البطل المتأخر: حين تشرق الحقيقة بعد غروب المسؤولية

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 19792
البطل المتأخر: حين تشرق الحقيقة بعد غروب المسؤولية
النائب خليفة الديات

النائب خليفة الديات

في الدول التي تحترم مؤسساتها، يبقى المسؤول السابق رجل دولة حتى بعد مغادرته المنصب، لأن قيمة الدولة لا تُقاس بعدد الأبنية ولا بالموازنات، بل بقدرتها على حماية هيبتها وصون ثقة الناس بمؤسساتها. أما أن يتحول بعض الخارجين من المشهد الرسمي إلى منصات مفتوحة لتصفية الحسابات، أو إلى نجوم موسميين على شاشات الإثارة ومواقع الاصطياد الإلكتروني، فهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا الآن؟ ولماذا لم نسمع هذه “الحقائق الصادمة” إلا بعد مغادرة الكرسي؟

هناك فرق كبير بين النقد المسؤول، الذي يهدف إلى التصويب والإصلاح، وبين ذلك النوع من التصريحات الذي يُلقى كقنبلة دخانية في وجه المواطن، فتزيده حيرة وقلقاً وفقداناً للثقة. المواطن الأردني اليوم مثقل بالأعباء الاقتصادية، محاصر بأسئلة المعيشة والبطالة وارتفاع الأسعار، ولا ينقصه أن يستيقظ كل صباح على مسؤول سابق يخرج ليحدثه وكأنه كان شاهداً صامتاً على انهيار العالم، بينما كان بالأمس جزءاً من المشهد وصاحب قرار فيه.

الأدهى من ذلك أن بعض هؤلاء يتحدث بلغة “البطل المتأخر”، فيكتشف فجأة بعد التقاعد أو الإعفاء أو انتهاء النفوذ أن المؤسسات التي كان يمتدحها أصبحت فجأة مليئة بالأخطاء والكوارث. وكأن الحكمة لا تنزل إلا بعد مغادرة المكتب الرسمي، أو كأن الحقيقة تحتاج إلى ختم “متقاعد سابق” حتى يسمح لها بالخروج!

المواطن الأردني بطبيعته ذكي، ويعرف جيداً التفريق بين من يتحدث بدافع الحرص الوطني، وبين من يتحدث بدافع الغضب الشخصي أو الرغبة بالعودة إلى الأضواء. ولذلك فإن كثيراً من هذه التصريحات لا تُقرأ بوصفها شجاعة سياسية، بل باعتبارها محاولة متأخرة لإعادة التموضع، أو تصفية حسابات بثوب الوطنية.

ولا يمكن هنا إعفاء بعض المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل من المسؤولية. فاللهاث خلف العناوين المثيرة أصبح عند البعض أهم من التدقيق والمهنية. يكفي أن يقول مسؤول سابق جملة ملغومة حتى تتحول إلى “خبر عاجل”، ثم تبدأ حفلة الاجتزاء والتضخيم والتحليل والتأويل، دون أدنى مراعاة لأثر ذلك على صورة الدولة وهيبة مؤسساتها وثقة المواطن بها.

إن حرية الرأي حق، والنقد ضرورة، لكن تحويل المنابر الإعلامية إلى ساحات لتقويض الثقة العامة أمر مختلف تماماً. فالدول لا تُبنى بالشائعات السياسية، ولا بالتصريحات الانفعالية، ولا بالمزايدات المتأخرة. ومن يحمل معلومة خطيرة تمس الوطن ومؤسساته، فمكانها الجهات المختصة لا منصات الإثارة، ومن كان يملك موقفاً وطنياً حقيقياً فالأجدر أن يقوله وهو في موقع المسؤولية لا بعد أن يصبح خارج دائرة القرار.

الأردن اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب يعزز الثقة لا إلى خطابات تبث الإحباط، وإلى مسؤولين سابقين يتصرفون بعقل الدولة لا بعاطفة الخصومة. فالمناصب تزول، لكن هيبة المؤسسات يجب أن تبقى، والخلافات الشخصية يجب ألا تتحول إلى معاول تهدم ما تبقى من ثقة المواطن بوطنه.

ويبقى السؤال الذي يدور في ذهن الأردني البسيط كلما سمع مثل تلك التصريحات: إن كانت الأمور بهذا السوء، فلماذا صمتوا حين كانوا في مواقع القرار؟ وإن كانوا صادقين اليوم، فهل كانوا شركاء بالأمس أم شهود زور؟
و الله من وراء القصد.

رئيس اللجنة الإدارية
النائب
خليفة الديات

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم