القضاه يكتب: بين اللامركزية والوصاية: هل ينجح مشروع قانون الإدارة المحلية في بناء حوكمة حقيقية؟

منذ 12 ساعة
المشاهدات : 17022
 القضاه يكتب: بين اللامركزية والوصاية: هل ينجح مشروع قانون الإدارة المحلية في بناء حوكمة حقيقية؟
د.عبدالله محمد القضاه

د.عبدالله محمد القضاه

بينما كانت التوقعات تشير إلى تعزيز نهج اللامركزية وتمكين المجالس المحلية كشريك تنموي مستقل، جاءت مسودة قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 لتحمل في طياتها ملامح مركزية مغلفة، تضعف منظومة الحوكمة وتجعل من المجالس المنتخبة مجرد أذرع تنفيذية خاضعة لسطوة القرار المركزي.
تتجلى أولى مؤشرات ضعف الحوكمة في المادة (34) من مسودة القانون، التي منحت وزارة الإدارة المحلية صلاحيات تفتيشية مطلقة وغير مسبوقة. فبموجب هذه المادة، يحق للوزارة تشكيل لجان تفتيش تملك سلطة الدخول إلى البلديات في أي وقت، والاطلاع على كافة المعاملات والقرارات الصادرة عن المجلس البلدي واللجان المحلية. هذا النص لا يكرس الرقابة فحسب، بل يفتح الباب للتدخل في جوهر القرار التنموي، مما يفقد المجالس استقلاليتها الإدارية ويحولها إلى جهات تخشى المبادرة خوفاً من الفحص الفجائي الذي قد يُفسر سياسياً أو إدارياً بغير مقصده.
أما المؤشر الثاني وهو المضعف لمبدأ الاستقرار الديمقراطي، فيأتي عبر المادتين (36) و(38) ، اللتين منحتا مجلس الوزراء الحق في حل المجلس البلدي أو مجلس المحافظة قبل انتهاء مدته القانونية. إن بقاء سيف "الحل" مسلطاً فوق رقاب المجالس المنتخبة ينسف جوهر الحوكمة الرشيدة؛ فكيف لمجلس أن يضع خططاً استراتيجية عابرة للسنوات وهو لا يملك ضمانة البقاء لإتمام دورته؟ هذا النص يضعف الشرعية الانتخابية ويجعل الولاء للقرار المركزي مقدماً على تلبية احتياجات القاعدة الشعبية.
علاوة على ذلك، فإن التوجه نحو التعيين في بعض مفاصل المجالس، وتوسيع صلاحيات الوزير في التدخل المباشر، يعكس تراجعاً عن مبدأ التخصص المكاني؛ الذي يقضي بإدارة الشأن المحلي من قبل الأقرب للميدان. إن حوكمة المجالس لا تستقيم مع نصوص تمنح السلطة المركزية حق الوصاية الكاملة، بل تتطلب توازناً بين الرقابة القانونية والاستقلال المالي والإداري.
ختاماً، إن مشروع القانون بصيغته الحالية يحتاج إلى مراجعة وطنية شاملة؛ فالحوكمة ليست مجرد نصوص رقابية، بل هي تمكين للمجتمعات المحلية من إدارة شؤونها بعيداً عن عقلية "المركز والطرف"، لضمان ألا تتحول البلديات إلى مجرد دوائر حكومية فاقدة للروح التنموية. وبالتالي تفريغ التحديث السياسي من مضمونه الحقيقي الذي أراده جلالة الملك.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم