في الدول التي تحترم مؤسساتها، يبقى المسؤول السابق رجل دولة حتى بعد مغادرته المنصب، لأن قيمة الدولة لا تُقاس بعدد الأبنية ولا بالموازنات، بل بقدرتها على حماية هيبتها وصون ثقة الناس بمؤسساتها. أما أن يتحول بعض الخارجين من المشهد الرسمي إلى منصات مفتوحة لتصفية الحسابات، أو إلى نجوم موسميين على شاشات الإثارة ومواقع الاصطياد الإلكتروني، فهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا الآن؟ ولماذا لم نسمع هذه “الحقائق الصادمة” إلا بعد مغادرة الكرسي؟
هناك فرق كبير بين النقد المسؤول، الذي يهدف إلى التصويب والإصلاح، وبين ذلك النوع من التصريحات الذي يُلقى كقنبلة دخانية في وجه المواطن، فتزيده حيرة وقلقاً وفقداناً للثقة. المواطن الأردني اليوم مثقل بالأعباء الاقتصادية، محاصر بأسئلة المعيشة والبطالة وارتفاع الأسعار، ولا ينقصه أن يستيقظ كل صباح على مسؤول سابق يخرج ليحدثه وكأنه كان شاهداً صامتاً على انهيار العالم، بينما كان بالأمس جزءاً من المشهد وصاحب قرار فيه.
الأدهى من ذلك أن بعض هؤلاء يتحدث بلغة “البطل المتأخر”، فيكتشف فجأة بعد التقاعد أو الإعفاء أو انتهاء النفوذ أن المؤسسات التي كان يمتدحها أصبحت فجأة مليئة بالأخطاء والكوارث. وكأن الحكمة لا تنزل إلا بعد مغادرة المكتب الرسمي، أو كأن الحقيقة تحتاج إلى ختم “متقاعد سابق” حتى يسمح لها بالخروج!
المواطن الأردني بطبيعته ذكي، ويعرف جيداً التفريق بين من يتحدث بدافع الحرص الوطني، وبين من يتحدث بدافع الغضب الشخصي أو الرغبة بالعودة إلى الأضواء. ولذلك فإن كثيراً من هذه التصريحات لا تُقرأ بوصفها شجاعة سياسية، بل باعتبارها محاولة متأخرة لإعادة التموضع، أو تصفية حسابات بثوب الوطنية.
ولا يمكن هنا إعفاء بعض المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل من المسؤولية. فاللهاث خلف العناوين المثيرة أصبح عند البعض أهم من التدقيق والمهنية. يكفي أن يقول مسؤول سابق جملة ملغومة حتى تتحول إلى “خبر عاجل”، ثم تبدأ حفلة الاجتزاء والتضخيم والتحليل والتأويل، دون أدنى مراعاة لأثر ذلك على صورة الدولة وهيبة مؤسساتها وثقة المواطن بها.
إن حرية الرأي حق، والنقد ضرورة، لكن تحويل المنابر الإعلامية إلى ساحات لتقويض الثقة العامة أمر مختلف تماماً. فالدول لا تُبنى بالشائعات السياسية، ولا بالتصريحات الانفعالية، ولا بالمزايدات المتأخرة. ومن يحمل معلومة خطيرة تمس الوطن ومؤسساته، فمكانها الجهات المختصة لا منصات الإثارة، ومن كان يملك موقفاً وطنياً حقيقياً فالأجدر أن يقوله وهو في موقع المسؤولية لا بعد أن يصبح خارج دائرة القرار.
الأردن اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب يعزز الثقة لا إلى خطابات تبث الإحباط، وإلى مسؤولين سابقين يتصرفون بعقل الدولة لا بعاطفة الخصومة. فالمناصب تزول، لكن هيبة المؤسسات يجب أن تبقى، والخلافات الشخصية يجب ألا تتحول إلى معاول تهدم ما تبقى من ثقة المواطن بوطنه.
ويبقى السؤال الذي يدور في ذهن الأردني البسيط كلما سمع مثل تلك التصريحات: إن كانت الأمور بهذا السوء، فلماذا صمتوا حين كانوا في مواقع القرار؟ وإن كانوا صادقين اليوم، فهل كانوا شركاء بالأمس أم شهود زور؟
و الله من وراء القصد.
رئيس اللجنة الإدارية
النائب
خليفة الديات
النائب خليفة الديات
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
موسى الطراونة يكتب: الكرك .. حكاية وطن لا تشبه إلا نفسها
منذ 2 ساعة
كُتاب سرايا
د. مفضي المومني يكتب: حمود .. الكرك وجعكم وجعنا .. بالفطرة لا بالتعايش! ابحثوا عن صاحب المصلحة .. ؟
منذ 7 ساعات
كُتاب سرايا
محيلان يكتب: تكريم ياسين البخيت .. تشجيع للاعبين كافة، شكراً اتحاد
منذ 7 ساعات
كُتاب سرايا
الدكتور بكر الشوابكة يكتب: بين انحراف الجريمة ونبل الدين تبقى الكرك عنوانا للأخوة والأردن حصنا للوحدة
منذ 7 ساعات
كُتاب سرايا
د. ذوقان عبيدات يكتب: زمجرنا!! .. وماذا بعد؟
منذ 8 ساعات
أخبار فنية
فن
هيا الشعيبي تكشف أسرار خلافاتها العائلية وأزمتها مع إلهام الفضالة
منذ 52 دقيقة
فن
وليد توفيق يكشف موعد عودته إلى السينما .. وأغنية خاصة لهاني شاكر
منذ 53 دقيقة
فن
هيا الشعيبي تبكي بتأثر بسبب شقيقيها وهذا ما قالته عن تسجيل إلهام الفضالة
منذ 6 ساعات
فن
محمد رمضان يستأنف تصوير مسلسل "عشماوي" بعد إصابته في الكواليس
منذ 9 ساعات
فن
نجوم الفن والإعلام يواسون هالة سرحان في عزاء شقيقتها شادية (صور)
منذ 10 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
برشلونة يستدعي لاعبا إسرائيليا للكلاسيكو
منذ 1 ساعة
رياضة
الاتحاد الآسيوي لكرة القدم يرجئ مباراة النصر السعودي والوصل الإماراتي
منذ 1 ساعة
رياضة
إنتر يقلب تأخره إلى فوز مثير على فيورنتينا بهدفين في الوقت بدل الضائع
منذ 1 ساعة
رياضة
رغم بيان ريال مدريد .. كورتوا جاهز للكلاسيكو
منذ 2 ساعة
رياضة
أمام بورنموث .. كاريك يرسل برونو إلى الدكة بعد انتقاداته
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
قبل الـ«ألو» ماذا كان العالم يقول عند الرد على الهاتف؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
63 % من الألمان يرفضون استخدام الهواتف على مائدة الطعام
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
ادعى رعايتها ثم اتُّهم بتسميمها .. تفاصيل جريمة مروعة في أمريكا
منذ 7 ساعات
منوعات من العالم
جدات "تيك توك" .. شهرة بالملايين وأرباح تغطي تكاليف دور الرعاية (فيديو)
منذ 7 ساعات
منوعات من العالم
راكبة تثير الجدل على متن طائرة .. بكت 3 ساعات بسبب مقعد زوجها
منذ 10 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات