ارجو من الاخوة القراء ، ان لا يملًوا من تكرار حديثي عن نفس الموضوع السابق ، عن الفقيد الذي كان طوال حياته مشروع شهيد ، عن المرحوم مشعل الخيطان الهلسة ، واسمه الحركي شربل ، هذا المقاتل الثوري الاردني الشرس ، من اجل فلسطين والامة العربية ، الذي وافته المنية الاسبوع الماضي بمرض السرطان ، وكنت اتصوره تمنى ذلك شهيدا .
لقد كتبت في مقال سابق ، بعضا من المعلومات التي لم اكن متأكدا منها ، عبرت فيه عن استغرابي واعجابي ، بهذا الانتماء العائلي او شبه العائلي ، لهذه الاسرة الاردنية ، والذي لم يضعف منذ حوالي اربعين عاما ، لقد توسع وتعمق ، ليشمل افراد الاسرة كلها ، ذكورا واناثا ، ويضم اليهم الابناء ، هذا الانتماء الذي ابتدأ محدودا قبل حوالي اربعين عاما ، واقتصر على انتماء الاخوة الكبار فقط ، الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، كمقاتلين اشدُاء ، وتوسع ليشمل انتماء الجميع ، الى حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الاردني لاحقا ، الذي خرج الى الوجود بعد عودة الديمقراطية الى الاردن عام 1989 ، تلك الديمقراطية التي ساهمت في التئام شمل الاخوة ، على ارض وطنهم الغالي الاردن .
بالامس شاركت في اختتام فترة العزاء ، بعد اقامة قداس جنائزي ، في بلدة حمود في محافظة الكرك ، في كنيسة صغيرة قديمة ، تقع في مدخل البلدة ، التي شهدت اكبر نسبة من الهجرة منها ، وسورها المتهالك عنوان لفقر من تبقى من اهلها ، ورغم انها احدى قرى محافظتي ، ومجاورة لبلدتي ، الا انها المرة الاولى التي ازورها من سنين طويلة ، فكانت معالم البلدة الثابتة منذ عقود ، واجواء هذه المناسبة ، قد اعادتني اربعين عاما الى الوراء ، لاعيش تلك المرحلة بكل تفاصيلها ، وكأنها واقع حي يتراءى امامي .
بعد انتهاء الصلاة ، انتقل الجميع الى صيوان العزاء المجاور ، تصدح في ارجائه اغاني الثورة الفلسطينية ، والاغاني التراثية الفلسطينية ، وعاد بي الزمن الى اكثر من سبعة وعشرين عاما ، الى اول مرة سمعت فيها اغاني فرقة العاشقين الفلسطينية ، التي اطربتنا واثارت اشجاننا القومية ، كما اثارت حسرتنا على الحال التي وصلت اليها مشاعرنا القومية هذه الايام .
" من سجن عكا وطلعت جنازة ... محمد جمجوم وفؤاد حجازي ... جازي عليهم يا شعبي جازي ... المندوب السامي وربعو عموما " ، تلك العبارات كانت مطلعا لاحدي الاغنيات التي سمعناها ، فجاء الصوت ليؤجج المشاعر القومية ، والمشاعر الانسانية ايضا ، اكثر بكثير مما كانت عليه ، عندما قرأنا عن "الثلاثاء الحمراء" في صغرنا ، ضمن المنهاج المدرسي في الاردن ، رغم اننا حينها ، كنا اكثر عاطفية من الان .
ولم تكن الكلمات التي القيت ، الا تاكيدا لتلك الصورة ، فها هو احد رفاق الفقيد ، يقف بجانبه شقيق الفقيد الدكتور نمر ، يربت على كتفه ، يساعده في تقليب صفحات كلمته ، كأنه يشجعه على تجاوز حشرجات تحاول خنق صوته ، وهو يصف كيف اجتمع الاخوة الثلاث ، مشعل وضرغام وصايل في معركة الجبل في لبنان ، ابان التصدي للغزو الصهيوني عام 1982 ، وانضم نمر الى المعركة في مكان اخر ، اما الاخ الاكبر فيصل فكان في سوريا ، يتأهب للمشاركة ، وكيف ان القيادة اوصت بتفريق الاخوة الثلاث عن بعضهم في نفس المعركة ، فثارت ثائرة ضرغام ، الى حد الصراخ بان مشعل وصايل ليسوا اخوته ، كي يظل في ارض المعركة ، ولم تغب عن الحدث ، النفحات الانسانية ، فيأتي ضرغام ليسأل عن شقيقه مشعل بعد انتهاء المعارك ، وليظن الجميع انه قد استشهد ، متقبلين ذلك بكل هدوء ، وبمزيد من الاصرار على نفس النهج ، ليتبين لاحقا انه كان في الأسر ، لنستمع في النهاية الى كلمة زوجة المرحوم مشعل ، تتحدث العربية بلكنة اجنبية ، وهي الالمانية التي رافقته تلك المسيرة النضالية الشاقة ، استمعنا اليها وهي تتحدث عن النضال والتضحية والفداء ، وبكل ايمان واصرار على المضي في هذا الطريق ، وكأنها ابنة فلسطين .
تلك بعض من المشاعر ، التي استطعت نقلها خلال ساعة من الزمن ، في تأبين الفقيد الشهيد ، انها عائلة اردنية استثنائية ، وما كانت لتكون بمثل هذا الاستثناء ، لو جرت تلك الاحداث ، في خضم تأجج المشاعر الوطنية والقومية ، في الخمسينات والستينات من القرن الفائت ، اما ان نشهد هذا في زمن اليأس وانحدار المشاعر القومية ، فهذا هو الاستثناء .
فتحية الى هذه العائلة الاردنية المناضلة ، وتحية الى الشهيد مشعل هلسة ، والى الشهيد احمد المجالي ، الذي تطرق له بعض الاخوة المعلقين على المقال السابق ، وتحية الى كل من يساهم بدمه وعرقه ولسانه ، في تعميق اواصر الاخوة الاردنية الفلسطينية .
m_nasrawin@yahoo.com
الرجاء الانتظار ...
التعليقات