29-11-2025 09:35 PM
بقلم :
م. محمد يونس صبيح الخوالدة- عضو بلدية المفرق الكبرى – ممثل قطاع الشباب
تعيش البلديات الأردنية اليوم في بيئة مليئة بالتحديات؛ توسع عمراني سريع، وضغط متزايد على الخدمات، وتوقّعات أعلى من المواطنين، في مقابل موارد محدودة تحتاج إلى إدارة واعية ومسؤولة. في هذا الواقع لم يعد من المقبول الاعتماد على الأساليب التقليدية في الإدارة والتخطيط والمتابعة، بل أصبحت الحاجة واضحة إلى نموذج جديد يقوم على إدارة هندسية حقيقية، مدعومة بأدوات ذكاء اصطناعي حديثة كمسار عملي لرفع الكفاءة، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الرقابة على المشاريع والممتلكات البلدية.
الإدارة الهندسية هنا ليست لقبًا وظيفيًا، بل طريقة عمل تعتمد على التخطيط المسبق بدل ردّات الفعل، وعلى إدارة الموارد والمشاريع وفق بيانات ومعايير واضحة، وعلى ضبط الجودة والمتابعة المستمرة لما يُنفَّذ على أرض الواقع. ومن خلال هذا النهج يمكن للبلديات أن تتحول إلى مراكز قيادة حقيقية، تتكامل فيها المعلومات حول المشاريع القائمة والمستقبلية، وحالة البنية التحتية واحتياجاتها للصيانة، والخدمات اليومية مثل النظافة والطرق والإنارة، إضافة إلى ممتلكات البلدية من أراضٍ ومبانٍ وآليات ومرافق عامة، ويصبح دور الإدارة الهندسية رسم المسار وإدارة المشهد؛ من وضع السياسات واختيار الأدوات إلى متابعة التنفيذ وتصحيح المسار عند الحاجة.
استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لا يعني استبدال الإنسان، بل تزويد الإدارة والكوادر بقدرات إضافية تساعدهم على فهم الواقع بشكل أدق؛ فهذه الأدوات تتيح التعامل مع كميات كبيرة من المعلومات بسرعة، وتساعد في توقّع المشكلات قبل وقوعها، ودعم اتخاذ القرار بناءً على حقائق وأرقام لا على الانطباعات. وعند ربطها بوسائل جمع بيانات ميدانية مثل التصوير الجوي باستخدام الدرون والقياسات الميدانية، تتحول المتابعة من تقارير مكتبية إلى صورة مطابقة للواقع، سواء في مراقبة تقدّم المشاريع، أو متابعة واقع النظافة، أو رصد التعديات على الممتلكات البلدية.
ولا ننسى دور المستشعِرات في متابعة الخدمات والممتلكات التي تحتاج إلى صيانة، أو حتى استخدامها في الزراعة الذكية للمساحات الخضراء التي تتبع للبلديات.
بهذا الربط بين الإدارة الهندسية والعمل الرقمي وأدوات الذكاء الاصطناعي والدرون والمستشعرات بشكل منظّم، يصبح الطريق مفتوحًا أمام بلديات أكثر كفاءة، من خلال تنظيم البيانات أولًا، ثم استخدامها في التخطيط والمتابعة وإدارة الممتلكات والمرافق بطريقة تُسهِم في تحسين استثمار الموارد وحماية الحقوق العامة.
ومع ذلك تبقى كل هذه الوسائل بلا قيمة إذا لم تُدار بعقلية صحيحة؛ فالمهندس يتحول من مجرد متابع ميداني إلى مدير لمنظومة بيانات ومشاريع، والإداري من موقّع أوراق إلى صانع قرار يعتمد على معلومات دقيقة، والبلدية من جهة تكتفي بردّ الفعل إلى مؤسسة مبادرة تستبق المشكلات قبل وقوعها. وبهذه الصورة يمكن ملاحظة أثر واضح في رفع كفاءة الإنفاق، وتقليل الهدر والأخطاء، وزيادة الشفافية، وتسريع الاستجابة لشكاوى المواطنين، وبناء ثقة أعلى بين المجتمع والبلدية.
في النهاية، فإن الإدارة الهندسية المنظَّمة والاستفادة من التقنيات الحديثة ليست مجرد وسائل لتحسين الخدمات اليومية، بل هي منهج لصناعة مسار جديد للبلديات الأردنية؛ مسار يربط بين العلم الهندسي والعمل الإداري والرقمي، ضمن رؤية قيادية تؤمن بأن البلديات قادرة على أن تكون نموذجًا في الكفاءة والشفافية، وأن تترك أثرًا حقيقيًا في حياة المجتمع
م. محمد يونس صبيح الخوالدة
عضو بلدية المفرق الكبرى – ممثل قطاع الشباب
مهندس مدني
| 1 - |
ترحب "سرايا" بتعليقاتكم الإيجابية في هذه الزاوية ، ونتمنى أن تبتعد تعليقاتكم الكريمة عن الشخصنة لتحقيق الهدف منها وهو التفاعل الهادف مع ما يتم نشره في زاويتكم هذه.
|
29-11-2025 09:35 PM
سرايا |
| لا يوجد تعليقات | ||