الصمادي يكتب :ما بعد الناتج المحلي الإجمالي .. نحو أنسنة مؤشرات التنمية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 6644
 الصمادي يكتب :ما بعد الناتج المحلي الإجمالي ..  نحو أنسنة مؤشرات التنمية
د. تيسير رضوان الصمادي

د. تيسير رضوان الصمادي

لعقود طويلة، اعتدنا، نحن معشر الاقتصاديين، على قياس مستوى تقدم الدول وازدهارها برقم واحد جاف هو "الناتج المحلي الإجمالي". هذا المؤشر الذي وُلد في أتون الكساد الكبير والحروب العالمية لحساب القيمة الإجمالية للسلع والخدمات المنتجة في دولة ما خلال فترة زمنية محددة، أدى دوره التاريخي، وما يزال، بامتياز. لكن مخترعه الاقتصادي، سيمون كوزنتس، كان قد حذر مبكراً من وهم اعتباره مقياساً للرفاهية البشرية؛ فالناتج المحلي الإجمالي يقيس حركة السلع والخدمات فحسب، فلو حدث زلزال مدمر أو وقعت كارثة بيئية، لا قدر الله، فإن إصلاح الدمار المترتب على ذلك قد يرفع من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، أو يحسن من أداء بعض القطاعات على الأقل، لأنه يحرك عجلة الانفاق على السلع والخدمات اللازمة للتعامل مع الدمار الذي وقع، ولكن هذا المؤشر يبقى مؤشرا أعمى تماماً عن صحة أفراد المجتمع، ومستويات فقرهم وبطالتهم، وجودة تعليمهم، وعدالة توزيع ثرواتهم، واستدامة مواردهم البيئية! ومع ذلك فقد بقيت الدول ترى في المتغير المؤشر الأوحد والأكثر صدقا لقياس تقدم الدول وتصنيفها حسب معدلات نصيب الفرد من الناتج لفترة تجاوزت سبعين عاما. ولكن ما كان يجري على أرض الواقع كان يؤكد، عاما بعد آخر، أن ما يعني الناس ويؤثر في مستوى معيشتهم هو جوهر الأشياء لا مظهرها، وأن الأرقام الصماء لا تعكس بشكل مناسب حقيقة ما يعيشونه ويواجهونهم في حيواتهم اليومية.
من رحم هذا القصور التاريخي، وبعد تأخر طويل، بدأت موجة الاستجابة العالمية تتخذ أشكالاً متدرجة عبر الزمن. فقد جاء "مؤشر التنمية البشرية" الذي أطلقته الأمم المتحدة عام 1990 ليقدم أول نقلة نوعية حقيقية في المؤشرات التنموية، إذ تجاوز البيانات الاقتصادية البحتة ليقيس مستوى التنمية المتحقق في ثلاثة أبعاد رئيسية هي: الصحة ومتوسط العمر، المعرفة والتعليم، ومستوى المعيشة اللائق. إضافة إلى ذلك فقد جاءت "أجندة التنمية المستدامة 2030"، التي أطلقتها الأمم المتحدة في سبتمبر2015، لتشكل خارطة طريق عالمية لانتشال الفئات الأكثر ضعفاً وتهميشاً من أوجه الفقر المتعددة، وتأمين وصول الخدمات الأساسية للجميع، وضمان أن لا تكون التنمية حكراً على دول بعينها، أو ميزة تتفرد بثمارها طبقات اجتماعية محددة، بل هي حق إنساني عالمي أصيل. وفي سياق متصل، لم تكتفِ الدول المتقدمة بهذا القدر، بل طورت استجابات مؤسسية واسعة؛ حيث قادت دول أوروبية عديدة، في مقدمتها الدول الاسكندنافية، جهوداً رائدة لإدراج العدالة الاجتماعية، وجودة البيئة، والأمن الصحي كركائز أساسية لسياساتها الاقتصادية.
ولكن، ما قد يغفل عنه الكثيرون هو أن دولة صغيرة، هي دولة بوتان التي لا تتجاوز مساحتها 40 ألف كيلومتر مربع، ولا يزيد عدد سكانها عن 700 ألف نسمة، ولا يتجاوز حجم اقتصادها 1.4 مليار دولار، كانت قد تجاوزت جميع دول العالم في البحث عن مؤشرات أخرى تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي وغيره من المؤشرات الاقتصادية البحتة. فقد بدأت بوتان منذ عام 1972 بتبني فلسفة تنموية ريادية توجتها بابتكار مؤشرها التنموي الخاص الذي أطلقت عليه مؤشر "السعادة الوطنية الإجمالية" الذي ما لبث أن تحول إلى مؤشر دستوري ومؤسسي صارم في عام 2008؛ فبرزت بوتان كملهم عالمي استثنائي في هذا المجال.
ومع صعوبة استنساخ نموذج بوتان، لخصوصيته الدينية والفلسفية، فقد سلكت دول رائدة أخرى مسارات عملية؛ حيث اعتمدت نيوزيلندا "موازنة الرفاهية"، بحيث يتم توجيه الإنفاق الحكومي بشكل رئيسي نحو معالجة الصحة النفسية، والحد من فقر الأطفال، ودعم السكان الأصليين، والانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون، مع إلزام أي مشروع جديد بتقديم تقييم لأثره على هذه الرفاهية قبل اعتماده. كما طورت إسكتلندا إطار أداء وطني يعتمد على مشاورات شعبية واسعة لقياس نجاح الدولة في بناء وتحقيق مؤشرات العدالة، والصحة، والبيئة، والمجتمع الآمن، متجاوزة بذلك مؤشر النمو الاقتصادي كمؤشر رئيسي وحيد، لتجعل من جودة حياة المواطن بوصلة حقيقية لإدارة الدولة. ولكن المشهد العالمي لم يكتمل بعد، حيث لا تزال العديد من الدول تواجه صعوبات في الموازنة بين النزعة الرأسمالية والمؤشرات الإنسانية النوعية الجديدة.
أما المنطقة العربية فقد بدأت تشهد تحولا تنموياً لافتاً في مجال المبادرات والمؤشرات التنموية، حيث اتخذت عدة دول خطوات عملية، تتجاوز لغة الأرقام الصماء، نحو بناء مجتمعات الرفاهية؛ ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، تم مأسسة جوانب السعادة وجودة الحياة عبر حقائب وزارية واستراتيجيات وطنية شاملة. بينما ركزت المملكة العربية السعودية، من خلال "برنامج جودة الحياة" في رؤية 2030، على أنسنة المدن وتعزيز أنماط المعيشة. وعلى خط موازٍ، دمجت رؤية "عُمان 2040" البعد الإنساني والاستدامة في صلب أولوياتها. كما قامت دولة قطر بإطلاق استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة التي جعلت من "جودة الحياة" إحدى النتائج الوطنية السبعة التي تسعى إلى تحقيقها، مستهدفةً جعل دولة قطر من أفضل الدول في مجال الحياة الأسرية من خلال تحقيق التميز في الرعاية الصحية والأمان الثقافي لتوفير بيئة نموذجية لأسر المواطنين والمقيمين على حد سواء. أما في الأردن فتسعى "رؤية التحديث الاقتصادي" للنهوض بنوعية الحياة للسكان وسط تحديات هيكلية ضاغطة؛ من معدلات بطالة مرتفعة، وضغوط مديونية شديدة، وعجوزات مالية وتجارية مزمنة، وشح في الموارد، مما يؤكد على الحاجة الملحة لردم الفجوة بين الأهداف الاستراتيجية الكبرى وبين آليات القياس النوعية والإنفاق الفعلي في الموازنة العامة.
ورغم أهمية هذه المبادرات، فإن تحويلها إلى واقع عملي مسلموس ومستدام قد يصطدم بتحدٍ مؤسسي وإحصائي عنيد. فالأجهزة الحكومية في هذه الدول صُممت تاريخياً لإدارة الأرقام الاقتصادية الكلية التقليدية. كما أنها تعمل، في أغلب الحالات، في جزر معزولة، مما يجعل قياس مؤشرات مثل الفقر متعدد الأبعاد وجودة الحياة عملية تصطدم بتحديات القدرات المؤسسية الكفؤة، والبنية التحتية الإحصائية غير المتطورة، والحاجة إلى موارد مستدامة تفتقر إليها العديد من الدول العربية. فمن خبرتي الطويلة والمتنوعة في العمل التنموي وجدت بأن توفير البيانات والمعلومات لتحليلها وبناء قرارات سليمة بناءا عليها عملية بالغة الصعوبة وتستهلك الكثير من الوقت؛ إما لتعدد المؤسسات المنتجة لها وتعقيد إجراءات التواصل فيما بينها، أو لأن بعض المؤسسات التي تنتج البيانات ترى بأنها الجهة الوحيدة التي تمتلك حق التعامل معها! وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك، لا مجال لسردها الآن.
وعليه، يتوجب على المؤسسات ذات العلاقة انتهاج مسار إصلاحي تدريجي وذكي يقوم على مأسسة القياس المتعدد للواقع التنموي عبر إدماج مؤشرات جودة الحياة والبيئة تدريجياً، إلى جانب المؤشرات الاقتصادية المعتمدة حاليا، ضمن تقارير الأداء الحكومي والخطط التنموية، والتخلص من عقبة الجزر البيروقراطية، عبر بناء منصات وطنية موحدة لربط قواعد البيانات بين المؤسسات المختلفة. كما يتطلب الأمر توظيف الثورة الرقمية والسجلات الإدارية وتعظيم الاستفادة منها لإنتاج مؤشرات رفاهية فورية ومنخفضة التكلفة، على أن يتم تعريف هذه المؤشرات بشكل واضح والتأكد من قابليتها للقياس بطريقة شفافة. كما نرى أن الوقت قد حان لربط الإنفاق العام بالأثر التنموي المستدام، بجميع أبعاده، لضمان توجيه الموازنات العامة نحو ما يسهم في تحقيق تحسن حقيقي وملموس في حياة السكان. أخيرا لا بد من التأكيد أن كل ما سبق لا يعني التخلي عن مؤشر الناتج المحلي الإجمالي، ولكن توسيع قاعدة المؤشرات التنموية لتشمل مؤشرات تعكس نوعية حياة الإنسان، مع إعطائها نفس الاهتمام الذي يحظى به مؤشر الناتج المحلي الإجمالي، وعندها، فقط، ننجح في مطابقة بوصلة الحكومات مع رفاه المجتمعات، ونصبح قادرين على صنع مستقبل مرن ومستدام للأجيال الحالية والقادمة.

#ما_بعد_الناتج_المحلي_الإجمالي #نحو_أنسنة_التنمية #التنمية_المستدامة
#مؤشرات_الأداء_التنموية #التخطيط_الاستراتيجي #التنمية_البشرية #الحوكمة
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم