لماذا يجب أن يتولى الفلسطينيون قيادة إعادة إعمار غزة؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 27750
لماذا يجب أن يتولى الفلسطينيون قيادة إعادة إعمار غزة؟

سرايا - لن تنجح إعادة إعمار غزة بخطط مركزية جاهزة، بل بتمكين السكان ومنحهم حقوق الملكية لقيادة البناء بأنفسهم. وتؤكد التجارب العالمية أن المدن تنهض حين يقرر أهلها مصيرها، مما يجعل الإعمار فرصة أيضاً لإحياء الحياة السياسية وتعزيز حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.


يجب أن يمسك أهالي غزة بمقاليدها
تعد إعادة إعمار غزة من أعظم مهام بناء المدن في التاريخ الحديث -وربما في التاريخ كله. هناك ينتشر نحو 60 مليون طن من الركام على مساحة تعادل مدينة أميركية متوسطة الحجم. ووفق تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" خلال تموز (يوليو) 2025، فإن أكثر من 70 في المائة من المباني دُمرت، وهذا مستوى من الدمار يقارن بما شهدته مدينة دريسدن الألمانية بعد قصفها بالقنابل الحارقة خلال الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، تواجه غزة تحديات لم تعرفها دريسدن، من بينها نزاع مستمر ما يزال غير محسوم، وسلطة سياسية مفتتة.


لم تمنع هذه التحديات الحكومات والمنظمات المختلفة من طرح خطط لإعادة إعمار القطاع، في خطوة محقة. ويكاد الوضع الحالي في قطاع غزة يجعله غير مناسب لعيش البشر. لكن من المؤسف أن تشترك مقترحات إعادة الإعمار التي طرحت حتى الآن كلها في عيوب قاتلة واحدة: لقد وضعها مخططون ذوو نزعة مركزية، مسلحون بأفكار نظرية مجردة حول أفضل السبل لتنظيم القطاع، بدلاً من الاستناد إلى ما يريده الفلسطينيون فعلاً وما يحتاجون إليه.


على سبيل المثال، طرح مسؤولون مصريون خطة رئيسية شاملة للقطاع تتسم بالاتساع والجمود في آن، حيث تتضمن إنشاء "قرى سياحية" محددة، ومناطق لـ"الصناعات الحرفية"، وأحياء للسكن عالي الكثافة، كلها موزعة في مناطق منفصلة. ومن غير المرجح أن يكون هذا المخطط الفوقي -الذي يبدو مصمماً مع حد أدنى من المدخلات المحلية- مفيداً لنحو مليوني فلسطيني يعيشون حالياً في غزة أو لسكانها المستقبليين.
وبالمثل، خلال كانون الثاني (يناير) 2026 عرض جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومبعوثه، الخطوط العريضة لخطة تهدف إلى تحويل غزة إلى وجهة سياحية ومكان يمكن للسكان المحليين أن يعيشوا داخله في ازدهار. غير أن اقتراحه، شأنه شأن الخطة المصرية، يبدو نتاج أشخاص ليسوا على تماس مع الواقع ولا يواجهون ظروف القطاع الفعلية. وأفضل نسبياً من الخطتين السابقتين كانت "خطة الفينيق" التي طرحتها مجموعة تصف نفسها بأنها "ائتلاف طوعي متعدد التخصصات" من الخبراء الفلسطينيين. وركزت هذه الخطة بصورة أكبر على حقوق الملكية الفلسطينية والهوية المحلية والعمل المجتمعي. لكن الخطة تتضمن تنظيماً ثقيلاً، مع تركيز قوي على تحديد استخدامات الأراضي مسبقاً. وفضلاً عن ذلك، تظهر الخطة تأثراً ملحوظاً بتفاصيل تخص الخطط الأوروبية الرائجة -مثل المسارات المخصصة للدراجات الهوائية وأنظمة السكك الحديدية- التي لا تتناسب إلى حد كبير مع واقع قطاع غزة.
بدلاً من الخطط الكبرى، ما تحتاج إليه غزة فعلياً هو تمكين مالكي الأراضي الفلسطينيين -إلى جانب تنظيمهم بأقل قدر ممكن. بدلاً من مصادرة الأراضي وتحديد كيفية استخدامها، ينبغي على السلطة الحاكمة الجديدة في القطاع أن تضمن عودة الأراضي إلى أصحابها النازحين (حتى لو كانت مبانيها مدمرة)، وأن تحميهم من الاستغلال، ثم تفسح المجال لهم لكي يقرروا ما يريدون. يجب أن يكون للفلسطينيين الحق في الاحتفاظ بأراضيهم وإعادة بنائها أو بيعها إلى مطورين عقاريين، أو دمجها مع أراضي جيرانهم لتكوين قطع أكبر يستخدمونها كما يشاؤون. وينبغي أن يقتصر دور الجهات الخارجية والسلطات المركزية أساساً على تقديم الدعم التقني والمالي.
وهناك استثناءات بطبيعة الحال. ستحتاج السلطة المركزية الجديدة في غزة -أياً كانت- إلى بناء البنية التحتية العامة. وينبغي أن تقوم بإنشاء منطقة اقتصادية خاصة لجذب الاستثمارات الأجنبية من خلال ضرائب مخفضة، وتنظيم محدود، ومستوى عالٍ من الأمن. وستتطلب هذه المهام استملاك بعض الأراضي الخاصة تحقيقاً للمصلحة العامة، ولكن يجب تعويض أصحابها تعويضاً عادلاً، ويجب أن يظل نزع الملكيات في حدوده الدنيا. وبصورة عامة، يظل سكان غزة -وليس الحكومات الخارجية- هم الطرف الأقدر على معرفة كيفية تحويل غزة إلى مكان أكثر ملاءمة للعيش. وبعبارة أخرى، لكي يعاد إعمار غزة بما يلبي حاجات سكانها، يجب أن يُعاد إعمارها بأيديهم هم.
دروس من التاريخ
في نهاية العام 1945، كانت طوكيو مدمرة. كانت قوات الحلفاء قد قصفتها بالقنابل الحارقة خلال العامين الأخيرين من الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى تدمير أكثر من 250 ألف مبنى -أي نحو ربع العدد الإجمالي لمباني المدينة. وأصبح نحو مليون شخص بلا مأوى. ولم تواجه الحكومة اليابانية الجديدة مهمة أكثر إلحاحاً من التخطيط لإعادة بناء العاصمة.
في البداية، اختارت نهجاً مركزياً. وضع المسؤول عن التخطيط في بلدية مدينة طوكيو، إيشيكاوا هيدياكي، ما وصفته المؤرخة كارولا هاين بأنه "خطة لبناء مدن أحادية الوظيفة تضم كل منها ما بين 200 ألف و300 ألف نسمة، وتفصل بينها أحزمة خضراء (في فكرة موروثة من التخطيط للدفاع الجوي أثناء الحرب)، وتنظمها شبكة طرق دائرية وشعاعية". وهدفت خطة هيدياكي إلى إحلال وحدات مخطط لها أصغر وأكثر قابلية للإدارة والخدمة محل المدينة الضخمة المترامية. ومن خلال ذلك، افترض أن للمدينة حجماً أمثل دائماً، وأن السكان لا ينبغي لهم إعادة تشكيلها -محاولاً أن يفعل ما يفعله المعماري عند تصميم مبنى معقد.
لكن مبادرته سرعان ما واجهت مشكلات في التمويل ومعارضة شعبية، مما أجبر الدولة على التراجع عنها. وأدى ذلك، بشكل غير مقصود، إلى تحويل إعادة الإعمار إلى مبادرة شعبية. وأشرفت الحكومة على بعض تحسينات البنية التحتية، لكنها تركت لمالكي الأراضي الأفراد والقطاع الخاص حرية إعادة البناء كما يشاؤون. وباستخدام مزيج من التمويل الذاتي، ولاحقاً الدعم الحكومي (في شكل قروض عقارية ذات استحقاقات بعيدة الأجل ومعدلات فائدة ثابتة)، أعاد بعض السكان والشركات بناء ما فقدوه، بينما استغل آخرون الدمار لبناء شيء جديد. وعلى سبيل المثال، استفاد عدد من السكان من نظام إعادة تنظيم الأراضي -وهو إجراء يعيد من خلاله المالكون تحديد حدود ممتلكاتهم لدمج القطع أو لتحقيق توازن أفضل بين المساحات المخصصة للشوارع وتلك المخصصة للملكية الخاصة. وكان الهدف من هذا النظام دمج القطع غير المنتظمة في أشكال أكثر قابلية للبناء، وجعل الوصول إليها أكثر سهولة. واستخدم اليابانيون هذه القطع المعاد تشكيلها لبناء متاجر ومطاعم ومبانٍ شاهقة، أو باعوها إلى مطورين قاموا بذلك.
هذه العملية أثبتت فاعلية لافتة، إذ تولى السكان المحليون قيادة إعادة الإعمار، وعكست المساحات الجديدة في طوكيو رغباتهم ومعرفتهم وليس رؤية مسؤولين بيروقراطيين بعيدين عن الواقع. وازدهرت أحياء طوكيو وتطورت مع تغير حاجات المدينة: تحول حي شينجوكو، على سبيل المثال، إلى مركز ثقافي خلال ستينيات القرن الماضي، ثم إلى قلب حضري حديث يضم أكثر محطات السكك الحديد ازدحاماً في العالم. وعادت طوكيو لتصبح القلب الاقتصادي لليابان، بل أصبحت من أكثر المدن إنتاجية وجاذبية في العالم.
من غير المرجح أن تسلك غزة المسار المذهل هذا ذاته. فعلى خلاف اليابان بعد الحرب، ما يزال القطاع مسرحاً للعمليات العسكرية. كما نزحت نسبة أكبر من سكانه مقارنة بما حصل في طوكيو، وما تزال إدارته مجزأة بشدة، مع مناطق خاضعة لسيطرة "حماس" وأخرى تسيطر عليها إسرائيل. وعلاوة على ذلك، يقدر أن نحو 30 في المائة من الأراضي الخاصة في غزة غير مسجلة، مما يجعل من الصعب على السلطات تحديد الملكية القانونية. ومع ذلك، تظل غزة قادرة على الاستفادة كثيراً من تجربة طوكيو. وينبغي لقادتها أن يجعلوا تحديد حقوق الملكية واحترامها أولوية قصوى، ثم اعتماد نظام لإعادة تنظيم الأراضي على غرار ما شهدته طوكيو لكي يتمكن الفلسطينيون من دمج ممتلكاتهم مثلما فعل اليابانيون. ويجب أن تترافق مع هذا قواعد تمنع إساءة الاستخدام، بما في ذلك قوانين تشترط موافقة غالبية كبيرة من المالكين على أي عملية بيع أو إعادة تطوير. كما سيحتاج القطاع إلى خبراء في إعادة تنظيم الأراضي يشرفون على العملية ويساعدون المالكين في فهم اتجاهات الأسواق. وهذه مشكلات قابلة للحل. يمكن للسلطات، على سبيل المثال، توظيف خبراء من مناطق يطبق فيها هذا النظام على نطاق واسع، مثل ولاية غوجارات الهندية. ويمكن لهؤلاء الخبراء أن يكونوا موظفين حكوميين أو مهنيين مرخصين يعملون في القطاع الخاص، على أن تمولهم جهات دولية، وأن يعملوا على تدريب كوادر محلية لكي تحل محلهم لاحقاً.
بطبيعة الحال، ستحتاج غزة إلى سلطة حاكمة فاعلة لإنجاح عملية إعادة الإعمار. وقد يكون إنشاء هذه السلطة أكبر عائق أمام التقدم. ومع ذلك، إذا جرى تنفيذ كامل لخطة السلام ذات النقاط العشرين التي طرحها ترمب، وأقرها مجلس الأمن الدولي خلال تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، قد تكون الخطة كافية لتمكين إعادة إعمار بقيادة شعبية. بموجب هذه الخطة، ستتولى إدارة القطاع "لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية"، تخضع لإشراف "مجلس سلام" يضم سياسيين من بلدان مختلفة. وفي مستطاع هذا المجلس أن يؤدي دوراً مهماً في إعادة الإعمار من خلال تأمين الموارد المالية التي قدرت الأمم المتحدة قيمتها بنحو 70 مليار دولار. وسوف تتولى اللجنة التكنوقراطية الجزء الأكبر من العمل: الفصل في النزاعات حول الملكيات، ومساعدة الجهات الخاصة في تمويل مشاريع البناء وإدارتها، وفي بعض الحالات الإشراف على مشاريع البناء الخاصة.
استثناءات ضرورية
ينبغي أن تكون إعادة إعمار غزة في معظمها بأيدي الناس العاديين، ويفضل أن تحظى بدعم مالي وافر من الجهات المانحة الخارجية. لكن المسؤولين الحكوميين سيحتاجون إلى أداء دور أكثر فاعلية في بعض المجالات. على سبيل المثال، ستتطلب عملية إزالة جبال الركام التي تغطي غزة حالياً إدارة مركزية. ولن تقتصر مهمة الإدارة على نقل الأنقاض فحسب، بل ستشمل أيضاً إيجاد سبل لإعادة استخدامها. ويمكن، على سبيل المثال، استخدام بعض هذا الركام في إنشاء طرق ومنشآت صناعية، أو في بناء حواجز بحرية مخصصة لحماية شواطئ غزة.
ستحتاج السلطات في غزة أيضاً إلى تولي زمام المبادرة في تطوير عدد من المرافق العامة، بما في ذلك الطرق الرئيسة والمستشفيات والموانئ والمطارات. وسيتطلب ذلك اللجوء إلى نزع ملكيات لمصلحة المنفعة العامة، وسيكون من مهام الهيئة الفلسطينية الحاكمة الجديدة تحديد كيفية استخدام هذه الصلاحية بأقل قدر ممكن من التدخل. ويمكن أن يساعد التقييم المستقل لقيمة الأراضي في ضمان تعويض من يفقدون أراضيهم تعويضاً عادلاً.
لكن المسؤولين الفلسطينيين قد يحتاجون إلى الابتعاد عن التخطيط الشعبي في مبادرة أخرى أقل وضوحاً: إنشاء منطقة اقتصادية خاصة، وهي منطقة تكون فيها الضرائب المفروضة على الشركات أقل ومستوى الأمن أعلى والأنظمة أقل صرامة مقارنة ببقية الإقليم. وتكون هذه المناطق في الغالب مثار جدل بين خبراء التنمية لأنها قد تؤدي إلى توجيه الشركات والموارد بصورة مصطنعة نحو جزء معين من المدينة على حساب أجزاء أخرى. ومع ذلك، يبدو وجود منطقة كهذه في غزة منطقياً. لكي يتحقق للقطاع مستقبل اقتصادي حقيقي، سيحتاج إلى استثمارات أجنبية كبيرة في الشركات والمصانع، وتعد المنطقة الاقتصادية الخاصة الوسيلة الفضلى -وربما الوسيلة الوحيدة- لتحقيق ذلك. ومن غير المرجح أن يخاطر المستثمرون الأجانب بضخ أموالهم في غزة إذا كانوا يخشون تعرض أصولهم لهجمات من جماعات مسلحة أو تدميرها خلال عمليات عسكرية. لكن حكومة غزة قد تتمكن من ضمان أن تتمتع قطعة صغيرة من الأرض، ربما تقع في أقصى جنوب القطاع، بأمان كافٍ للاستثمار.
سيتعين على المسؤولين الفلسطينيين اعتماد نزع الملكيات لإنشاء هذه المنطقة، لكن مساحتها ينبغي تقليصها إلى الحد الأدنى. ويجب عليهم تجنب محاولة إنشاء أحياء أخرى محددة الوظائف. وعلى سبيل المثال، لا ينبغي لهم السعي إلى إقامة مناطق مخصصة للتسوق والمطاعم أو الترفيه أو السكن. بعبارة أخرى، لا ينبغي أن يفعلوا ما فعلته الحكومة اللبنانية عند إعادة إعمار بيروت في أعقاب الحرب الأهلية. هناك، بدلاً من ترك زمام المبادرة لسكان المدينة، أنشأ لبنان شركة مساهمة تدعى "سوليدير"، وأوكل إليها إدارة العملية. وقد استولت الشركة على ممتلكات أكثر من 120 ألف شخص -أي نحو 10 في المائة من سكان بيروت- وسعت إلى تحويل أجزاء واسعة من المدينة إلى حاضرة فاخرة مخطط لها مسبقاً (وبدلاً من تعويضهم نقداً، منحتهم أسهماً فيها). وقد نجحت "سوليدير" بالفعل في بناء مبانٍ سكنية أنيقة ومتاجر راقية ومطاعم فاخرة، لكن هذه الجهود أفادت السياح أكثر مما أفادت سكان بيروت، واتُّهمت الشركة، وفق تقرير صادر عن المركز الدولي لدراسة التطرف، بأنها "فاقمت الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية" وأنشأت "ملعباً" لـ"أصحاب الثروات الكبيرة".
على النقيض من ذلك، عندما أعيد إعمار منطقة كوتش في الهند بعد زلزال العام 2001، تولى قيادة العملية المجتمع المحلي إلى حد كبير، مع توجيه المساعدات المالية أساساً إلى بناء بنية تحتية جديدة، مثل تعبيد الطرق وإعادة بناء شبكات المياه والصرف الصحي والمدارس الابتدائية. وكان بإمكان الأسر الاختيار بين الانتقال إلى مواقع جديدة أو إعادة بناء ما تهدم في أماكنه. وجرى تطوير نظام لتجميع الأراضي تدريجياً على مستوى الأحياء، وربطت بين هذه الأحياء شبكة طرق رئيسة مخطط لها مركزياً، مما أتاح لكل منطقة الوصول إلى سوق للعمل شاملة للمنطقة. وبحلول العام 2003، كان قد تم إصلاح نحو 900 ألف منزل وأعيد بناء نحو 110 آلاف منزل بالكامل.
إعادة البناء بصورة أفضل
ليس الطريق إلى إعادة إعمار غزة سهلاً، وسيتطلب ما هو أكثر بكثير من مجرد تخطيط حضري جيد. ومع ذلك، تمكنت أماكن دمرتها الحروب من النهوض مجدداً في الماضي بفضل سياسات تنموية ذكية. وتظهر تجاربها أنه عندما يُمكَّن السكان المحليون وتفسح السلطات المركزية لهم المجال، فإن المدن لا تكتفي باستعادة ما فقدته فحسب، بل تستطيع أن تعيد البناء على نحو أفضل مما كانت عليه من قبل.
قد يحدث الشيء نفسه في قطاع غزة. بل إن عملية إعادة إعمار تنطلق من القاعدة الشعبية قد تساعد في معالجة بعض المسائل السياسية الأعمق في القطاع. على مدى الأعوام العشرين الماضية، لم يواجه الفلسطينيون الاحتلال الإسرائيلي وحده، بل أيضاً قيادة تزداد ابتعاداً من الديمقراطية. ولم تتح للفلسطينيين، سواء في غزة أو في الضفة الغربية، فرصة لانتخاب حكومتهم منذ عقدين من الزمن. وحين يتعلق الأمر بحق تقرير المصير الفلسطيني، لا يقل التغلب على هذا الواقع الداخلي أهمية عن إنهاء الاحتلال، وسيكون منح سكان غزة السيطرة على مساحتهم الخاصة خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح.
قال المنظر السياسي ألكسيس دو توكفيل قبل زمن بعيد إن المواطنين الذين يمتلكون حقوق ملكية يبدأون سريعاً بالمطالبة بحقوق أخرى والدفاع عنها. ذلك أن المساحة التي لا تستطيع الدولة مصادرتها بسهولة تصبح مساحة يمكن للمواطنين أن ينظموا أنفسهم فيها. وكثيراً ما اعتمدت حركات احتجاج ناجحة حول العالم على الملكية الخاصة لاكتساب قوتها. أثناء نضال كوريا الجنوبية من أجل الديمقراطية، على سبيل المثال، تمكن المنظمون من تنظيم اعتصامهم الشهير في العام 1980 في كاتدرائية ميونغدونغ بسيول، لأنه حتى الحكومة الاستبدادية ترددت آنذاك في انتهاك ملكية تعود إلى الكنيسة الكاثوليكية. وهكذا، قد يبدأ الطريق نحو غزة أكثر حرية وازدهاراً بمنح سكانها الحق في الأرض التي سيُبنى عليها مستقبلهم.

*آلان بيرتو: زميل بارز في معهد مارون للإدارة الحضرية بجامعة نيويورك، وباحث زائر متميز في مركز ميركاتوس بجامعة جورج ماسون، ومؤلف كتاب "نظام بلا تصميم: كيف تشكل الأسواق المدن". إدوارد غلايسر: أستاذ كرسي فريد وإليانور غليمب في الاقتصاد بجامعة هارفرد. طارق مسعود: أستاذ كرسي مؤسسة فورد في الديمقراطية والحوكمة في كلية جون أف كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفرد.
*المقال مترجم عن "فورين أفيرز، حيث نُشر في 23 نيسان (أبريل) 2026.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم