د. عمر عكاشة المقابلة يكتب: العشائرية والدولة الحديثة: تكامل أم تعارض؟

منذ 4 ساعات
المشاهدات : 8007
د. عمر عكاشة المقابلة يكتب: العشائرية والدولة الحديثة: تكامل أم تعارض؟
د. عمر عكاشة المقابلة

د. عمر عكاشة المقابلة

تُعدّ العشائرية من أبرز المكونات الاجتماعية التاريخية في الأردن، إذ شكّلت عبر عقود طويلة إطاراً اجتماعياً متماسكاً أسهم في حفظ الأمن المجتمعي وتعزيز قيم التكافل والانتماء. وفي المقابل، تقوم الدولة الحديثة على أسس قانونية ومؤسساتية تستند إلى مبدأ المواطنة وسيادة القانون والمساواة بين الأفراد. ومن هنا يبرز التساؤل: هل تمثل العشائرية حالة تعارض مع مفهوم الدولة الحديثة، أم أنها يمكن أن تشكل عنصر تكامل واستقرار ضمن إطار الدولة؟
لقد لعبت العشائر الأردنية دوراً محورياً في تأسيس الدولة الأردنية منذ بداياتها، وكانت شريكاً أساسياً في بناء المؤسسات الوطنية وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي. ولم تكن العلاقة بين الدولة والعشائر علاقة صراع بقدر ما كانت علاقة شراكة تاريخية، تجلت في الدفاع عن الوطن وترسيخ قيم الانتماء والولاء والمحافظة على السلم الأهلي.
ويؤكد الواقع الأردني أن العشائرية ليست مجرد رابطة دم أو انتماء عائلي، بل منظومة قيم اجتماعية تقوم على النخوة والتكافل والإصلاح وحماية المجتمع. ففي كثير من الأحيان أسهمت الجاهات العشائرية والصلح العشائري في احتواء النزاعات المجتمعية ومنع تفاقمها، وهو ما عزز حالة الاستقرار الاجتماعي في الدولة.
إلا أن الإشكالية لا تكمن في وجود العشائرية بحد ذاتها، وإنما في تحولها أحياناً من إطار اجتماعي إيجابي إلى أداة تؤثر على مفهوم العدالة وتكافؤ الفرص أو تتجاوز سلطة القانون والمؤسسات. فعندما يتم تقديم الانتماء الضيق على المصلحة الوطنية، أو عندما تُستخدم العلاقات العشائرية للتأثير على التعيينات والقرارات الإدارية أو الانتخابات، فإن ذلك قد ينعكس سلباً على مفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على الكفاءة والمؤسسية وسيادة القانون.
الدولة الحديثة لا تعادي البنى الاجتماعية التقليدية، لكنها تسعى إلى تنظيمها ضمن إطار القانون. ولذلك فإن العلاقة السليمة بين العشائرية والدولة يجب أن تقوم على التكامل لا التصادم؛ بحيث تبقى العشيرة حاضنة اجتماعية وقيمية داعمة للاستقرار، دون أن تتحول إلى بديل عن مؤسسات الدولة أو مرجعية تتجاوز القانون.
ومن المهم التمييز بين “العشائرية الاجتماعية” التي تعزز التماسك والتكافل، و”العشائرية السلبية” التي قد تنتج الواسطة أو المحسوبية أو التعصب. فالدولة القوية ليست تلك التي تلغي المكونات الاجتماعية، وإنما التي تنجح في توظيفها لخدمة المشروع الوطني الجامع.
وفي الحالة الأردنية تحديداً، أثبتت التجربة أن العشائر كانت ولا تزال جزءاً من الهوية الوطنية، وأنها أسهمت في حماية الدولة واستقرارها في ظروف إقليمية معقدة. غير أن متطلبات المرحلة الحالية تفرض تعزيز مفهوم المواطنة وسيادة القانون وتكافؤ الفرص، بحيث تكون العلاقة بين الفرد والدولة قائمة على الحقوق والواجبات، دون أن يتعارض ذلك مع الاعتزاز بالانتماء الاجتماعي والعشائري.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين العشيرة والدولة، بل في بناء معادلة وطنية تجعل من العشيرة رافداً للقيم الوطنية، ومن الدولة مظلة عادلة لجميع المواطنين. فحين تلتقي العشائرية الإيجابية مع دولة المؤسسات والقانون، يتحقق التكامل الذي يعزز الاستقرار والتنمية ويحافظ على خصوصية المجتمع الأردني وهويته الوطنية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم