، منتظراً بطولة تُمزِّق صفحات التاريخ المهزوم؟
???? فأجاب: كلُّ ما في الأمر أنَّني اصطدمت بعمود الكهرباء (لأني ما شفته)!
انتهت الطرفة الشعبيَّة؛ لتبدأ بعدها الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان، فطائر "الكيوي" معروف بضعفِ بصره، ولذا كان اعتراف الطير الثالث هو الرواية الوحيدة التي تستأهل التصديق، أما رواية الطيرين الآخرين؛ فلم تكن بحاجة إلى دليل؛ فهما قد أدركا حقيقةً أخطر من ضعف البصر؛ وأدركا تماماً أنَّ الجماهير لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن قصة تشبع خيالها وترضي فضولها المهزوم.
ومنذ ذلك اليوم؛ لم يعد الكذب وسيلة للهروب من الحقيقة، بل أصبح وسيلة لصناعتها, لذا فقد امتلأت حياتنا بأنواع من البشر يلتهمون الثيران في أحاديثهم، بينما يعجزن عن حمل ربطة من الخبز، يحررون الأوطان في المقاهي، ويقضون على الفساد في التعليقات، ويهزمون المؤامرات قبل موعد الغداء، ثم يعودون إلى بيوتهم ليختلفوا على جهاز "الريموت كونترول" فيتصارعون مع أبنائهم من أجل الاستمتاع ببرامج الكرتون.
لقد أصبح التضخيم عملة رسميَّة للبطولات، فكلَّما كانت الرواية أبعد عن العقل؛ كانت أقرب إلى الانتشار! أما الحقيقة؛ فقد أصبحت فقيرة لا تجد من يستضيفها؛ لأنَّها لا تعرف كيف تضع مساحيق التجميل باحترافيَّة وإتقان لتظهر بوجه يليق بمحبي الجمال.
إنَّ المصيبة ليست في الكاذب؛ فالكذب حرفة قديمة تمارسها البشريَّة منذ أن اكتشفت أن الحقيقة لا تثير التصفيق، ولكنَّ المصيبة الحقيقيَّة هي في الجمهور الذي يمنح الكاذب منصة لممارسة الكذب، ثم يعاقب الصادق لأنَّه لم يحسن التعبير أثناء الكتابة.
لقد تحوَّلنا إلى مجتمعات تقيس الرجال بحجم ادعاءاتهم؛ فمن يقول إنَّه اصطاد ثوراً يصبح بطلاً، ومن يعترف بأنَّه أخطأ يصبح مادة للسخرية؛ لذلك أصبحنا نقيس بمقاييس لا تشير إلى المنطق السليم بصلة؛ فنحن مجتمعات تعتبر أنَّ الاعتراف بالذنب فضيلة، ولا تعترف به على أنَّه ضرورة! ربما لأنَّ الحقيقة لا تصلح للاستثمار.
إنَّ أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً ليس انتشار الكذب، بل أن يصبح الكذب لغة لا يفهم الناس غيرها! عندها سنجد الصادق شخصاً غريباً؛ يحتاج إلى شهود كي يثبت أنَّه لم يأكل الثور، بينما يكفي الكاذب أن يجهر بصوته عالياً كي يحصل على التصفيق، لذلك لم يكن طائر "الكيوي" الثالث أضعفهم، بل كان أشجعهم جميعاً، فقد امتلك شجاعة الاعتراف التي تبني الإنسان، بينما امتلك الطيران الآخران شجاعة الكذب التي لا تبني سوى جمهوراً من المصفقين.
خلاصة القول: إنَّنا لا نحتاج اليوم إلى تحسين الأبصار بقدر ما نحتاج إلى تحسين البصيرة، فطائر "الكيوي" لم يختلق قدراته، ولكنَّه اكتشف مبكراً أنَّ بعض العقول لا تطلب الحقيقة، لكنَّها تبحث عن الحكاية الأكثر إثارة، لذا لم يكن من الصعب أن يتحوَّل ادعاء صغير إلى بطولة كبيرة، ولا أن يصبح الاعتراف بالحقيقة سلوكاً يستحق السخرية، ليبقى السؤال الأهم:
هل نحن نعاني فعلاً من ضعف البصر؟
أم من شغف تصديق كل ما يُروى إذا قيل لنا بثقة؟
#الكاتب_وليد_معابرة
#قاتل_البحر_الميت
وأما بعد؛ فإنَّ هناك رواية شعبيَّة تشير إلى أنَّ ثلاثةً من طيور "الكيوي" كانت تقف على تلَّة صغيرة؛ وعلى مناقيرها آثار الدماء، فاقترب منها أحد الصيادين ليسأل الطير الأول؛ ما هذا الدم الذي يتقاطر من رأسك؟
فأجاب الطير متفاخراً: لقد رأيت ثوراً كبيراً خلف ذاك الجبل، فتصارعت معه حتى قضيت عليه وأكلته!
ثم التفت إلى الطير الثاني سائلاً: وأنت أيَّها الطير، من أين جاء هذا الدم؟
فأجاب بثقة أكبر: لقد وجدت جَمَلاً خلف تلك التلَّة، فانقضضت عليه، فأكلته ولم أترك منه شيئاً!
عندها التفت الصياد إلى الطير الثالث، منتظراً بطولة تُمزِّق صفحات التاريخ المهزوم؟
???? فأجاب: كلُّ ما في الأمر أنَّني اصطدمت بعمود الكهرباء (لأني ما شفته)!
انتهت الطرفة الشعبيَّة؛ لتبدأ بعدها الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان، فطائر "الكيوي" معروف بضعفِ بصره، ولذا كان اعتراف الطير الثالث هو الرواية الوحيدة التي تستأهل التصديق، أما رواية الطيرين الآخرين؛ فلم تكن بحاجة إلى دليل؛ فهما قد أدركا حقيقةً أخطر من ضعف البصر؛ وأدركا تماماً أنَّ الجماهير لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن قصة تشبع خيالها وترضي فضولها المهزوم.
ومنذ ذلك اليوم؛ لم يعد الكذب وسيلة للهروب من الحقيقة، بل أصبح وسيلة لصناعتها, لذا فقد امتلأت حياتنا بأنواع من البشر يلتهمون الثيران في أحاديثهم، بينما يعجزن عن حمل ربطة من الخبز، يحررون الأوطان في المقاهي، ويقضون على الفساد في التعليقات، ويهزمون المؤامرات قبل موعد الغداء، ثم يعودون إلى بيوتهم ليختلفوا على جهاز "الريموت كونترول" فيتصارعون مع أبنائهم من أجل الاستمتاع ببرامج الكرتون.
لقد أصبح التضخيم عملة رسميَّة للبطولات، فكلَّما كانت الرواية أبعد عن العقل؛ كانت أقرب إلى الانتشار! أما الحقيقة؛ فقد أصبحت فقيرة لا تجد من يستضيفها؛ لأنَّها لا تعرف كيف تضع مساحيق التجميل باحترافيَّة وإتقان لتظهر بوجه يليق بمحبي الجمال.
إنَّ المصيبة ليست في الكاذب؛ فالكذب حرفة قديمة تمارسها البشريَّة منذ أن اكتشفت أن الحقيقة لا تثير التصفيق، ولكنَّ المصيبة الحقيقيَّة هي في الجمهور الذي يمنح الكاذب منصة لممارسة الكذب، ثم يعاقب الصادق لأنَّه لم يحسن التعبير أثناء الكتابة.
لقد تحوَّلنا إلى مجتمعات تقيس الرجال بحجم ادعاءاتهم؛ فمن يقول إنَّه اصطاد ثوراً يصبح بطلاً، ومن يعترف بأنَّه أخطأ يصبح مادة للسخرية؛ لذلك أصبحنا نقيس بمقاييس لا تشير إلى المنطق السليم بصلة؛ فنحن مجتمعات تعتبر أنَّ الاعتراف بالذنب فضيلة، ولا تعترف به على أنَّه ضرورة! ربما لأنَّ الحقيقة لا تصلح للاستثمار.
إنَّ أخطر ما يمكن أن يصيب أمةً ليس انتشار الكذب، بل أن يصبح الكذب لغة لا يفهم الناس غيرها! عندها سنجد الصادق شخصاً غريباً؛ يحتاج إلى شهود كي يثبت أنَّه لم يأكل الثور، بينما يكفي الكاذب أن يجهر بصوته عالياً كي يحصل على التصفيق، لذلك لم يكن طائر "الكيوي" الثالث أضعفهم، بل كان أشجعهم جميعاً، فقد امتلك شجاعة الاعتراف التي تبني الإنسان، بينما امتلك الطيران الآخران شجاعة الكذب التي لا تبني سوى جمهوراً من المصفقين.
خلاصة القول: إنَّنا لا نحتاج اليوم إلى تحسين الأبصار بقدر ما نحتاج إلى تحسين البصيرة، فطائر "الكيوي" لم يختلق قدراته، ولكنَّه اكتشف مبكراً أنَّ بعض العقول لا تطلب الحقيقة، لكنَّها تبحث عن الحكاية الأكثر إثارة، لذا لم يكن من الصعب أن يتحوَّل ادعاء صغير إلى بطولة كبيرة، ولا أن يصبح الاعتراف بالحقيقة سلوكاً يستحق السخرية، ليبقى السؤال الأهم:
هل نحن نعاني فعلاً من ضعف البصر؟
أم من شغف تصديق كل ما يُروى إذا قيل لنا بثقة؟
#الكاتب_وليد_معابرة
#قاتل_البحر_الميت
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات