الدكتور علي الصلاحين يكتب: عين العقل .. حين ترى روحك أكثر مما ترى عيناك

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 6731
الدكتور علي الصلاحين يكتب: عين العقل ..  حين ترى روحك أكثر مما ترى عيناك
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

في حياة الإنسان لحظات لا يحتاج فيها إلى عينين تنظران إلى الخارج بقدر حاجته إلى بصيرة تنظر إلى الداخل. فكم من شخص يرى الناس والأشياء بوضوح، لكنه عاجز عن رؤية نفسه، لا يعرف ماذا يريد، ولا لماذا يتعب، ولا إلى أين يمضي. ومن هنا جاءت فكرة “عين العقل” أو ما يسميه البعض “العين الثالثة”، ليس بمعنى الغيب أو الخوارق، بل بمعنى الوعي العميق الذي يوقظ الإنسان من داخله، فيجعله أكثر فهمًا لنفسه، وأكثر إدراكًا للحياة من حوله.
فالإنسان لا يولد حكيمًا، بل ينضج بالتجربة والتأمل ومراجعة النفس. وفي مراحل كثيرة من العمر قد يضيع بين أصوات الناس، فيعيش كما يريد الآخرون لا كما يريد هو. يلبس ما يعجبهم، ويتخذ قراراته خوفًا من كلامهم، ويجامل على حساب راحته، حتى يصل أحيانًا إلى مرحلة يشعر فيها أنه غريب عن نفسه. وهنا تبدأ الحاجة الحقيقية إلى “عين العقل”، تلك التي تعيد الإنسان إلى ذاته، وتجعله يسأل نفسه بصدق: ماذا أريد فعلًا؟ وما الطريق الذي يشبهني؟ وما الذي يرضي الله ويرضي ضميري قبل أن يرضي الناس؟
في المنظور الديني، لم يكن المقصود بالبصر في القرآن مجرد النظر بالعين، بل النظر بالبصيرة أيضًا. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. فكم من إنسان يمتلك عينين سليمتين لكنه لا يرى الحق، ولا يفهم الحكمة من الأحداث، لأنه يعيش بعقل غافل وقلب مشتت. بينما هناك من يمتلك بصيرة تجعله يقرأ الحياة بعمق، فيعرف الخير من الشر، والصواب من الخطأ، والطريق الذي يقوده إلى الطمأنينة.
وعين العقل لا تعني التعالي على الناس أو الاعتقاد بالكمال، بل تعني الوعي والاتزان. أن يفهم الإنسان نفسه قبل أن يحكم على غيره، وأن يدرك أن كل قرار له ثمن ونتيجة. فالإنسان الواعي لا يندفع خلف كل عاطفة، ولا يصدق كل كلام، ولا يسمح لكل شخص أن يقوده. بل يتأنى، ويفكر، ويوازن بين العقل والقلب، وبين الرغبة والمصلحة، وبين الدنيا والآخرة.
ومن الجانب التربوي، فإن تربية الإنسان على التفكير والتأمل والحوار مع النفس من أعظم أنواع التربية. فالطفل الذي يتعلم منذ صغره أن يسأل ويفهم ويفكر، يكبر وهو قادر على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، أما من تربى فقط على التقليد الأعمى والخوف من الناس، فإنه يبقى مترددًا حتى في أبسط أمور حياته. لذلك فإن بناء “عين العقل” يبدأ من الصدق مع النفس، ومن تعويد الإنسان على مراجعة أفكاره ونواياه، لا أن يعيش مسلوب الإرادة خلف المؤثرات والضغوط.
كما أن الإنسان حين يمتلك هذه البصيرة يصبح أكثر هدوءًا ورحمة. فهو لا ينخدع بالمظاهر بسهولة، ولا يقيس قيمة الناس بأموالهم أو كلماتهم، بل بما يحملونه من أخلاق وصدق وإنسانية. يعرف أن بعض الوجوه تبتسم وفي داخلها تعب، وأن بعض القلوب الصامتة مليئة بالألم، فيتعامل بوعي ورحمة لا بسطحية وقسوة.
إن “عين العقل” ليست شيئًا خارقًا، بل هي نور داخلي يهبه الله لمن صدق مع نفسه، وأحسن التفكير، وتأمل الحياة بعقل وقلب معًا. وهي حالة من النضج تجعل الإنسان يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، متى يقترب ومتى يبتعد، ومتى يتمسك بالأشياء ومتى يتركها بسلام. وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يشعر براحة مختلفة، لأنه لم يعد يعيش لإرضاء الجميع، بل يعيش وفق قناعة متزنة تحفظ كرامته ودينه وراحته النفسية.
فالإنسان الذي يرى بعين العقل لا تضيع خطواته بسهولة، لأنه يسير بنور البصيرة لا بعشوائية الرغبات. وإذا كانت العيون ترى الطريق، فإن البصيرة وحدها تعرف أي الطرق يستحق أن يُسلك.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم