العدوان يكتب: الدبلوماسية الملكية جلالة عبدالله الثاني يعيد رسم مسار الأردن نحو الصين

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 12921
  العدوان يكتب: الدبلوماسية الملكية جلالة عبدالله الثاني يعيد رسم مسار الأردن نحو الصين
د. علي فواز العدوان

د. علي فواز العدوان

في عالم تتغير فيه موازين القوى الدولية بسرعة، لم تعد الدبلوماسية مجرد إدارة للعلاقات بين الدول، بل أصبحت أداة استراتيجية لحماية المصالح الوطنية، وفتح الأسواق، وجذب الاستثمار، وبناء الشراكات التي تمنح الدول مساحة أوسع للحركة في نظام دولي شديد التعقيد.
ومن هذا المنظور، تؤكد الدبلوماسية الملكية لجلالة الملك عبدالله الثاني في بناء العلاقة الأردنية الصينية نموذجاً واضحاً لدبلوماسية المصالح التي تتجاوز حدود البروتوكول إلى رسم مسارات طويلة الأمد للتعاون الدولي.

فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، يدرك أن قوته لا تقوم فقط على موارده وإمكاناته الذاتية، وإنما أيضاً على قدرته على بناء شبكة متوازنة من العلاقات الدولية، وتحويل موقعه الاستراتيجي إلى فرصة اقتصادية وسياسية وتنموية. ولذلك جاءت العلاقة مع الصين ضمن رؤية أوسع تقوم على تنويع الشراكات والانفتاح على القوى الاقتصادية والتكنولوجية الصاعدة.

إن الصين اليوم ليست مجرد دولة كبرى تبحث عن أسواق جديدة، وإنما قوة اقتصادية وتكنولوجية وصناعية مؤثرة في صياغة الاقتصاد العالمي. ومن هنا فإن توسيع التعاون الأردني الصيني في مجالات الاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعليم والسياحة والصناعة والتجارة، يضع العلاقة بين البلدين أمام مرحلة تتطلب الانتقال من مفهوم التعاون القطاعي إلى مفهوم الشراكة المتكاملة.
وقد أدرك جلالة الملك عبدالله الثاني مبكراً أهمية هذا التحول، فالدبلوماسية الملكية لم تكن يوماً منفصلة عن الاقتصاد والتنمية، بل كانت تتحرك باتجاه فتح الأبواب أمام الأردن وتعزيز قدرته على الوصول إلى الأسواق العالمية واستقطاب الاستثمارات والتكنولوجيا والخبرات.


وهنا تكمن أهمية العلاقة مع الصين؛ فالأردن لا يبحث عن شريك تجاري فحسب، وإنما عن فرص حقيقية لتوطين التكنولوجيا، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، وخلق فرص العمل، والاستفادة من التجربة الصينية في التصنيع والتحول الرقمي والطاقة والنقل واللوجستيات.
و أن الشراكة مع الصين يمكن أن تشكل رافعة لمشروعات التحديث الاقتصادي الأردني، خصوصاً في القطاعات التي تحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد ونقل للتكنولوجيا، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على الانتقال من مرحلة استهلاك التكنولوجيا إلى مرحلة إنتاجها وتوطينها.
والأهم من ذلك أن الانفتاح الأردني على الصين لا يأتي على حساب علاقات الأردن التاريخية مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، بل يعكس جوهر السياسة الخارجية الأردنية القائمة على تعدد الشراكات وتوازن المصالح.
فالأردن لا يستطيع أن يعيش في عالم قائم على المحاور المغلقة، ولا ينبغي له ذلك؛ لأن مصالحه الوطنية تفرض عليه أن يحافظ على علاقاته مع مختلف مراكز القوة الدولية، وأن يحول هذه العلاقات إلى فرص تخدم اقتصاده وأمنه واستقراره.
وفي هذا السياق، تصبح الدبلوماسية الملكية أكثر من مجرد أداة للتواصل السياسي، فهي تتحول إلى منصة لبناء المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، وإلى وسيلة لتثبيت حضور الأردن في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على الأسواق والنفوذ وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا.
ولعل المرحلة المقبلة تتطلب البناء على ما تحقق في العلاقات الأردنية الصينية، من خلال تحديد أولويات واضحة للشراكة، وربطها بمشروعات وطنية قابلة للتنفيذ، بحيث لا تبقى الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في إطارها النظري، وإنما تتحول إلى استثمارات ومشروعات وفرص عمل ونقل حقيقي للمعرفة والتكنولوجيا.
فالأردن يمتلك الموقع، والاستقرار، والموارد البشرية، والقدرة على أن يكون حلقة وصل بين الأسواق، بينما تمتلك الصين رأس المال والخبرة الصناعية والتكنولوجية والقدرة على تنفيذ المشروعات الكبرى. وعندما تلتقي هذه العناصر ضمن رؤية واضحة، فإن الشراكة لا تعود علاقة بين دولتين فحسب، وإنما تصبح مشروعاً اقتصادياً وتنموياً يخدم مصالح الطرفين.
إن جلالة الملك عبدالله الثاني، من خلال الدبلوماسية الملكية، يرسم للأردن مساحة أوسع في الخريطة الدولية؛ مساحة لا تقوم على الاصطفاف، وإنما على الانفتاح، ولا على التبعية، وإنما على الشراكة، ولا على ردود الفعل، وإنما على استباق التحولات الدولية والاستفادة منها.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام مؤسسات الدولة اليوم: أن تترجم الرؤية الملكية إلى برامج تنفيذية، وأن تجعل من العلاقات الدولية جسراً للتنمية الوطنية، وأن تنتقل بالشراكة الأردنية الصينية من مستوى العلاقات السياسية المتميزة إلى شراكة استراتيجية شاملة تعود نتائجها مباشرة على المواطن والاقتصاد الوطني.
ففي عالم تتغير فيه قواعد القوة، لم تعد الدول تقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل بقدرتها على بناء الشراكات الذكية، واستثمار موقعها، وتوظيف دبلوماسيتها في خدمة اقتصادها وأمنها ومستقبل أجيالها.
ومن هنا، فإن الدبلوماسية الملكية في العلاقة مع الصين ليست مجرد صفحة في سجل العلاقات الخارجية الأردنية، وإنما نموذج لكيف يمكن للأردن أن يعيد تعريف موقعه في النظام الدولي: دولة منفتحة على الجميع، ثابتة في مصالحها، ومتوازنة في خياراتها، وقادرة على تحويل علاقاتها الدولية إلى قوة إضافية لمسيرتها التنموية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم