العمارات يكتب: سلعنة الزواح واشكالية التحول من قدسية الرابطة الى تحقيق المنافع

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 14618
العمارات يكتب: سلعنة الزواح واشكالية التحول من قدسية الرابطة الى تحقيق المنافع
الدكتور فارس العمارات

الدكتور فارس العمارات

إن ما يحرك الإنسان في عصر الحياة السائلة هو السعي وراء المنفعة والمكاسب في ظل المجتمع الاستهلاكي الحديث. وأصبح كل ما هو قديم يتعرض للإهمال والتجاهل والاستهانة به. بل وحتى رميه في سلة المهملات، والأمر ينطبق كذلك على المشاعر والصلات الإنسانية. فقد أفرزت الخيلداة السائلة تداعيات جعلت العلاقات الإنسانية سائلة وقد تتحول الى غازية . حيث تفككت الروابط الأسرية والصداقة، لتحل محلها علاقات وهمية زائلة ذات مشاعر إفاراصية غير محسوسةو لم تعد العلاقات الوجدانية تتمتع بالعفوية أو العمق، بل تحولت الى هشة من السهل انهيارها.
ولم تعد العلاقات الاجتماعية ذات أهمية في العصر الحديث ومن السهل التخلي عن الشريك أو الصديق واستبداله بما هو أفضل. وهكذا صاغت الحياة السائلة إنسانًا جديدًا خاص بها بعيداً عن ذاك الذي كان في الماضي، ذلك الذي تميز بعمق العلاقات الإنسانية والفاعلية الاجتماعية الحقيقية.
و إذا كان الحب والزواج في المجتمعات التقليدية، يرتبط بالتقاليد والأسرة والدين، فإن الحب والزواج في المجتمعات السائلة أصبح ذا تجربة فردانية، حيث يختار الشخص شريكه بعيدًا عن القيود المجتمعية مع تحرر نسبي من سلطة الآباء. كما تأثر الحب بالحركات التي طالبت بعلاقات قائمة على المساواة، بعيدًا عن السيطرة والامتلاك. إلى جانب ذلك، ساهم عصر التكنولوجيا في تغيير مفهوم الحب والزواح ، إذ ظهرت تطبيقات جعلت العلاقات افتراضية بعيدة عن الواقع، مما أدى إلى خضوع الحب لمنطق الخوارزميات والاتصال الرقمي
وقد أسهم هذا في خلق شكل جديد من الحب، تغيب عنه الأصالة، حيث تمت سلعنة العواطف وتحويلها إلى منتج استهلاكي رخيص. وفي ظلالتخولات اللاجتماعية، أفرزت الحياة السائلة سلعنة الاشياء، نموذجًا إنسانيًا نفعيا، نرجسيا، مصلحيا، منحل على المستوى الأخلاقي غايته الربح المادي، غير مكترث بالعلاقات والروابط الإنسانية والاجتماعية مما جعل الحب في العصر الحديث أقرب إلى معادلة اقتصادية منه إلى رابطة وجدانية، تقوم سعادة الإنسان الحديث على شهوة التطلع إلى الفترينات وعلى شراء كل ما يمكن شرائه سواء نقدًا أم بالتقسيط.
وفي عصر الحياة السائلة، اصبح الإنسان يهرب من الواقع، ومن أفراد المجتمع، لا يمنح نفسه فرصة لاكتشاف الآخر أو التفاعل معه، حتى أبسط أشكال التواصل، مثل التحية، باتت تتم بتكلف أو إكراه. بل إن لقاء شخص بالصدفة قد يدفع الإنسان الحديث إلى التفكير بأنه لو علم مسبقًا بهذه المصادفة، لغير طريقه أو المكان الذي يتجه له . ما عادت للإنسان الطاقة لمثل هذه الصدف، لقد تحولت طاقة الإنسان الحديث إلى العنف والرفض بدلاً من التفاهم والتفاعل.
و أصبح الحب سائلاً لا صلبًا ومتينًا وعميقًا، والزواج اكثر سيولة وكما كان في الماضي، يعود مفهوم الحب السائل والزواج السائل إلى "زيجمونت "حيث بين ان العاطفية في العصر الحديث، أصبحت هشة، ومؤقتة، كما أنها سريعة الزوال. ويرجع ذلك إلى هيمنة ثقافة الاستهلاك، التكنولوجيا، وأيضا الفردانية المتطرفة، مما أدى إلى عزلة الأفراد وتفكك الروابط العاطفية. ولم تعد العلاقات مبنية على الالتزام العاطفي العميق أو الميثاق الغليظ.بل باتت تستند إلى المتعة اللحظية والتجربة العابرة التي تتصف بالسائلة

و من الأسباب التي جعلت الحب سائلا الفردانية المفرطة حيث جعلت استقلالية الإنسان كثير مت الفتيات ذات أولوية قصوى، مما دفعهن إلى تجنب أي التزام عاطفي طويل المدى. في هذا السياق، تحولت الحياة العاطفية إلى مغامرة مؤقتة، والبحث المستمر عن اللذة والمتعة اللحظية، معتقدين أنهم عثروا على سعادتهم المنشودة. يظن الإنسان بأنه حصل على كنزه المفقود فيثق في الصلات العابرة " فيدخل إلى عالم الصلات العابرة ظنا منه أنه يتخفف من المسؤوليات ولا يحرم نفسه من فرص قد تظهر وآفاق تستجد، لكنه يجد نفسه في النهاية تعيسا يحتاج إلى مستشار نفسي يقود حياته أو خبراء ينصحونه بمقابل باهظ كيف يقيم علاقة طبيعية في زمن لم يبقى فيه طبيعي بل تحول الى صناعي هش
ودائما ما يسعى الإنسان إلى ما يتم الترويج له وتجهيزه بشكل جذاب، فبمجرد أن يحصل عليه ويصبح في متناول يديه يتحول إلى شيء عادي ويبدأ في البحث عن شيء آخر. إن العلاقات الإنسانية.مثل: المنتجات الاستهلاكيةلها تاريخ صلاحية، ما عادت هناك أبدية في الحب السائل النفضي للزواج السائل، حتى العبارة الشهيرة ’لن يفرقنا سوى الموت‘ ما عادت ذات سحر وأثر على السامع، لأن العلاقات أصبحت محكومة بضغطة زر فينتهي الحب. في المجتمعات التقليدية، كان المحب يظل دائمًا إلى جانب محبوبه في الشدائد والأوقات الصعبة، ويواسيه في أحزانه ويؤنسه في وحدته، يقدم له الدعم والمواساة، ويشجعه في لحظات الفشل قبل النجاح، ويكون له سندًا في الأزمات، لا يميل ولا يغيب. كان يتم تنفيذ الوعود بشتى الطرق، والحرص على سعادة المحبوب وتلبية احتياجاته هو الهدف الأسمى. إلا أن هذه الصورة تغيرت في العصر الحديث، وأن يدرك أن وعود الارتباط في ظل الحياة السائلة ما أن يقطعها أهل الحب على أنفسهم، ’لا معنى لها على المدى الطويل‘ لأن امتداد الزمن، آخره.

وساهمت الدولة بشكل كبير في تشكيل الحب المعاصر عبر أدواتها وبرامجها الإعلامية الخاصة. فالحب الذي يتم بثه عبر القنوات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي أصبح يقاس بعدد اللايكات والتعليقات، كما يقاس الجمال الجسدي وفق معايير معينة تتضمن شكل الجسم وتضاريسه. من اللافت للنظر أن عمليات التجميل أصبحت شائعة ومنتشرة، حيث يمكن للجميع عملها بسهولة وبأسعار معقولة. إلا أن هذا اللجوء إلى التجميل ليس بريئًا ولا جماليًا بحتًا، بل به يتم اصطياد شريك ذا أموال وسيارات، وهو ما يضعف من المصداقية العاطفية ويزيد من تجارية العلاقات مع مرور الوقت، وإن معايير اختيار الشريك قد اختلفت من عصر إلى آخر، حيث تغيرت الصفات الجذابة التي يسعى الأفراد للبحث عنها في شركائهم. ونتيجة لذلك، قد يظل الحب محكومًا بآمال وتوقعات قد تفضي في النهاية إلى الفشل. " فبالنسبة للرجل تعد الفتاة الجذابة، وبالنسبة للمرأة يعد الرجل الجذاب الجائزتين اللتين يسعيان وراءهما، ويُقصد عادة كلمة ’ جذاب‘ مجموعة رائعة من الصفات المحبوبة والتي يجري البحث عنها في سوق الشخصية، وما يجعل الشخص جذابا بشكل خاص إنما يتوقف على موضة العصر، سواء كانت هذه الموضة جسمانية أم عقلية

وهذه الحرية المتاحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تساهم في ظهور أنماط غريبة ونشر الترف المادي الاستهلاكي والتدهور الأخلاقي، والشبكة العنكبوتية تعطيك القدرة على التعري كما تشاء معنويا وحسيا لكنها لم تجعل علاقاتها الوجدانية والإنسانية بل ولا الجنسية أفضل بالضرورة. صحيح أن الحرية شيء له حدود وأمر إيجابي، لكن هذه الحرية ليست دائمًا ملائمة لمجتمعات ينتشر فيها ظواهر لا حاحة للمجتمع بها وتحتل مراتب متأخرة في مؤشر التنمية البشرية. والتي اصبم تعرف بالحرية الاستهلاكية في ظل ثقافات غريبة على كل فينا وبالتالي يصبح الحب والزواج ما هو إلا أشكال ومنوعات من المتعة. جراء هذه السلعنة.
لكن السؤال : الى متى سيبقى الزواح والحب والعلاقات سلعة يزداد سعرها حسب العرض،والطلب؟؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم