هي أسئلة وجودية منذ بدايات الشعر: هل يموت الشعر حينما يذاع بين الناس؟ ومن الذي يحكم عليه بالموت طالما أصرَّ قائله على نشره؟ وهل هناك شعر حيٌّ وآخر ميت؟ ولِمَ يصرُّ الشعراء على إذاعة كلام لا حياة فيه ولا جذوة تحت رماده الترابيّ المتراكم فوقه؟ ولِمَ أصرّ شعراء المدرسة الحولية على تجويد شعرهم أياماً عديدة وسنواتٍ طوالاً ؟ أسئلة تنبلج من دوائر الشعر لتفرّقَ ضمنا بين الشعر واللاشعر أو لنقل بين الحياة والموت.
كثير هو الكلام الذي يُنسَب إلى سلالة الشعر افتراءً، وكثيرة هي الكتب التي يُقيَّد على أغلفتها دواوينُ شعر، وإذا ما تصفحتها فلن تجد شعراً بل غثاء بلا زبد وأضغاث بلا خضرة ماء.. كلام منظوم مصفوفٌ لا جمالية فنٍّ فيه ولا حياة .
ليس مرجعُ قولنا عصبيةً مفرِّقةً بين القصيدتين العمودية والتفعيلة، فكلتاهما أصل في الشعر وبهذا يُخْرَجُ ما يسمى «النثر الشعري» من الدائرة المقدسة لأنه لا يلتزم بالإيقاع الشعري خارجياً وداخلياً، وهما ضابطان مهمان في تمييز الشعر عن النثر، وإلّا لسَمَّيْنَا نتاجَ عبدالله بن المقفع والجاحظ وطه حسين شعراً
إن ظاهرة نشر كلام منظوم أو موزون مقفَّى وهو يخلو من الشعرية ظاهرة منتشرة تقضُّ مضاجع النقاد وتضيف إلى همومهم أوجاعاً نقدية ثقيلة، فإذا صمتوا اتُّهِمُوا بعلمهم وعملهم، وأما إذا قالوا آراءَهُم بصرامة نقدية خالصة لا شِيَةَ فيها لذعتْهم أوزارُ المجاملة وكلماتُ الإهداء الموشْاةُ قبل القراءة، ونادرا ما يجد الناقد عملاً يستحقُّ التأملَ والنقد أكان شعراً أم نثراً. وهنا الحديث عن الناقد الموضوعي وليس عن القارئ المُصانع المجامل الذي يعيد نثر الشعر وشرح مضامينه غيرَ مدرك لقيمة اللغة والصورة والموسيقى في توتيره إن كان?عملاً فنياً مستفزاً .
قراءة ديوان أو كتاب لا تصنع شاعراً، بل كثرة قراءة الشعر قديمه وجديده، والتعمق في التأمل النفسي والكوني والرؤية الثاقبة الناشئة عن موهبة غير متصنعة، وطبع سليم في اللغة والذائقة والذاكرة؛ تلك مقومات أساسية لصناعة أسلوب مطبوع راقٍ ممتاز في فن الشعر بحيث لا يعيش الشاعر في جلباب غيره .
إن اللغة الإيحائية غير المعجمية تشكِّلُ أيّ قصيدة إبداعية تكتب حضورها في وجدان كاتبها، مشرَّبة بروحه ورؤيته وأسلوبه من خلال صور متحركة متجددة وإيقاع داخلي مُعَبَّرٍ عنه بجرس الحروف والكلمات وتجاذبها تجاذباً مُمَوْسَقاً وليس تنافراً ركيكاً، وإيقاع خارجي يصاحبه معاً في التفعيلات والقوافي .
إنّ تجديد الشعرية من خلال اللغة والصور والإيقاع والرؤية هو سبيل الشعر المُلْهَم الذي تشرق له القلوب وتتجاذبه الأخيلة مستنفرةً متأملةً، ولعل هذا ما يميز شعر المتنبي، فلو قُرِئَتْ أيّ قصيدةٍ من ديوانه لوجدَ القارئ المتأمل سِرّاً مُعَبَّراً عنه بِمُعْجِزِ المتنبي .
إن سُوقية الألفاظ وتقريريَة الصور وركاكة الإيقاع وتكرار المضامين وغياب الرؤى والمباشرة الخطابية الوعظية لهيَ معاول تتلاقى أسنَّتُهَا لتهدمَ أيّ عمل ينشر بين الناس، ومن ثَمَّ فلا حاجة لحذق ناقد كي يحكمَ عليه بالموت، فقد وُلِدَ ميتاً، وإكرام الميت دفنه كما يقول الناس جميعاً، وإن لم يُدْفَنْ ذلك الشعرُ فإن رائحته النتنة الكريهة كفيلةٌ بحتمية نفور الأنفس عنه أكانت مُحِبَةً مجامِلةً لصاحبه أم قاليةً ساخطة، وحينئذ يكون الديوان مقبرة لشعريةٍ ميتة.
أ.د. خليل الرفوع
أ.د. خليل الرفوع
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
ملفات ساخنة
والد الطفل المعتدى عليه في إربد يكشف تفاصيل جديدة وصادمة عن حادثة الاعتداء - الفيديو
منذ 3 أيام
02
03
الأردن اليوم
الكشف عن تفاصيل مثيرة في عقد يزن النعيمات مع الأهلي الإماراتي .. 100 الف دولار في الموسم
منذ 4 أيام
04
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
صائب عارف يكتب: المواقف الأوروبية… قرارات خجولة في عالم مضطرب
منذ 3 ساعات
كُتاب سرايا
أ.د. مأمون عكروش يكتب: جامعة المغطس الارثوذكسية الدولية: دلالات إستراتيجية
منذ 3 ساعات
كُتاب سرايا
د. دانييلا القرعان تكتب: بين البنزين والبدائل… من يملك القرار؟
منذ 5 ساعات
كُتاب سرايا
د. اسيل هاني كيوان تكتب: جدلية التمييز الإيجابي لذوي الإعاقة بين تحقيق العدالة وتعزيز الوصم المجتمعي
منذ 6 ساعات
كُتاب سرايا
يوسف رجا الرفاعي يكتب: هل تَسحب اوروبا " الصولجان " مِن الامريكان !!
منذ 7 ساعات
أخبار فنية
فن
محمد حماقي يطلق أغنية "قالوا عني إيه"؟
منذ 1 ساعة
فن
فارس الحلو يكشف سبب تراجعه عن الكوميديا
منذ 1 ساعة
فن
الأعلى للإعلام يحجب حسابات كروان مشاكل ويحيله للنيابة العامة
منذ 1 ساعة
فن
"مهرجان الفيلم العربي" يكرّم لبلبة عن مشوارها السينمائي
منذ 4 ساعات
فن
تركي آل الشيخ يعلن التحضير لمفاجأة مع محمد رمضان
منذ 5 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
اللجنة الأولمبية تكرم طاقم التحكيم الأردني المشارك بكأس العالم 2026
منذ 8 دقائق
رياضة
مونديال 2026: السنغال تعلن قائمتها و"تحلم" كثيرا
منذ 32 دقيقة
رياضة
فيفا يعلن نتائج قرعة مونديال تـ 17 سنة 2026 .. تعرف عليها (أسماء)
منذ 56 دقيقة
رياضة
فيفا يفاجئ العالم بمقترح غير مسبوق للمونديال .. ما هو؟
منذ 2 ساعة
رياضة
الأول .. برشلونة يحتفي بانضمام حمزة عبد الكريم لقائمة منتخب مصر للمونديال
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
مرام تشغل السوريين على مواقع التواصل .. طفلة أعادت 12 ألف دولار لصاحبها
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
طبيبة خليجية تتعرض لواقعة صادمة في مصر .. والأمن يتدخل
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
لهذا السبب نشتاق إلى أشخاص تسببوا في إيذائنا
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
جاموس لقبه "دونالد ترمب" .. أشهر أضحية في بنغلادش
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
صدمة الفراق .. ابن يلحق بوالده أثناء دفنه في مصر
منذ 20 ساعة
الرجاء الانتظار ...