العدوان يكتب: الأردن .. جغرافيا الدولة الراسخة بين الأرشيف العثماني وعمق التاريخ الإسلامي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9605
العدوان يكتب: الأردن ..  جغرافيا الدولة الراسخة بين الأرشيف العثماني وعمق التاريخ الإسلامي
د. علي فواز العدوان

د. علي فواز العدوان

تتعرض الدولة الأردنية بين الحين والآخر لمحاولات اختزال تاريخها السياسي والجغرافي ضمن حدود رسمتها اتفاقيات القرن العشرين، وكأن الأردن كيان ولد فجأة من رحم التحولات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. غير أن القراءة العلمية للتاريخ، والعودة إلى الأرشيفات الإسلامية والعثمانية، تكشف حقيقة مختلفة تماماً؛ فالأردن لم يكن فراغاً جغرافياً أو سياسياً، بل شكّل عبر آلاف السنين وحدة جغرافية متصلة ومجالاً حضارياً مستقراً حافظ على خصوصيته السكانية والسياسية رغم تعاقب الدول والإمبراطوريات.

قبل الفتح الإسلامي بقرون طويلة، كانت أرض الأردن تشكل إقليماً واضح المعالم ضمن التنظيمات الرومانية والبيزنطية. فقد مثّلت مدن الديكابوليس في شمال ووسط الأردن منظومة حضرية متكاملة، فيما شكّل خط "الليمس العربي" شبكة دفاعية وعسكرية امتدت من بصرى الشام مروراً بالأزرق واللجون وصولاً إلى العقبة، وهو ما يؤكد إدراك القوى الحاكمة آنذاك للأهمية الجيوسياسية لهذه المنطقة باعتبارها البوابة الفاصلة بين الحاضرة الشامية وعمق الصحراء العربية.
ومع الفتح الإسلامي لم تختفِ هذه الجغرافيا، بل أعيد تنظيمها ضمن إطار الدولة الإسلامية. فقد أصبحت أراضي الأردن جزءاً أساسياً من أجناد بلاد الشام، حيث تشكل "جند الأردن" في شمال البلاد، بينما ارتبطت مناطق الوسط والجنوب بـ"جند دمشق". ولم يكن هذا التقسيم مجرد إجراء إداري، بل اعترافاً بوجود إقليم جغرافي متماسك يمتلك خصوصية سكانية واقتصادية وعسكرية ضمن بنية الدولة الإسلامية.
وخلال العهدين الأموي والعباسي، تعززت أهمية الأردن باعتباره عقدة اتصال استراتيجية بين الحجاز والشام والعراق. وتشهد القصور الأموية المنتشرة في البادية الأردنية، مثل قصير عمرة والحرانة والمشتى، على حضور الدولة المركزية وقدرتها على إدارة المجال الجغرافي الأردني وضبط طرق التجارة والحج والحركة العسكرية.
أما الأرشيف العثماني، الذي يعد أحد أغنى الأرشيفات الإدارية في العالم، فيقدم أدلة أكثر دقة على استمرارية الجغرافيا الأردنية. ففي دفاتر التحرير والطابو والدفاتر الخاقانية التي تعود إلى القرن السادس عشر وما بعده، تظهر بوضوح أسماء القرى والبلدات الأردنية الحالية، وتسجل ملكيات الأراضي ومصادر المياه وأعداد السكان والعشائر والضرائب المفروضة على الزراعة والمواشي والتجارة.
وتكشف هذه السجلات أن سنجق عجلون شكّل الإطار الإداري لشمال ووسط الأردن، فيما مثلت الكرك والشوبك ومعان وحدة إدارية متصلة في جنوب البلاد. كما توثق أسماء عشائر استوطنت هذه الأرض منذ قرون طويلة، وأسهمت في حماية طرق التجارة والحج وتأمين الاستقرار الاجتماعي والسياسي في المنطقة.
وتبرز أهمية طريق الحج الشامي بوصفه أحد أهم المؤشرات على مركزية الأردن في التفكير الاستراتيجي العثماني. فقد انتشرت القلاع والمحطات العسكرية من المفرق والزرقاء والقطرانة وصولاً إلى معان والمدورة، في منظومة أمنية متكاملة هدفت إلى حماية قوافل الحجاج وربط الحجاز بالعاصمة العثمانية. وهذه المنشآت لم تكن مجرد مواقع عسكرية، بل جسدت ممارسة فعلية للسيادة والإدارة على الأرض الأردنية.
وعند دراسة المكون الشعبي للأردن عبر هذه الوثائق، يتضح أن البلاد احتضنت مزيجاً متجانساً من الحواضر الزراعية والقبائل البدوية وشبه البدوية، ضمن شبكة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية المتداخلة. وقد حافظت العشائر الأردنية على دورها في حماية الأرض وإدارة الموارد المحلية، بينما شكلت المدن والقرى مراكز للإنتاج الزراعي والتبادل التجاري.
وعندما تأسست إمارة شرق الأردن عام 1921 لم تُنشأ على أرض مجهولة أو بلا هوية، بل قامت فوق إرث تاريخي متراكم يمتد من العصور الكلاسيكية مروراً بالدولة الإسلامية والعثمانية وصولاً إلى العصر الحديث. لذلك فإن الحدود السياسية التي اعترف بها المجتمع الدولي لاحقاً لم تكن اختراعاً جديداً بقدر ما كانت ترجمة قانونية حديثة لواقع جغرافي وتاريخي متجذر وديموغرافيا لشعب كابر استوعب العديد من موجات اللجوء جراءالحروب في الإقليم.
لقد أثبتت التجربة الأردنية أن قوة الدولة لا تُقاس بعمرها السياسي الحديث فحسب، بل بعمق جذورها التاريخية وقدرتها على الحفاظ على هويتها الوطنية واستقرارها الجغرافي. ومن هنا فإن قراءة الأرشيف العثماني والسجلات الإسلامية تكشف حقيقة راسخة مفادها أن الأردن لم يكن نتاج لحظة سياسية عابرة، وإنما امتداد طبيعي لإقليم تاريخي ظل حاضراً في الجغرافيا والسكان والإدارة والسيادة عبر قرون متعاقبة.
واليوم، في ظل القيادة الهاشمية الممتدة من المؤسس الملك عبدالله الأول بن الحسين إلى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، تستمر الدولة الأردنية في صون هذا الإرث التاريخي، محافظة على حدودها وسيادتها وهويتها الوطنية، ومؤكدة أن الأردن كان وسيبقى وطناً راسخ الجذور في التاريخ، ثابت الحضور في الجغرافيا، وعصيّاً على محاولات الطمس أو التشكيك.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم