في كل عام، وبعد إعلان نتائج الثانوية العامة، تبدأ رحلة جديدة لا تقل صعوبة عن الامتحان نفسه، وهي رحلة اختيار التخصص الجامعي. واليوم أصبحت هذه المهمة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، حتى غدا الطالب وولي أمره يقفان أمام مفترق طرق لا يعرفان إلى أين يقود.
لقد تغيّر العالم بسرعة مذهلة، وفرض الذكاء الاصطناعي نفسه لاعبًا رئيسيًا في مختلف المهن، وأصبح يعيد تشكيل سوق العمل، ويلغي وظائف، ويخلق أخرى، بينما بقي كثير من الطلبة يختارون تخصصاتهم بعقلية الأمس لا بمعطيات الغد.
وتتوالى الدراسات والتقارير التي تتحدث عن تشبع تخصصات كثيرة، وعن ارتفاع نسب البطالة بين خريجي بعضها، حتى وصل الأمر إلى الحديث عن آلاف الأطباء والمهندسين وغيرهم ممن ينتظرون فرصة عمل. وأصبح الطالب يسمع كل يوم رأيًا مختلفًا، فلا يدري أي طريق يسلك.
وأستذكر هنا تجربتي الشخصية عندما التحقت بالجامعة الأردنية عام 1968. يومها لم تكن في الجامعة سوى ثلاث كليات رئيسية، ومع ذلك كانت إدارات الجامعة وأعضاء هيئة التدريس يستقبلون الطلبة الجدد، ويجلسون معهم، ويناقشونهم في ميولهم وقدراتهم، ويشرحون لهم مستقبل كل تخصص، وما يحتاجه الوطن، وما قد يكون أقل جدوى في سوق العمل. كان التوجيه الأكاديمي آنذاك جزءًا من رسالة الجامعة، لا خدمة ثانوية.
أما اليوم، وقد تضاعف عدد الجامعات والكليات والتخصصات عشرات المرات، وتعقدت أسواق العمل، وأصبح الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة المهن، فإن الحاجة إلى التوجيه أصبحت أكبر بكثير، بينما يشعر كثير من الطلبة بأنهم تُركوا وحدهم يواجهون مصيرهم.
لقد لفت انتباهي مجلس ضم عددًا من أولياء الأمور، ومعهم أساتذة جامعات وخبراء مختصون، وكان الجميع، على اختلاف آرائهم، متفقين على حقيقة واحدة، وهي أن الطالب لا يجوز أن يُترك فريسة للاجتهادات الشخصية أو الشائعات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إن آلاف الأسر الأردنية تستثمر أعمارها ومدخراتها في تعليم أبنائها، ومن حقها أن تجد أمامها خريطة علمية دقيقة، تستند إلى الدراسات والأرقام، لا إلى الانطباعات والتوقعات.
ومن هنا فإنني أدعو وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بالتعاون مع وزارة التخطيط، ووزارة العمل، والقطاع الخاص، إلى إعداد دراسة وطنية شاملة، يشارك فيها كبار الخبراء والمختصين، تُحدّث سنويًا، وتوضح واقع كل تخصص، وفرص العمل المتوقعة له داخل الأردن وخارجه، والتخصصات الواعدة، والمهن التي يتوقع أن تتراجع بفعل التطور التقني والذكاء الاصطناعي.
كما ينبغي أن تبين هذه الدراسة احتياجات الدولة خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة، وأن تتحول إلى مرجع رسمي يوزع على جميع طلبة الثانوية العامة قبل بدء تقديم طلبات القبول الموحد.
إن التخطيط للتعليم ليس قضية جامعات فحسب، بل هو قضية أمن اقتصادي واجتماعي، لأن الخطأ في توجيه آلاف الطلبة يعني تخريج أجيال تحمل الشهادات لكنها تفتقد فرص العمل.
إننا لا نطالب بالمستحيل، وإنما نطالب بأن يحصل أبناؤنا على حقهم في المعرفة قبل أن يختاروا طريق مستقبلهم.
فهل تبادر وزارة التعليم العالي ووزارة التخطيط إلى إزالة الغبار عن هذا الملف الوطني، وتقدمان للأردنيين وثيقة سنوية ترسم بوصلة المستقبل لأبنائنا؟
إن مستقبل الأردن يبدأ من حسن توجيه شبابه، ومن ربط التعليم بحاجات الوطن، حتى لا يبقى طالب الثانوية أسير الحيرة، ولا تضيع سنوات العمر بين اختيار خاطئ وواقع لا يرحم
لقد تغيّر العالم بسرعة مذهلة، وفرض الذكاء الاصطناعي نفسه لاعبًا رئيسيًا في مختلف المهن، وأصبح يعيد تشكيل سوق العمل، ويلغي وظائف، ويخلق أخرى، بينما بقي كثير من الطلبة يختارون تخصصاتهم بعقلية الأمس لا بمعطيات الغد.
وتتوالى الدراسات والتقارير التي تتحدث عن تشبع تخصصات كثيرة، وعن ارتفاع نسب البطالة بين خريجي بعضها، حتى وصل الأمر إلى الحديث عن آلاف الأطباء والمهندسين وغيرهم ممن ينتظرون فرصة عمل. وأصبح الطالب يسمع كل يوم رأيًا مختلفًا، فلا يدري أي طريق يسلك.
وأستذكر هنا تجربتي الشخصية عندما التحقت بالجامعة الأردنية عام 1968. يومها لم تكن في الجامعة سوى ثلاث كليات رئيسية، ومع ذلك كانت إدارات الجامعة وأعضاء هيئة التدريس يستقبلون الطلبة الجدد، ويجلسون معهم، ويناقشونهم في ميولهم وقدراتهم، ويشرحون لهم مستقبل كل تخصص، وما يحتاجه الوطن، وما قد يكون أقل جدوى في سوق العمل. كان التوجيه الأكاديمي آنذاك جزءًا من رسالة الجامعة، لا خدمة ثانوية.
أما اليوم، وقد تضاعف عدد الجامعات والكليات والتخصصات عشرات المرات، وتعقدت أسواق العمل، وأصبح الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة المهن، فإن الحاجة إلى التوجيه أصبحت أكبر بكثير، بينما يشعر كثير من الطلبة بأنهم تُركوا وحدهم يواجهون مصيرهم.
لقد لفت انتباهي مجلس ضم عددًا من أولياء الأمور، ومعهم أساتذة جامعات وخبراء مختصون، وكان الجميع، على اختلاف آرائهم، متفقين على حقيقة واحدة، وهي أن الطالب لا يجوز أن يُترك فريسة للاجتهادات الشخصية أو الشائعات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إن آلاف الأسر الأردنية تستثمر أعمارها ومدخراتها في تعليم أبنائها، ومن حقها أن تجد أمامها خريطة علمية دقيقة، تستند إلى الدراسات والأرقام، لا إلى الانطباعات والتوقعات.
ومن هنا فإنني أدعو وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بالتعاون مع وزارة التخطيط، ووزارة العمل، والقطاع الخاص، إلى إعداد دراسة وطنية شاملة، يشارك فيها كبار الخبراء والمختصين، تُحدّث سنويًا، وتوضح واقع كل تخصص، وفرص العمل المتوقعة له داخل الأردن وخارجه، والتخصصات الواعدة، والمهن التي يتوقع أن تتراجع بفعل التطور التقني والذكاء الاصطناعي.
كما ينبغي أن تبين هذه الدراسة احتياجات الدولة خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة، وأن تتحول إلى مرجع رسمي يوزع على جميع طلبة الثانوية العامة قبل بدء تقديم طلبات القبول الموحد.
إن التخطيط للتعليم ليس قضية جامعات فحسب، بل هو قضية أمن اقتصادي واجتماعي، لأن الخطأ في توجيه آلاف الطلبة يعني تخريج أجيال تحمل الشهادات لكنها تفتقد فرص العمل.
إننا لا نطالب بالمستحيل، وإنما نطالب بأن يحصل أبناؤنا على حقهم في المعرفة قبل أن يختاروا طريق مستقبلهم.
فهل تبادر وزارة التعليم العالي ووزارة التخطيط إلى إزالة الغبار عن هذا الملف الوطني، وتقدمان للأردنيين وثيقة سنوية ترسم بوصلة المستقبل لأبنائنا؟
إن مستقبل الأردن يبدأ من حسن توجيه شبابه، ومن ربط التعليم بحاجات الوطن، حتى لا يبقى طالب الثانوية أسير الحيرة، ولا تضيع سنوات العمر بين اختيار خاطئ وواقع لا يرحم
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات