م.صلاح طه عبيدات يكتب: حين يتحول "الهراء الرقمي" إلى مهنة ومستنقع وجودي

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 15982
م.صلاح طه عبيدات يكتب: حين يتحول "الهراء الرقمي" إلى مهنة ومستنقع وجودي
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

​لم يعد القاع مجرد مكان نخشى السقوط فيه في زمن السيولة الأخلاقية، بل تحول بفضل "شاشات الهواتف" إلى منصة استعراضية مزدحمة. هناك، على أرصفة العالم الافتراضي، يقف حشد من شذاذ الآفاق الأخلاقية—شباباً وشابات، ممن تقاسموا مع الإنسانية شهور الحمل التسعة وجحدوا كل ما تلاها—يرشقون منظومة القيم بـ "بذاءة مهندسة" ومجانية.
​هؤلاء ليسوا لقطاء؛ فهم ينتمون لعشائر وعائلات ومجتمعات محترمة، لكنهم اختاروا طواعية أن يكونوا "مقطوعي صلة" بكل ما هو نبيل. يطلّون علينا بوجوه شائهة، يبيعون الشكوى المفتعلة، يتبادلون الشتائم الفجة، ويسيئون لأقاربهم ومجتمعاتهم بصلف لا يُحسدون عليه. إنها ليست مجرد رداءة محتوى، بل هي عملية "تسول وجودي" منظمة، تمارسها كائنات تعيش في وهم الشهرة، بينما مصيرها المحتوم هو سلة مهملات التاريخ والنسيان، بعد إفلاس روحي ونفسي كامل.
​هل الاختلاف وقاحة؟ أم أن الشياطين باتت تطلب المشورة؟
​يطرح المشهد تساؤلات وجودية تلامس جذور الانحطاط:
​هل يعتقد هؤلاء المحلقون فوق مستنقعات الوهم أن "التميز" يُصنع بطول اللسان وقذارة الفكرة؟
​هل ينسقون خلف الكواليس مع شياطينهم ليظهروا كضحايا لمجتمعاتهم، في حين أن المجتمع وقيمه هما الضحية الحقيقية لغزوتهم البذيئة؟
​نحن أمام فخ افتراضي مهول، تُجمع فيه الأرواح الهائمة للتسول بنقص الحياء والتكسب بالذم والتسخط. إنهم يرشقون الفضاء العام بمياه فحشهم الآسنة، فتنبعث الرائحة وتتسخ العقول. هؤلاء ليسوا مجرد "صنّاع محتوى تافه"، بل هم خطر داهم لا يقل شراً عن اللصوص وقطاع الطرق؛ فالأول يسلبك مالك، بينما هؤلاء يسلبون الأمة وعيها وذوقها العام.
​لا تبرير بالظروف: إن محاولة إلصاق هذا التردي السلوكي بشماعة "التفكك الأسري" أو "البطالة" هي قراءة قاصرة وساذجة. ما نراه هو إفلاس في التنشئة، وغياب مرعب للتربية، مضافاً إليه غلّ وحسد دفين وتطلع دائم لما في أيدي الآخرين. هذا الركام النفسي أدى بالضرورة إلى ضياع انتهى به المطاف في مقبرة الانحطاط؛ مقبرة حفرها من نار لا رياض فيها ولا جنان.
​بيوت من زجاج مشروخ.. والحل في "عصا القانون"
​إن فلسفة التربية تقتضي أن "العصا لمن عصى"، وهي أوجب ما تكون اليوم تجاه آباء وأمهات أنجبوا وقذفوا بأبنائهم في مهب الريح الرقمية، ليقذف هؤلاء الأبناء بيوت الناس بالطوب، بينما بيوتهم من زجاج رخيص ومشروخ. لن يجنِ هؤلاء من حصاد ألسنتهم البذيئة سوى علقم الضياع والندامة الفائت أوانها.
​أمام هذا المشهد الذي يرقص فيه الغوغاء حول "نهيق الحمير الافتراضية" بدلاً من الاستعاذة منها، لا بد من سلطة رادعة. إذا عجزت الأسرة عن لجم أبنائها، فإن القانون هو المجرى المائي العذب الذي يحمي السد من الانهيار. وتذكروا دائماً: كم من حصوة صغيرة سندت جرة كبيرة، وحين تحركت الحصوة انكسرت الجرة وسال ماؤها وضاعت هيبتها! فلا تحقرن صغيرة من الشر، فإن جبال الانحطاط تبدأ بـ "حصى" التغاضي.
​لقد سئمنا دور المتفرج بينما "جرذان التواصل الاجتماعي" تغادر مخابئها لتقتحم بيوتنا وعقولنا، ليس من الأبواب الشرعية، بل عبر شبكات التعقيد التقني والفساد القيمي. لقد آن أوان الكنس والتطهير.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم