إلى جيل عرف الزرقاء يوم كانت الجريدة عنوان الثقافة، والعيدية موعداً للفرح، ودلة القهوة درساً في الكرم، وشاحنات الكونتننتال جزءاً من ذاكرة الشارع الأردني.
لكل مدينة حكايتها الخاصة، أما الزرقاء فكانت بالنسبة لجيل كامل مدرسة للحياة قبل أن تكون مجرد مدينة.
ولدت الزرقاء وهي تجمع تحت سمائها أبناء الشام والعراق واليمن والمغرب العربي والشركس والشيشان وغيرهم من أبناء الوطن العربي والعالم الإسلامي. لذلك لم تكن مدينة عادية، بل نموذجاً مبكراً للتعايش والانتماء المشترك، حتى بدت وكأنها صورة مصغرة عن الأمة بكل تنوعها.
في طفولتنا كانت "أسرة الجندي" جزءاً من الذاكرة الجميلة. هناك تعلمنا أولى خطواتنا، وهناك كانت وجبات الطعام البسيطة تبدو لنا وكأنها موائد عامرة. وفي المناسبات الوطنية كنا نصعد إلى أسطح المباني نراقب الطائرات وهي تعبر السماء، فيما كانت صورة الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، تتصدر معظم البيوت، فنشعر بعفوية الأطفال أن الوطن قريب منا في كل مكان.
وفي الأعياد كنا نجمع العيديات ثم ننطلق إلى السوق الذي كان يمثل عالم الترفيه كله بالنسبة لنا. كانت ألعاب العشرة قروش كافية لتمنحنا ساعات من الفرح. يومها لم تكن المتعة بحاجة إلى شاشات أو أجهزة ذكية؛ كانت البساطة وحدها تصنع السعادة.
وكان للمثقف حضوره المختلف. لم يكن يعرف بعدد المتابعين أو الظهور الإعلامي، بل بالرجل الذي تصل إلى بيته الجريدة اليومية. كنا نلتف حول الأخبار الرياضية والعناوين الكبرى وصفحات الحوادث، نقرأ ما نفهم وما لا نفهم، لكننا كنا نشعر أن العالم أوسع من حدود الحي وأن المعرفة نافذة لا ينبغي أن تبقى مغلقة.
ولا تزال صور كثيرة عالقة في الذاكرة؛ استديوهات التصوير القريبة من حسبة الغويرية، وسيارة الستروين السوداء الكلاسيكية الواقفة أمام أحدها، وتلك السيارة الصغيرة التي تعمل على البطارية الكهربائية والمعروضة فوق واجهة إحدى المكتبات، والتي كانت يومها تمثل قمة ما نتصوره من تقدم تكنولوجي.
وكانت شوارع الزرقاء تمتلئ بسيارات المرسيدس القديمة، والفولكس فاجن، والأوبل ريكورد، تلك السيارات التي أصبحت جزءاً من ذاكرة المدينة كما أصبحت بعض الوجوه جزءاً من ذاكرة أهلها. وكانت العباءة عباءة بحق، لا مجرد مظهر، وكان للكبير مكانته وهيبته واحترامه الذي لا يحتاج إلى تذكير.
كانت المباني أقل ارتفاعاً، والسيارات أقل عدداً، والناس أكثر قرباً من بعضهم. وكانت الأسرة الممتدة تقوم بدور المدرسة الثانية؛ فالأب والأم والعم والخال والجار جميعهم شركاء في التربية والتوجيه. تعلمنا كيف نستقبل الضيف، وكيف نمسك دلة القهوة، وكيف نصغي قبل أن نتحدث، وكيف نحترم الكبير ونقدر الناس.
ولم تكن هناك منصات للتواصل الاجتماعي ولا هواتف ذكية تربط الناس بالشاشات، بل كانت العلاقات أكثر بساطة ودفئاً. كان التواصل وجهاً لوجه، وكانت الأخبار تنتقل بين الناس في المجالس والدكاكين وأمام البيوت. كانت القلوب أقرب إلى بعضها، وكانت الكلمة الطيبة تصل مباشرة من القلب إلى القلب دون وسيط.
أما الزرقاء فكانت أيضاً مدينة العمال والعسكر. مدينة الميادين والبيارق. كانت سيارات الروفر العسكرية وشاحنات الكونتننتال تجوب الطرقات، وكانت أصوات محركاتها الثقيلة تشبه هدير البواخر في عرض البحر. ومن تلك المشاهد اليومية تولد في نفوسنا حب الجيش والوطن قبل أن نقرأ عن معانيهما في الكتب. كانت الوطنية آنذاك سلوكاً يومياً نراه في البيوت والمدارس والشوارع، لا شعاراً يرفع في المناسبات فقط.
وأتذكر أطراف الزرقاء يوم كانت أكثر اتساعاً وأقل ازدحاماً، ومنها البتراوي وما حولها من تلال ومساحات مفتوحة كانت تشكل متنفساً طبيعياً لأبناء المدينة قبل أن يمتد إليها العمران كما نراه اليوم.
ولعل أجمل ما في تلك المرحلة أننا لم نكن ندرك أننا نصنع ذكريات سترافقنا طوال العمر. كنا نعيش الحياة بعفوية؛ ننتظر العيد، ونفرح بالجريدة، ونراقب الطائرات، ونعرف معظم أهل الحي بالاسم، ونشعر أن الزرقاء عالم واسع يحتضن الجميع.
وحين كبر أبناء ذلك الجيل، حاول كثير منهم رد شيء من الجميل للمكان الذي منحهم الكثير. فظهرت المبادرات الاجتماعية والثقافية والصحية، كلٌ بحسب استطاعته؛ مرة في عمل تطوعي، ومرة في ندوة ثقافية، ومرة في يوم صحي أو مساهمة معرفية أو نصيحة صادقة. لم يكن ذلك بحثاً عن الأضواء، بل امتداداً لقيم تربينا عليها، مفادها أن قيمة الإنسان فيما يتركه من أثر نافع بين الناس.
اليوم، وبعد مرور السنوات، أدرك أن أجمل ما بقي ليس الشوارع التي اتسعت ولا الأبنية التي ارتفعت، بل ذلك الرصيد الإنساني من البساطة والتكافل والانتماء. ولهذا تبقى الزرقاء في الذاكرة كما عرفناها دائماً؛ مدينة بسيطة في عمرانها، كبيرة في أهلها، عصية على الغياب من القلب.
رحم الله من رحل من أهلها، وحفظ الله من بقي، وحفظ الأردن الذي جمع هذه الحكايات تحت رايته، وجعل من الزرقاء صفحة مضيئة من صفحات ذاكرته الوطنية.
لكل مدينة حكايتها الخاصة، أما الزرقاء فكانت بالنسبة لجيل كامل مدرسة للحياة قبل أن تكون مجرد مدينة.
ولدت الزرقاء وهي تجمع تحت سمائها أبناء الشام والعراق واليمن والمغرب العربي والشركس والشيشان وغيرهم من أبناء الوطن العربي والعالم الإسلامي. لذلك لم تكن مدينة عادية، بل نموذجاً مبكراً للتعايش والانتماء المشترك، حتى بدت وكأنها صورة مصغرة عن الأمة بكل تنوعها.
في طفولتنا كانت "أسرة الجندي" جزءاً من الذاكرة الجميلة. هناك تعلمنا أولى خطواتنا، وهناك كانت وجبات الطعام البسيطة تبدو لنا وكأنها موائد عامرة. وفي المناسبات الوطنية كنا نصعد إلى أسطح المباني نراقب الطائرات وهي تعبر السماء، فيما كانت صورة الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، تتصدر معظم البيوت، فنشعر بعفوية الأطفال أن الوطن قريب منا في كل مكان.
وفي الأعياد كنا نجمع العيديات ثم ننطلق إلى السوق الذي كان يمثل عالم الترفيه كله بالنسبة لنا. كانت ألعاب العشرة قروش كافية لتمنحنا ساعات من الفرح. يومها لم تكن المتعة بحاجة إلى شاشات أو أجهزة ذكية؛ كانت البساطة وحدها تصنع السعادة.
وكان للمثقف حضوره المختلف. لم يكن يعرف بعدد المتابعين أو الظهور الإعلامي، بل بالرجل الذي تصل إلى بيته الجريدة اليومية. كنا نلتف حول الأخبار الرياضية والعناوين الكبرى وصفحات الحوادث، نقرأ ما نفهم وما لا نفهم، لكننا كنا نشعر أن العالم أوسع من حدود الحي وأن المعرفة نافذة لا ينبغي أن تبقى مغلقة.
ولا تزال صور كثيرة عالقة في الذاكرة؛ استديوهات التصوير القريبة من حسبة الغويرية، وسيارة الستروين السوداء الكلاسيكية الواقفة أمام أحدها، وتلك السيارة الصغيرة التي تعمل على البطارية الكهربائية والمعروضة فوق واجهة إحدى المكتبات، والتي كانت يومها تمثل قمة ما نتصوره من تقدم تكنولوجي.
وكانت شوارع الزرقاء تمتلئ بسيارات المرسيدس القديمة، والفولكس فاجن، والأوبل ريكورد، تلك السيارات التي أصبحت جزءاً من ذاكرة المدينة كما أصبحت بعض الوجوه جزءاً من ذاكرة أهلها. وكانت العباءة عباءة بحق، لا مجرد مظهر، وكان للكبير مكانته وهيبته واحترامه الذي لا يحتاج إلى تذكير.
كانت المباني أقل ارتفاعاً، والسيارات أقل عدداً، والناس أكثر قرباً من بعضهم. وكانت الأسرة الممتدة تقوم بدور المدرسة الثانية؛ فالأب والأم والعم والخال والجار جميعهم شركاء في التربية والتوجيه. تعلمنا كيف نستقبل الضيف، وكيف نمسك دلة القهوة، وكيف نصغي قبل أن نتحدث، وكيف نحترم الكبير ونقدر الناس.
ولم تكن هناك منصات للتواصل الاجتماعي ولا هواتف ذكية تربط الناس بالشاشات، بل كانت العلاقات أكثر بساطة ودفئاً. كان التواصل وجهاً لوجه، وكانت الأخبار تنتقل بين الناس في المجالس والدكاكين وأمام البيوت. كانت القلوب أقرب إلى بعضها، وكانت الكلمة الطيبة تصل مباشرة من القلب إلى القلب دون وسيط.
أما الزرقاء فكانت أيضاً مدينة العمال والعسكر. مدينة الميادين والبيارق. كانت سيارات الروفر العسكرية وشاحنات الكونتننتال تجوب الطرقات، وكانت أصوات محركاتها الثقيلة تشبه هدير البواخر في عرض البحر. ومن تلك المشاهد اليومية تولد في نفوسنا حب الجيش والوطن قبل أن نقرأ عن معانيهما في الكتب. كانت الوطنية آنذاك سلوكاً يومياً نراه في البيوت والمدارس والشوارع، لا شعاراً يرفع في المناسبات فقط.
وأتذكر أطراف الزرقاء يوم كانت أكثر اتساعاً وأقل ازدحاماً، ومنها البتراوي وما حولها من تلال ومساحات مفتوحة كانت تشكل متنفساً طبيعياً لأبناء المدينة قبل أن يمتد إليها العمران كما نراه اليوم.
ولعل أجمل ما في تلك المرحلة أننا لم نكن ندرك أننا نصنع ذكريات سترافقنا طوال العمر. كنا نعيش الحياة بعفوية؛ ننتظر العيد، ونفرح بالجريدة، ونراقب الطائرات، ونعرف معظم أهل الحي بالاسم، ونشعر أن الزرقاء عالم واسع يحتضن الجميع.
وحين كبر أبناء ذلك الجيل، حاول كثير منهم رد شيء من الجميل للمكان الذي منحهم الكثير. فظهرت المبادرات الاجتماعية والثقافية والصحية، كلٌ بحسب استطاعته؛ مرة في عمل تطوعي، ومرة في ندوة ثقافية، ومرة في يوم صحي أو مساهمة معرفية أو نصيحة صادقة. لم يكن ذلك بحثاً عن الأضواء، بل امتداداً لقيم تربينا عليها، مفادها أن قيمة الإنسان فيما يتركه من أثر نافع بين الناس.
اليوم، وبعد مرور السنوات، أدرك أن أجمل ما بقي ليس الشوارع التي اتسعت ولا الأبنية التي ارتفعت، بل ذلك الرصيد الإنساني من البساطة والتكافل والانتماء. ولهذا تبقى الزرقاء في الذاكرة كما عرفناها دائماً؛ مدينة بسيطة في عمرانها، كبيرة في أهلها، عصية على الغياب من القلب.
رحم الله من رحل من أهلها، وحفظ الله من بقي، وحفظ الأردن الذي جمع هذه الحكايات تحت رايته، وجعل من الزرقاء صفحة مضيئة من صفحات ذاكرته الوطنية.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات