حرية سقفها السماء

وكالة سرايا الإخبارية

إبحــث في ســــرايا
الجمعة ,27 فبراير, 2026 م
طباعة
  • المشاهدات: 4500

جهاد مساعدة يكتب: الفضاء الرقمي بين النقد المشروع وتشويه مؤسسات الدولة

جهاد مساعدة يكتب: الفضاء الرقمي بين النقد المشروع وتشويه مؤسسات الدولة

جهاد مساعدة يكتب: الفضاء الرقمي بين النقد المشروع وتشويه مؤسسات الدولة

26-02-2026 12:19 PM

تعديل حجم الخط:

بقلم : جهاد مساعدة
في الدول التي ترسّخ دولة القانون، يبقى النقد حقًا أصيلًا، بل ضرورةً لا غنى عنها للإصلاح. فالمؤسسات الوطنية ليست فوق المساءلة، لكنها في الوقت ذاته ليست هدفًا مشروعًا لحملات تشويه عابرة للحدود.
في الآونة الأخيرة، تصاعد نشاط مواقع وحسابات تُدار من خارج البلاد، تُكرّس خطابًا متكررًا يستهدف الدولة ومؤسساتها وشخصيات وطنية، ومنها وزارة الشباب، واللجنة الأولمبية الأردنية، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي، والجامعات الأردنية.
اللافت ليس وجود النقد، بل نمطه وتزامنه ولغته المتشابهة؛ بما يوحي - على أقل تقدير - بوجود تنسيق يتجاوز حدود الاجتهاد الفردي، ويقترب من عمل منهجي منظّم يُموِّل تلك المنصات بقصد تشويه صورة الوطن ومؤسساته.
هنا يبرز سؤال التمويل بوصفه سؤالًا تحليليًا مشروعًا:
كيف تظهر منصات حديثة بإمكانات تقنية وإعلانية مرتفعة الكلفة تُدار من خارج الوطن، بينما تعجز مواقع وطنية تُدار من داخله عن تغطية مصاريفها الأساسية؟
ومن أين تتدفق الموارد المالية اللازمة لإدامة حملات تشويه مستمرة تتطلب إدارة محتوى احترافية، وتسويقًا رقميًا منظمًا، وتصميمًا تقنيًا متقدمًا؟
قراءة المشهد في ضوء تجارب دولية مشابهة تبيّن أن مثل هذه الحملات قد تقف خلفها أطراف تسعى إلى تصفية حسابات شخصية أو سياسية، أو شبكات تستثمر في "اقتصاد الإثارة" لتعظيم التمويل عبر التفاعل والانتشار، أو جهات خارجية ترى في إضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية مدخلًا لإرباك الداخل. وقد يكون الأمر مزيجًا من مصالح مالية واعتبارات سياسية.
الغاية في جميع الأحوال لا تبدو بحثًا عن الحقيقة بقدر ما تبدو سعيًا إلى ترسيخ صورة ذهنية سلبية متراكمة، تُوحي بأن المؤسسات الوطنية عاجزة، وأن الإدارة فاسدة، وأن الدولة مختلّة. فالتشويه لا يحتاج إلى دليل شامل؛ يكفيه تكرار الشبهة حتى تتحول إلى انطباع عام.
غير أن معيار دولة القانون يظل واضحًا وحاسمًا: فإذا وُجدت تجاوزات موثقة بالأدلة والوثائق، فإن الطريق السليم هو تقديمها إلى الجهات الرقابية والقضائية المختصة، لا نشرها عبر حسابات مشبوهة أو منصات تستخدم أسماء غير حقيقية خلافًا لما هو مسجّل في القيد المدني، بقصد الضغط أو التشهير.
فالدولة لا تُدار عبر "محاكم رقمية"، بل عبر مؤسسات تحقيق وقضاء تملك الصلاحية والخبرة.
ومن يختار طريق الإثارة بدل الاحتكام إلى القانون، يضع نفسه خارج دائرة الإصلاح الجاد، وداخل نطاق الشبهات المرتبطة بإمكان التواصل أو التلاقي مع أطراف خارجية تسعى إلى إضعاف النسيج الوطني والمؤسسي.
المعركة هنا ليست بين "سلطة” و"رأي"، بل بين نموذج يوظّف الفضاء الرقمي كساحة ضغط مفتوحة بلا ضوابط، ونموذج وطني يحتكم إلى الأطر القانونية والمؤسسية.

والمتابع لتلك المواقع يجد أن من يدير بعضها أفراد متورطون في قضايا منظورة أمام القضاء، يعجزون عن تبرئة أنفسهم، فيلجؤون إلى منابر خارجية لتصفية حساباتهم؛ وهنا تتجاوز المسألة حدود الرأي إلى ما هو أبعد من ذلك. وفي عالم تتداخل فيه الحرب السيبرانية مع الحملات الإعلامية، لا يمكن إغفال حقيقة أن جهات متخصصة في إدارة العمليات الرقمية - بما في ذلك وحدات استخبارية معروفة مثل وحدة 8200 الصهيونية - تنشط في فضاء التأثير المعلوماتي على المستوى الدولي.
وإثارة هذا الاحتمال تعني الإقرار بأن الساحة الرقمية لم تعد فضاءً محايدًا، وأن استهداف الثقة بالمؤسسات قد يندرج ضمن أدوات ضغط أوسع في سياقات إقليمية ودولية معقّدة.
إن تشويه صورة وطن بأكمله لا يخدم قضية إصلاح، بل يخلق مناخًا من الشك العام يُضعف الاستثمار، ويُربك الرأي العام، ويستنزف طاقة المؤسسات في الرد بدل الإنجاز. ومن هنا، فإن التعامل مع القائمين على هذه المنصات يجب أن يتم في إطار القانون، وبشفافية تضع أمام المجتمع الحقائق المرتبطة بملفاتهم والقضايا المنظورة بحقهم، مع حفظ ضمانات العدالة.
إن الثقة العامة هي الرصيد الأثمن لأي دولة؛ فهي لا تُحمى بالإنكار، ولا تُقوَّض بالشائعة، بل تُصان بالمعلومة الدقيقة وبالاحتكام إلى القانون.
أما السراب والوهم - مهما بلغ تمويلهما، ومهما اتسع انتشارهما - فإنهما يختبران متانة المؤسسات أكثر مما يُسقطانها؛ فالدول لا تُهزم بعنوان، ولا تنهار بمنشور، بل تضعف فقط حين تهتز ثقتها بقانونها.
وإلى أولئك الذين يديرون المواقع المشبوهة:
إن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون وسيلة ضغط، والفضاء الرقمي ليس ساحة بلا حساب. من يملك دليلًا فليتجه به إلى القضاء، ومن يبتغي الإصلاح فطريقه المؤسسات لا المنابر المجهولة. أما الاتكاء على الإثارة والاحتماء بالأسماء المستعارة، فلن يصنع شرعية، ولن يمنح حصانة.
قد توفّر لكم منصاتكم المموَّلة نعيقًا مؤقتًا، لكنها لن تورثكم سوى سقوطٍ أخلاقي...











طباعة
  • المشاهدات: 4500
 
1 -
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
26-02-2026 12:19 PM

سرايا

لا يوجد تعليقات
الاسم : *
البريد الالكتروني :
التعليق : *
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :
برأيك، هل تطيح فضائح إبستين بقادة غربيين؟
تصويت النتيجة

الأكثر مشاهدة خلال اليوم

إقرأ أيـضـاَ

أخبار فنية

رياضـة

منوعات من العالم