معابرة يكتب: لحوم العلماء، أم عقول الأتباع!

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9620
 معابرة يكتب: لحوم العلماء، أم عقول الأتباع!
‏الكاتب الساخر وليد معابرة

‏الكاتب الساخر وليد معابرة

أما قبل؛ فقد قال أحد الأئمة السابقين؛ من الذين نجلَّهم ونحترمهم جملة بلاغيَّة أراد بها تعظيم مكانة العلماء والتحذير من ظلمهم واغتيابهم، فقد أورد في مقولته الشهيرة: "إنَّ لحوم العلماء مسمومة؛ من شمَّها مرض، ومن أَكلها مات"، وهي مقولةٌ قصد بها صيانة أهل العلم من البهتان وصغائر الخصومات، ولم يقصد منحهم حصانةً تُعطل النقد أو تُعفيهم من المراجعة.

وإنَّني هنا لستُ ممن ينتقصون من قدر العلماء، ولا ممن يستخفون بإرثهم العلمي؛ فالعلماء هم ثمرة العقول المجتهدة، واحترامهم احترامٌ للمعرفة نفسها! غير أنَّ احترام العالِم شيء، وتأْليه المقولات المنسوبة إليه شيء آخر يختلف في المضمون. فما أرفضه ليس تعظيم العلماء، وإنَّما تحويل بعض العبارات البشريَّة إلى مسلَّماتٍ معصومة تُعطَّل عندها أدوات النقد، ويُصادَر أمامها العقل، وكأنَّها نزلت من السماء! لا من أفواه البشر! فكل قولٍ بشري، مهما علا قائله؛ يظل ابنَ زمانه، وقابلاً للمراجعة والنقد، لأنَّ العصمة صفةٌ للحق، وليست صفة للأشخاص.

إنَّ العجيب أنَّنا لم نفكِّر يوماً بأن نسأل أنفسنا عن حالات الوفاة التي سجلت بسبب تناول لحوم العلماء، فضلاً عن أنَّنا لم نتجرأ للبحث عن مختبر تطبيقي أو إنساني أثبت أنَّ مجرد انتقاد عالم يؤدي إلى الوفاة، وإنَّ الأعجب من ذلك أنَّنا قد نسينا أو تناسينا أنَّها مجرد مقولة قيلت بالشكل المجازي الذي بدأ معظم الناس يصدِّرون قراراتهم بإعلان الحرب على المجاز نفسه؛ ليقع كل واحد منهم أسيراً له عند ذكر أول قول من الأقوال المأثورة.

وأما بعد؛ فإنَّ أخطر ما فعلته بعض المدارس المنغلقة أنَّها لم تقدّس العلماء؛ بل قدّست الأقوال التي قيلت فيهم، ثم قدَّست طريقة فهمها لهذه الأقوال، حتى صار النص البشري عندها محاطاً بسياج من العصمة الضمنيَّة وغير المعلنة.

فإذا ناقشت فكرة، قالوا: إنَّك تطعن في العلماء!
وإذا ناقشت استدلالاً، قالوا: إنَّك تأكل لحوم العلماء!
وإذا طالبتهم بالدليل، اتهموك بأنَّك مريض القلب!
وكأنَّ السؤال أصبح جريمةً، والتفكير باتَ مرضاً معدياً!

لقد انتقلت عبارة "لحوم العلماء مسمومة" من كونها موعظة أخلاقيَّة إلى جهاز إنذار يُطلق صفاراته كلَّما اقترب أحد من ممارسة عقله! والغريب في الأمر أنَّهم يرددون أنَّ الإسلام دين العقل، ثم يعاملون العقل وكأنَّه موظف استقبال في مؤسسة حكوميَّة، لا يحق له اتخاذ أي قرار؛ سوى الاكتفاء باستقبال النصوص، وختمها بالختم الرسمي الذي يتضمن التنفيذ حسب الأصول، ثم يغادر إلى بيته من غير أن يفكِّر في أيِّ نص منقول أو مقتبس، فيعطل عقله عن التفكير! بحجة أنَّ التراث المنقول جزء من سلامة المنهج.

إنَّ النقل الصحيح لا يخاف من العقل السليم؛ لأنَّ مصدر الحقيقة لا يناقض نفسه! أما الذي يخشى العقل، فهو الفهم البشري القاصر، الذي يختبئ خلف قداسة الألفاظ حتى لا يُسأل عن منطقه! ولذلك كانت أسهل وسيلة لإسكات المخالف أن تُرفع في وجهه لافتة مكتوب عليها: "لحوم العلماء مسمومة"! تماماً كما تُرفع إشارة "ممنوع الاقتراب" أمام منطقة يريد أصحابها أن تبقى بعيدة عن التفتيش.

‏أكاد أجزم أنَّه لو عاد قائل العبارة إلى الحياة، لربما اندهش من الطريقة التي استُعمل بها كلامه! فقد أراد أن يحمي العلماء من الظلم والغيبة، فإذا بكلامه يُستخدم لحماية الأخطاء من النقد، وحماية الاجتهادات من المراجعة، وحماية البشر من المساءلة؛ ليرى "قائلها" نفسه أمام مفهوم جديد يباعد المسافة بين مفهوم احترام العالم وتأليه آرائه.

إنَّ العلماء الحقيقيين لا يخافون النقد، لأنَّهم يعلمون أنَّ الحقيقة لا تحتاج إلى حرَّاس، بل تحتاج إلى باحثين! أما الذي يغضب من كلِّ سؤال، ويعتبر كلَّ اعتراض اعتداءً على المقدسات؛ فهو في الغالب لا يدافع عن العلم، بل يدافع عن سلطته على العقول؛ وهذا ما يجسد الأَنانيَّة الضمنيَّة بمفهومها الفلسفي العميق.

لقد أصبحت بعض العقول أشبه بمتحف مغلق؛ يمنع فيه اللمس، والتصوير، وحتى النظر الطويل! فكلُّ ما عليك هو أن تمر صامتاً، وتومئ برأسك إعجاباً، ثم تغادر دون أن تسأل: لماذا؟ وكيف؟ لتبدأ بعدها المأساة الحقيقيَّة لدى الإنسان المتلقي...
فحين يُمنع السؤال؛ يولد التقليد!
وحين يُجرَّم التفكير؛ يزدهر التلقين!
وحين يتحوَّل احترام العلماء إلى تحريم مراجعتهم، يموت العلم!

ليبقى حينها العلماء وحدهم أحياءً في الذاكرة، ليس لأنَّهم كانوا معصومين، بل لأنَّ أتباعهم قرروا أن يمنحوهم عصمةً لم يطلبوها هم لأنفسهم.

إنَّ بعض المقولات كانت سبباً رئيساً في اختراق عقول البشر، وتطويعها وبرمجتها على أن تقبل ما لا يُقبل؛ لأنَّها لا تكتفي بمصادرة الرأي فقط؛ بل صادرت العقل نفسه، فما أن يقتنع الإنسان بأنَّ هناك حدوداً لا يجوز لعقله تجاوزها؛ ليتحوَّل بعد ذلك من كائن يفكِّر إلى كائن يكَرِّر، ومن باحثٍ عن الحقيقة إلى حارس للمسلَّمات.

ختاماً؛ أظنَّ أنَّ العقل لم يخلق ليقيَّد، لكنَّه خلق ليسأل ويمحِّص ويميِّز، أما الأفكار التي تبدأ بتحديد سقف التفكير؛ فهي غالباً ما تنتهي ببناء أسوارٍ عالية حول الإنسان نفسه؛ تحول بينه وبين الحقيقة، وتخلق المسافات وتبني الفجوات الثقافيَّة في مفهوم المفارقة بين لحوم العلماء وعقول الأتباع.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم