الخشيني يكتب: بين القانون والواقع: كيف تُعطّل الإجراءات الإدارية حق التقاضي في نقابة المحامين؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 19631
الخشيني يكتب: بين القانون والواقع: كيف تُعطّل الإجراءات الإدارية حق التقاضي في نقابة المحامين؟
الدكتور مصطفى الخشيني

الدكتور مصطفى الخشيني

في الوقت الذي يؤكد فيه الدستور الأردني أن “المحاكم مفتوحة للجميع”، يجد بعض المواطنين أنفسهم أمام واقع مختلف تماماً؛ واقع تتداخل فيه الإجراءات مع النصوص، وتتعطل فيه الحقوق بسبب مسارات إدارية لا يراها القانون ولا يشعر بها إلا من يمرّ بها.


هذه المقالة ليست هجوماً ولا اتهاماً، بل محاولة لفتح نقاش وطني هادئ حول فجوة إجرائية داخل نقابة المحامين، فجوة قد لا يراها كثيرون، لكنها تمسّ حقاً دستورياً لا يجوز المساس به: حق التقاضي.


يُعدّ حق التقاضي أحد أهم الحقوق الدستورية التي تقوم عليها الدولة المدنية الحديثة. فالدستور الأردني نصّ بوضوح على أن “المحاكم مفتوحة للجميع”، وأن العدالة حق لا يجوز تعطيله أو تقييده.


لكن الواقع العملي يكشف عن فجوة بين النصوص والتطبيق، فجوة تتسع داخل منظومة العدالة، وتحديداً في نقابة المحامين الأردنيين، بحيث يجد المواطن — وخاصة المغترب — نفسه أمام إجراءات تعيق وصوله إلى حقه الدستوري.


هذه ليست مبالغة، بل قراءة قانونية تستند إلى نصوص نافذة وتجربة شخصية تصلح أن تكون نموذجاً لخلل يمسّ شريحة واسعة من المواطنين.
أولاً: حين يصبح المحامي بوابة إلزامية للعدالة
المشرّع الأردني ألزم المواطن — فرداً كان أو مؤسسة — باللجوء إلى محامٍ في أغلب درجات التقاضي، وذلك بنصوص واضحة، منها:
• المادة 41/1 من قانون النقابة: لا يجوز لأي جهة رسمية أو شركة تمثيل نفسها دون محامٍ.
• المادة 63/1 من أصول المحاكمات المدنية: لا يجوز للمتداعين المثول أمام المحاكم إلا بواسطة محامٍ.
• المادة 7/ب من قانون محاكم الصلح: حتى الدعاوى البسيطة فوق ألف دينار تتطلب محامياً.
• المادة 198: التمييز لا يُقبل إلا بتوقيع محامٍ أستاذ.
• المادة 208/1 من أصول المحاكمات الجزائية: الدولة تنتدب محامياً في الجنايات.
النتيجة:
المواطن لا يستطيع الوصول إلى القضاء دون محامٍ، ما يجعل المحامي وسيطاً إلزامياً بين المواطن وحقه الدستوري.

ثانياً: المادة 60 — تنظيم مهني يتحوّل إلى عائق إجرائي
تنص المادة 60 من قانون النقابة على:
“لا يجوز للمحامي أن يقبل الوكالة في دعوى ضد زميل له… قبل الحصول على إذن خطي من النقيب.”
وُضعت المادة لمنع الدعاوى الكيدية، لكنها في التطبيق العملي قد تتحوّل إلى عائق فعلي أمام المواطن:
• المواطن مُلزم بتوكيل محامٍ.
• والمحامي ممنوع من قبول الدعوى ضد زميله دون إذن.
• والنقابة غير ملزمة بمدة زمنية للرد.
• وفي حالات كثيرة… لا يصدر رد أصلاً.
وهكذا يجد المواطن نفسه في فراغ إجرائي لا يستطيع تجاوزه.

ثالثاً: “القرار الإداري السلبي” — الصمت الذي يعطّل العدالة
في تجربتي الشخصية، تقدّمت إلى النقابة بـ:
• شكوى مسلكية
• طلب إذن بموجب المادة 60
ورغم ذلك:
• لم يُمنح رقم وارد
• لم تُقيد الشكوى
• لم يصدر قرار باذن توكيل محامي من نقابة المحامين لضمان مقاضاتي لخصمي المحامي -كوني مغترب- أو الرفض.
هذا السلوك الإداري يُعدّ — وفق القضاء الإداري — قراراً إدارياً سلبياً بالامتناع عن أداء واجب وظيفي، وهو من أخطر أنواع القرارات لأنه:
• لا يُعلن
• لا يُبرر
• لا يمكن الطعن فيه
• ويعطّل حق التقاضي بالكامل

رابعاً: مخالفة النظام الداخلي
النظام الداخلي للنقابة واضح:
• المادة 42: المجلس ملزم بالنظر في الشكاوى.
• المادة 55: المجلس ملزم باتخاذ الإجراءات اللازمة في الخلافات.
لكن الامتناع عن منح “رقم وارد” يعني عملياً منع الشكوى من الوصول إلى المجلس، أي تعطيل النظام الداخلي قبل القانون.

خامساً: لماذا القضية ليست شخصية؟
ما حدث معي ليس حالة فردية، بل نموذج لخلل يمسّ:
• آلاف المواطنين
• المغتربين
• الشركات
• المؤسسات
• المتقاضين الذين يعتمدون على النقابة كجسم تنظيمي
ترك هذا الخلل دون معالجة قد يؤدي إلى:
• تضخم إداري غير مبرر
• إعاقة للعدالة
• تراجع ثقة المواطن بالمؤسسات
• شعور بوجود “حصانة إجرائية” غير منصوص عليها
سادساً: ما المطلوب؟
هذه ليست دعوة للصدام، بل دعوة للإصلاح. والمطلوب:
1. مراجعة المادة 60 لضمان عدم استخدامها كأداة تعطيل.
2. إلزام النقابة بمدد زمنية واضحة للرد على الشكاوى وطلبات الإذن.
3. إطلاق منصة إلكترونية للمغتربين لتقديم الطلبات دون عراقيل.
4. تعزيز الرقابة الحكومية على الإجراءات الإدارية للنقابات المهنية.
5. تفعيل القضاء الإداري في مواجهة القرارات السلبية.
خاتمة: العدالة لا تُدار بالصمت
نقابة المحامين مؤسسة وطنية محترمة، ودورها أساسي في حماية العدالة.
لكن قوة المؤسسات تُقاس بمدى التزامها بالقانون وشفافيتها واحترامها لحقوق المواطنين.
ما جرى ليس إلا جرس إنذار بأن هناك فجوة تشريعية وإجرائية تحتاج إلى معالجة عاجلة، حتى لا يتحوّل حق التقاضي إلى باب مغلق أمام المواطن.
فالعدالة لا تُدار بالصمت…
ولا تُحمى إلا بالشفافية وسيادة القانون.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم