ثمة تحولات عميقة ضربت المجتمع العربي، خلال العقود الماضية، وأسهمت في تراجع القيم والمبادئ العظيمة التي سَادت المجتمعات العربية وذلك لصالح ظهور نزعات وقِيم غريبة جداً عن المجتمع، وساهمت ثورة المعلوماتية الكبيرة، وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشارها في بروز وتعظيم و«الكشف» عن هذه النزعات التي تتمثل في خطاب الكراهية وإقصاء الآخر وبروز الهويات الفرعية القاتلة.
ثمة جيل عربي كبير، نحن ومن سبقنا، لم يعرف ولم يكن يُميز أو يهتم لديانة الآخر أو طائفته أو أثنيته أو مذهبه، وكان التقييم على الدوام هو لفكر الآخر وحتى الانتخاب كان يتم على أسس فكرية وسياسية بعيداً عن العصبويات الدينية أو المناطقية أو المذهبية.
لم يكن العربي يهتم بالبحث عن ديانة شهداء حركات التحرر العربي من الجزائر وحتى العراق أو طائفتهم أو مذهبهم شأو انحيازاتهم الضيقة. ولم يكن المجتمع العربي مشغولاً–كما هو اليوم- في تحديد الهويات الدينية والأثنية والطائفية والفرعية لكبار الشعراء والمثقفين والأدباء والفنانين والمطربين بل كان انحيازه دوماً للثقافة والفن الراقي بغض النظر عن هوية المبدع.
لقد ساهم الاستعمار الأوروبي، وخاصة الانجليزي والفرنسي في زرع بذور التفرقة بين أطياف الأمة العربية ومكوناتها المتعايشة معاً، سواء عبر الحدود التي تم تقسيمها بهذا الشكل، أو عبر سياسة «فرق تسُد»، وفي وقت لاحق، أدى بروز وهيمنة الإمبريالية الكولونيالية الأميركية والحروب التي قادتها أو ساهمت بها إلى تعزيز الشعور الدائم بـ «المظلومية» و"الاضطهاد» لدى الاثنيات والطوائف والمذاهب والهويات الفرعية وآخرها الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003.
وثمة سبب آخر هو المد الديني المتطرف الذي أذكته ثورة الخميني في إيران العام 1979 وكذلك ظهور الحركات الدينية المتطرفة والمتشددة في بلدان عربية كبيرة ونشوء ظاهرة «التكفير» بدلاً من «التفكير» مع كل الآخرين المخالفين لمبادئ وعقائد هذه التنظيمات الدينية.
في كتابه «الهويات القاتلة» يشرح الكاتب والروائي اللبناني المعروف أمين معلوف طبيعة هذه التحولات خاصة مسألة السيرورة الوطنية للهوية الفردية والهويّات المركبة، وتحولها من «صديق مزيف»، كما يقول، إلى «أداة حرب» وهويات مدمرة للآخر ولا تقبل به.
قبل ذلك بعقود كتب المفكر العربي الفلسطيني الراحل هشام شرابي، المدرس في جامعة جورج تاون كتابه «مقدمات لدراسة المجتمع العربي» بحث فيه عن السلوك الاجتماعي للفرد في المجتمع العربي ودور التربية العائلية والثقافة الاجتماعية في طبيعة هذا السلوك و"قولبة» الفرد على النحو الذي يريده المجتمع ومنها طريقة «التلقين السلطوية» في المدارس العربية.
لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي، بشكل حاد، في بروز هذه الهويات القاتلة «الكامنة» وأطلقتها «من عِقالها»، وتعزيز خطاب الكراهية واقصاء الآخر وعدم التسامح معه لمجرد الاختلاف معه في الدين أو الطائفة أو المذهب أو الهوية الفرعية أو حتى الاختلاف السياسي والفكري والثقافي، فالموالون والمؤيدون لنظام سياسي أو ديني أو فكر معين لا يقبلون المعارضين لهم، والمعارضون، أيضاً، يُكّفرون وينصِبونَ المشانق و"محاكم التفتيش» لمن خالفهم.
إن تغيير القيم الاجتماعية السلبية يحتاج إلى ما هو أبعد من مجرد اعتبارها ظاهرة منفردة وممارسة سياسة الإنكار «denial» إزاها والبحث في الجذور الحقيقية والمخفية لهذه الظاهرة ومعالجتها سياسياً واجتماعياً وفكرياً وثقافياً، حتى لا نصل إلى يوم لا ينفع الندم فيه، عندما تصبح هذه الهويّات القاتلة، وما تحمله من خطاب كراهية واقصاء، هي السائد بدلاً من اندماج الناس في التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الايجابية التي تذهب بهم إلى قِيم الهويّات الوطنية المركزية والتسامح ونبذ الغُلوّ والتطرف وقبول الآخر مهما كانت طب?عته.
رمضان الرواشدة
إقرأ ايضاَ
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
الغبين يكتب: ماذا يقول الأردني لابنه عن الغد؟
منذ 4 ساعات
كُتاب سرايا
القهيوي يكتب: الخوف من التغيير… كيف تخسر الدول مستقبلها بصمت؟
منذ 6 ساعات
كُتاب سرايا
د. دانييلا القرعان تكتب: حين يفشل المدير العام في كسب فريقه… من يقيّم القيادة في مؤسساتنا؟
منذ 6 ساعات
كُتاب سرايا
ماهر البطوش يكتب: حين تفقد المؤسسة الرسمية لغتها
منذ 7 ساعات
كُتاب سرايا
د. علي فواز العدوان يكتب: السردية الأردنية .. حكاية وطن وصناعة هوية
منذ 8 ساعات
أخبار فنية
فن
تامر حسني يخرج عن صمته بعد تصريحات مي عز الدين: «غلاوتك كبيرة عندي»
منذ 12 دقيقة
فن
اسمها ارتبط بحاكم مصرف لبنان .. ستيفاني صليبا تعود بعد غياب 3 سنوات
منذ 1 ساعة
فن
ابن أنجلينا جولي وبراد بيت يطلب رسمياً حذف لقب والده من اسمه
منذ 1 ساعة
فن
المخرج السوري محمد عبد العزيز يكشف تفاصيل خلافه مع كاريس بشار
منذ 2 ساعة
فن
تامر حسني يوجّه رسالة الى مي عز الدين بعد تصريحاتها عنه-صورة
منذ 4 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
النعيمات يدعم نشامى المنتخب: معاكم على الموت
منذ 1 ساعة
رياضة
النشامى يغادرون إلى سان دييغو لخوض المعسكر التدريبي لمونديال 2026
منذ 2 ساعة
رياضة
مونديال 2026: استبعاد المهاجم سردار أزمون عن القائمة النهائية لمنتخب إيران
منذ 2 ساعة
رياضة
دافيد أنشيلوتي مدربا جديداً لنادي ليل الفرنسي
منذ 5 ساعات
رياضة
لم أعد قادرا على المشي .. نجم برشلونة السابق يكشف كواليس اعتزاله المأساوي
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
الليمون الأحمر .. فاكهة نادرة تختفي بعد 72 ساعة فقط
منذ 52 دقيقة
منوعات من العالم
السر يختبئ في الكبد .. كيف يجد الحمام طريقه إلى المنزل؟
منذ 54 دقيقة
منوعات من العالم
قد لا تدرك أنها محظورة .. أغراض يمكن أن تقودك إلى السجن في المونديال
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
كيف يسيطر النرجسي أو المتلاعب على ضحاياه؟
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
لماذا يرى بعض الأشخاص أنفسهم دائماً ضحايا؟
منذ 4 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات