الحنفي يكتب: فوضى الادعاءات في التعليم .. لماذا نحتاج إلى تصنيف وطني للمدارس؟

منذ 2 يوم
المشاهدات : 26827
 الحنفي يكتب: فوضى الادعاءات في التعليم ..  لماذا نحتاج إلى تصنيف وطني للمدارس؟
د. زياد جلال الحنفي

د. زياد جلال الحنفي

مع اقتراب كل عام دراسي جديد، يبدأ سباق مختلف لا يخوضه الطلبة، بل تخوضه المدارس. تتزين الشوارع بالإعلانات، وتمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع الفيديو والصور، وتتنافس المؤسسات التعليمية في تقديم نفسها باعتبارها النموذج الأمثل للتعليم. جميعها تؤكد أنها الأفضل، وأنها تمتلك أفضل الكوادر، وأفضل الإشراف التربوي، وأفضل البيئة التعليمية، وأحدث الوسائل والتقنيات، حتى يكاد ولي الأمر يعتقد أنه أمام عشرات المدارس المثالية التي لا تشوبها شائبة.
لكن ما إن يبدأ العام الدراسي، حتى تظهر روايات مختلفة تمامًا. فهناك من يشتكي من ضعف الكادر التدريسي، وآخر يتحدث عن غياب المتابعة، وثالث يعاني من سوء الإدارة، ورابع يفاجأ بأن ما شاهده في الحملات الإعلانية لم يكن سوى جزء صغير من الصورة. عندها يبرز سؤال منطقي لا يمكن تجاهله: إذا كانت جميع المدارس هي الأفضل، فمن أين جاءت كل هذه المشكلات؟
المشكلة ليست في أن تسوق المدرسة نفسها، فالتسويق حق مشروع لأي مؤسسة، بل في أن يصبح التسويق بديلاً عن المعيار الحقيقي للجودة. فالتعليم ليس منتجًا استهلاكيًا يمكن أن يُباع بصورة جميلة أو إعلان جذاب، وإنما رسالة تُقاس بنتائجها اليومية داخل الصفوف الدراسية، وبمستوى المعلم، وعدالة الإدارة، واستقرار البيئة التعليمية، وقدرتها على صناعة إنسان يمتلك المعرفة والقيم والمهارات، لا مجرد طالب يجتاز الامتحانات.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن ولي الأمر يجد نفسه مضطرًا لاتخاذ قرار مصيري يتعلق بمستقبل أبنائه، اعتمادًا على وعود تسويقية أو توصيات فردية أو تجارب متفرقة، في ظل غياب مرجع رسمي يستطيع من خلاله أن يعرف المستوى الحقيقي لكل مدرسة. وبعد أن تُدفع الرسوم وتبدأ الدراسة، تصبح التجربة هي الوسيلة الوحيدة لاكتشاف الحقيقة، وغالبًا ما يكون الوقت قد تأخر لتصحيح القرار دون خسائر نفسية أو تعليمية أو مالية.
إن هذا الواقع يطرح تساؤلًا يستحق الوقوف عنده: لماذا لا تمتلك الدولة نظامًا وطنيًا واضحًا لتصنيف المدارس، يضع جميع المؤسسات التعليمية أمام معايير موحدة، ويمنح كل مدرسة تصنيفًا يعكس أداءها الحقيقي، بعيدًا عن قوة حملاتها الإعلانية أو حجم إنفاقها على التسويق؟
وجود مثل هذا التصنيف لن يكون أداة رقابية فحسب، بل سيكون وسيلة لحماية المجتمع بأكمله. فعندما يعلم ولي الأمر أن تصنيف أي مدرسة يستند إلى جودة كوادرها التعليمية، واستقرار معلميها، ومستوى التحصيل الحقيقي لطلبتها، وكفاءة إدارتها، ورضا أولياء الأمور، وجودة البيئة التعليمية، فإنه سيكون قادرًا على اتخاذ قراره بناءً على معلومات موضوعية، لا على الانطباعات أو الشعارات.
كما أن التصنيف سيخلق حالة من المنافسة الإيجابية بين المدارس. فبدلاً من التنافس على إنتاج الإعلان الأكثر إبهارًا، ستتجه المؤسسات إلى الاستثمار الحقيقي في المعلم، وفي تطوير المناهج، وتحسين البيئة التعليمية، ورفع كفاءة الإدارة، لأنها تدرك أن ترتيبها لن يتغير بحملة إعلانية، وإنما بجودة الأداء الذي تقدمه كل يوم.
بل إن هذا التصنيف يمكن أن يشكل أساسًا لإعادة تنظيم القطاع التعليمي بصورة أكثر عدالة. فمن المنطقي أن ترتبط الرسوم الدراسية بمستوى الجودة الذي تقدمه المدرسة، وأن تُراجع رواتب المعلمين بما يتناسب مع تصنيف المؤسسة التعليمية، لأن المدرسة التي تتقاضى رسومًا مرتفعة يجب أن تكون قادرة أيضًا على استقطاب الكفاءات والحفاظ عليها، لا أن تبحث عن أقل التكاليف ثم تطالب المجتمع بالثقة المطلقة.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا الطرح على أنه انتقاص من جهود المدارس الخاصة أو المؤسسات التعليمية التي تقدم نماذج متميزة بالفعل، بل على العكس تمامًا. فالتصنيف العادل سينصف تلك المدارس، وسيمنحها المكانة التي تستحقها، وسيكشف في الوقت ذاته المؤسسات التي تعتمد على الصورة أكثر من اعتمادها على المضمون.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من مرحلة الادعاءات العامة إلى مرحلة الأدلة والمعايير. فالتعليم لا يبنى بالشعارات، ولا تُصنع الثقة بالإعلانات، ولا يمكن لمستقبل أبنائنا أن يبقى رهينة حملات تسويقية قد تنجح في جذب التسجيلات، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع تعليمًا حقيقيًا.
إن ولي الأمر لا يبحث عن المدرسة التي تقول إنها الأفضل، بل عن المدرسة التي تستطيع أن تثبت ذلك. وبين الادعاء والاستحقاق مساحة كبيرة لا يملؤها سوى الشفافية، والرقابة، والمعايير الوطنية الواضحة. وعندما يتحقق ذلك، لن يكون السؤال: "من يدّعي أنه الأفضل؟"، بل سيكون: "من أثبت، بالأرقام والنتائج، أنه يستحق هذا اللقب؟"
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم