لم يكن مأتما لشربل .. كان مهرجانا ثوريا

منذ 17 سنة
المشاهدات : 20146
لم يكن مأتما لشربل  ..  كان مهرجانا ثوريا

        ارجو من الاخوة القراء ، ان لا يملًوا من تكرار حديثي عن نفس الموضوع السابق ، عن الفقيد الذي كان طوال حياته مشروع شهيد ، عن المرحوم مشعل الخيطان الهلسة ، واسمه الحركي شربل ، هذا المقاتل الثوري الاردني الشرس ، من اجل فلسطين والامة العربية ، الذي وافته المنية الاسبوع الماضي بمرض السرطان ، وكنت اتصوره تمنى ذلك شهيدا .

 

     لقد كتبت في مقال سابق ، بعضا من المعلومات التي لم اكن متأكدا منها ، عبرت فيه عن استغرابي واعجابي ، بهذا الانتماء العائلي او شبه العائلي ، لهذه الاسرة الاردنية ، والذي لم يضعف منذ حوالي اربعين عاما ، لقد   توسع وتعمق ، ليشمل افراد الاسرة كلها ، ذكورا واناثا ، ويضم اليهم الابناء ، هذا الانتماء الذي ابتدأ محدودا قبل حوالي اربعين عاما ، واقتصر على انتماء الاخوة الكبار فقط ، الى   الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، كمقاتلين اشدُاء ، وتوسع ليشمل انتماء الجميع ، الى حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الاردني لاحقا ، الذي خرج الى الوجود بعد عودة الديمقراطية الى الاردن عام 1989 ، تلك الديمقراطية التي ساهمت في التئام شمل الاخوة ، على ارض وطنهم الغالي الاردن .

 

     بالامس شاركت في اختتام فترة العزاء ، بعد اقامة قداس جنائزي ، في بلدة حمود في محافظة الكرك ، في كنيسة صغيرة قديمة ، تقع في مدخل البلدة ، التي شهدت اكبر نسبة من الهجرة منها ، وسورها المتهالك عنوان لفقر من تبقى من اهلها ، ورغم انها احدى قرى محافظتي ، ومجاورة لبلدتي ، الا انها المرة الاولى التي ازورها من سنين طويلة ، فكانت معالم البلدة الثابتة منذ عقود ، واجواء هذه المناسبة ، قد اعادتني اربعين عاما الى الوراء ، لاعيش تلك المرحلة بكل تفاصيلها ، وكأنها واقع حي يتراءى امامي .

 

     بعد انتهاء الصلاة ، انتقل الجميع الى صيوان العزاء المجاور ، تصدح في ارجائه اغاني الثورة الفلسطينية ، والاغاني التراثية الفلسطينية ، وعاد بي الزمن الى اكثر من سبعة وعشرين عاما ، الى اول مرة سمعت فيها اغاني فرقة العاشقين الفلسطينية ، التي اطربتنا واثارت اشجاننا القومية ، كما اثارت حسرتنا على الحال التي وصلت اليها مشاعرنا القومية هذه الايام .

 

     " من سجن عكا وطلعت جنازة ... محمد جمجوم وفؤاد حجازي ... جازي عليهم يا شعبي جازي ... المندوب السامي وربعو عموما " ، تلك العبارات كانت مطلعا لاحدي الاغنيات التي سمعناها ، فجاء الصوت ليؤجج المشاعر القومية ، والمشاعر الانسانية ايضا ، اكثر بكثير مما كانت عليه ، عندما قرأنا عن "الثلاثاء الحمراء" في صغرنا ، ضمن المنهاج المدرسي في الاردن ، رغم اننا حينها ، كنا اكثر عاطفية من الان .

 

     ولم تكن الكلمات التي القيت ، الا تاكيدا لتلك الصورة ، فها هو احد رفاق الفقيد ، يقف بجانبه شقيق الفقيد الدكتور نمر ، يربت على كتفه ، يساعده في تقليب صفحات كلمته ، كأنه يشجعه على تجاوز حشرجات تحاول خنق صوته ، وهو يصف كيف اجتمع الاخوة الثلاث ، مشعل وضرغام وصايل في معركة الجبل في لبنان ، ابان التصدي للغزو الصهيوني عام 1982 ، وانضم نمر الى المعركة في مكان اخر ، اما الاخ الاكبر فيصل فكان في سوريا ، يتأهب للمشاركة ،   وكيف ان القيادة اوصت بتفريق الاخوة الثلاث عن بعضهم في نفس المعركة ، فثارت ثائرة ضرغام ، الى حد الصراخ بان مشعل وصايل ليسوا اخوته ، كي يظل في ارض المعركة ، ولم تغب عن الحدث   ، النفحات الانسانية ، فيأتي ضرغام ليسأل عن شقيقه مشعل بعد انتهاء المعارك ، وليظن الجميع انه قد استشهد ، متقبلين ذلك بكل هدوء ، وبمزيد من الاصرار على نفس النهج ، ليتبين لاحقا انه كان في الأسر ،   لنستمع في النهاية الى كلمة زوجة المرحوم مشعل ، تتحدث العربية بلكنة اجنبية ، وهي الالمانية التي رافقته تلك المسيرة النضالية الشاقة ، استمعنا اليها وهي تتحدث عن النضال والتضحية والفداء ، وبكل ايمان واصرار على المضي في هذا الطريق ، وكأنها ابنة فلسطين .  

 

     تلك بعض من المشاعر ، التي استطعت نقلها خلال ساعة من الزمن ، في تأبين الفقيد الشهيد ، انها عائلة اردنية استثنائية ، وما كانت لتكون بمثل هذا الاستثناء ، لو جرت تلك الاحداث ، في خضم تأجج المشاعر الوطنية والقومية ، في الخمسينات والستينات من القرن الفائت ، اما ان نشهد هذا في زمن اليأس وانحدار المشاعر القومية ، فهذا هو الاستثناء .

 

     فتحية الى هذه العائلة الاردنية المناضلة ، وتحية الى الشهيد مشعل هلسة ،   والى الشهيد احمد المجالي ، الذي تطرق له بعض الاخوة المعلقين على المقال السابق ، وتحية الى كل من يساهم بدمه وعرقه ولسانه ، في تعميق اواصر الاخوة الاردنية الفلسطينية .

 

 

m_nasrawin@yahoo.com

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم