صائب عارف يكتب: القانون الدولي بين النص والتطبيق: حين تتغلب المصالح على المبادئ

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 18016
صائب عارف يكتب: القانون الدولي بين النص والتطبيق: حين تتغلب المصالح على المبادئ
صائب عارف

صائب عارف

في عالمٍ يفترض أن تحكمه القوانين والمواثيق، يبدو المشهد الدولي أحيانًا وكأنه يسير في اتجاهٍ مغاير تمامًا. فبينما وضعت البشرية، بعد حروبٍ مدمرة، أسسًا واضحة لتنظيم العلاقات بين الدول، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومرجعيتها القانونية المتمثلة في ميثاق الأمم المتحدة، لا تزال الوقائع اليومية تكشف فجوةً واسعة بين النصوص والتطبيق.

هذه الفجوة لا تعكس غياب القوانين، بل تكشف عن خللٍ أعمق في آليات تنفيذها. فالنظام الدولي، بخلاف الأنظمة الوطنية، لا يمتلك سلطةً تنفيذية قادرة على فرض الامتثال على الجميع. ويبقى مجلس الأمن الدولي، وهو الجهة المفترض أن تحمي السلم والأمن الدوليين، رهينةً لتوازنات القوى السياسية، لا لاعتبارات العدالة وحدها.

تتجلى المشكلة بشكل أوضح في استخدام “حق النقض” (الفيتو)، الذي يمنح الدول الكبرى قدرةً شبه مطلقة على تعطيل أي قرار لا يتماشى مع مصالحها. وهنا يتحول القانون من أداةٍ لتحقيق العدالة إلى ساحةٍ للصراع السياسي، حيث تُفسّر النصوص وفقًا لموازين القوى، لا لمبادئها الأصلية.

ولا يقف الأمر عند حدود التعطيل، بل يمتد إلى ازدواجية واضحة في المعايير. فبعض النزاعات تحظى باهتمامٍ دولي واسع وإجراءات حازمة، في حين تمرّ نزاعات أخرى بصمتٍ مريب، رغم تشابه الظروف أو حتى تطابقها. هذه الانتقائية تُضعف ثقة الشعوب بالقانون الدولي، وتُرسّخ الانطباع بأنه يُطبّق على الضعفاء أكثر مما يُطبّق على الأقوياء.

أما على صعيد المساءلة، فإن مؤسسات مثل المحكمة الجنائية الدولية تواجه تحدياتٍ كبيرة، أبرزها عدم تعاون بعض الدول، أو عدم اعترافها أصلًا بسلطة المحكمة. وهو ما يجعل ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات أمرًا معقدًا، بل ومستحيلًا في بعض الحالات.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن القانون الدولي لا يزال يلعب دورًا مهمًا، ولو جزئيًا، في الحد من الفوضى. فهو يوفّر إطارًا مرجعيًا للاحتجاج والمساءلة، ويمنح المجتمع الدولي أدواتٍ – وإن كانت محدودة – للضغط والتأثير.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة المزيد من القوانين، بل في إيجاد إرادة دولية حقيقية لتطبيقها بعدالة وحياد. فبدون ذلك، سيبقى القانون الدولي نصًا جميلًا في الوثائق، لكنه عاجز عن فرض نفسه في واقعٍ تحكمه المصالح قبل المبادئ.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن أن يتحول القانون الدولي يومًا إلى سلطةٍ فاعلة تُطبّق على الجميع، أم سيظل رهينةً
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم