ليس الأردن وطناً تُختصر حكايته بحدود الجغرافيا، ولا دولةً تتبدّل ثوابتها بتبدّل الظروف ولا شعباً يمكن أن تستدرجه الفتن أو تهزّ قناعاته حملات التشكيك. الأردن تاريخٌ من الصمود ودولةٌ تأسست على شرعية راسخة، وقيادة هاشمية حملت مسؤولية الوطن في أصعب المراحل وشعبٌ لم يكن يوماً عابراً في معادلة الدولة، بل كان ولا يزال شريكاً في حمايتها وصون كرامتها.
نقولها بوضوح لا يحتاج إلى تبرير ثقة الأردنيين بقيادتهم الهاشمية ليست موقفاً موسمياً، ولا ولاءً تفرضه الظروف بل جذور ضاربة في تاريخ هذه الأرض ووجدان أبنائها. لقد تربّينا على حب الهاشميين وتشربنا انتماءنا لتراب الأردن حتى صار جزءاً من هويتنا وكرامتنا في عظامنا ولحمنا حكاية وطن وفي ضميرنا عهد لا تكسره العواصف. ومن يراهن على زعزعة هذه العلاقة أو يحاول الاصطياد في مياه الأزمات لا يعرف الأردن ولا يقرأ تاريخه جيداً.
لكن وبقدر ما نعتز بوطننا وقيادتنا، فإننا لا نملك ترف الصمت أمام كل خلل يمسّ حياة المواطن أو يهدد ثقة الناس بمؤسسات الدولة. وهنا نوجّه السؤال الذي يجب أن يسمعه كل مسؤول بلا مواربة ولا مجاملة أنتم يا أصحاب القرار، إلى أين تمضون بالأردن؟ وماذا تفعلون بالثقة التي ائتمنكم عليها الوطن؟
هل أدركتم أن المسؤولية تكليف لا تشريف وأن الكرسي لا يمنح صاحبه قيمةً لم تكن فيه، ولا يحوّله إلى صاحب فضل على الناس؟ هل فهمتم أن المواطن الذي يواجه أعباء الحياة لا يريد خطابات جديدة، بل يريد عدالةً في الفرص وكرامةً في التعامل، وخدماتٍ تليق به، وقراراتٍ يشعر بأثرها في بيته وعمله ومستقبل أبنائه؟ وهل تعلمون أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة ليس اختلاف الآراء، بل اتساع الفجوة بين ما يسمعه المواطن من وعود وما يراه من واقع؟
كفى إدارةً للأزمات بعقلية التبرير، وكفى تسويقاً للإنجازات قبل أن تلمسها حياة الناس، وكفى اختباءً خلف الظروف بينما تتراكم الأسئلة وتتعاظم المسؤوليات. لا يجوز أن يُطلب من الأردني أن يتحمل وحده كلفة الأزمات، فيما يُعفى بعض أصحاب المواقع من استحقاق المحاسبة. ولا يجوز أن تصبح الواسطة والمحسوبية بوابةً للفرص، وأن يتراجع صاحب الكفاءة أمام صاحب العلاقة، وأن يشعر المواطن بأن الوصول إلى حقه يحتاج إلى معرفة لا إلى قانون.
ولنضع الحقيقة في مكانها الصحيح الولاء للملك لا يعني الصمت عن أخطاء المسؤولين، وحب الوطن لا يعني غضّ الطرف عمّن يسيء إلى أمانته. بل إن أصدق صور الوفاء للقيادة الهاشمية أن نحمي مؤسسات الدولة من التقصير، وأن نكشف الخلل بشجاعة، وأن نطالب بمحاسبة عادلة لا تستثني أحداً. فالدولة القوية لا تخشى النقد المسؤول، والمسؤول الواثق من أدائه لا يهرب من المساءلة، والوطن الذي نريده لا يُبنى بالمجاملات ولا تحميه الشعارات.
إن جلالة الملك عبدالله الثاني حمل مسؤولية الأردن في إقليم مضطرب، وواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، وظل صوت الأردن حاضراً في الدفاع عن مصالحه وثوابته وقضاياه. ومن هنا فإن مسؤولية من يتولون إدارة الشأن العام أكبر لا أصغر لأنهم مؤتمنون على ترجمة الرؤية إلى عمل والتوجيهات إلى إنجاز، والثقة إلى نتائج. فلا يجوز أن تبقى المسافة واسعة بين طموح القيادة وما تنفذه بعض الإدارات، ولا أن تتحول المسؤولية إلى منصب محصّن من النقد أو موقع بعيد عن نبض الشارع.
أما الذين يراهنون على الفتنة، أو يحاولون العبث بوحدة الأردنيين، أو يتوهمون أن الاختلاف في الرأي مدخل لضرب استقرار الدولة، فنقول لهم: أخطأتم العنوان. الأردن ليس هشّاً، وشعبه ليس بلا ذاكرة، وقيادته ليست بلا تاريخ. نحن نختلف ونتناقش وننتقد، لكننا لا نسمح لأحد أن يحوّل اختلافنا إلى انقسام، أو أن يتخذ من وجع المواطن جسراً للإساءة إلى وطنه. فالأردنيون يعرفون جيداً أين يقفون حين يتعلق الأمر بأمن بلدهم وكرامته وثوابته.
هذه ليست رسالة مجاملة، بل رسالة انتماء ومسؤولية لا تختبروا صبر الأردنيين، ولا تخلطوا بين أصالتهم وسكوتهم، ولا تعتبروا حبهم لوطنهم تفويضاً مفتوحاً للمقصرين. الشعب الذي قدّم التضحيات يستحق إدارةً تليق بتضحياته، والبلد الذي صمد أمام العواصف يستحق مسؤولين لا تصنعهم العلاقات، بل تصنعهم الكفاءة والنزاهة والإنجاز.
سيبقى الأردن أكبر من كل محاولات العبث، وستبقى العلاقة بين قيادته وشعبه ركيزةً من ركائز قوته، وسيبقى الولاء للهاشميين وفاءً لتاريخٍ وهوية، لا ورقةً في يد مسؤول ولا شعاراً على لسان متسلق. أما الكراسي فمؤقتة، والمواقع زائلة، وما يبقى هو أثر الإنسان في وطنه، وما يسجله التاريخ من عدلٍ أو تقصير.
الأردن ليس ملكاً لمسؤول، ولا إرثاً لمن يشغل منصباً الأردن أمانة شعب ومسؤولية قيادة، وتاريخ أجيال. ومن لا يدرك حجم هذه الأمانة، فليترك موقعه لمن يعرف أن خدمة الوطن شرفٌ لا امتياز، وأن ثقة الأردنيين لا تُشترى بالكلام، بل تُصان بالفعل.
حفظ الله الأردن عزيزاً منيعاً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأدام على وطننا أمنه واستقراره، وجعلنا جميعاً على قدر الأمانة التي يحملها هذا التراب الطاهر.
امل خضر تكتب: الأردن ليس ساحةً للعبث والولاء عهدٌ لا تهزّه العواصف
منذ 38 دقيقة
المشاهدات :
18293
أمل خضر
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
تفاصيل جديدة حول استشهاد رجل أمن في العاصمة .. تدخل زميله حال دون استيلاء المعتدي على سلاحه
منذ 2 يوم
02
ملفات ساخنة
بشرى سارة للأردنيين بموسم زيتون وفير .. وهذه توقعات أسعار التنكة خلال الأسابيع المقبلة
منذ 6 أيام
03
04
05
آخر الأخبار
مقالات منوعة
احمد محمد علي يكتب: غرقت غزة في دمها والمطر والكرامة العربية
منذ 1 ساعة
مقالات منوعة
محيلان يكتب: تشكيلة النشامى .. قراءة متأنية!
منذ 2 ساعة
مقالات منوعة
العفيف يكتب : لماذا كل هذا الحقد على الأردن؟
منذ 16 ساعة
مقالات منوعة
محمد القرارعة يكتب: لا تعالجوا النتائج… عالجوا الأسباب
منذ 18 ساعة
أخبار فنية
فن
شقيق ياسمين عبد العزيز يستعيد تفاصيل خلافاتهما ويوجّه رسالة لها
منذ 8 دقائق
فن
لقطات طريفة وعفوية: هكذا تفاعلت نانسي عجرم مع مديرة صينية في دبي
منذ 1 ساعة
فن
توأم رامي صبري على المسرح .. أبرز لقطات حفل رامي صبري بمناسبة 20 عاماً
منذ 2 ساعة
فن
حققت وعدها وخسرت أكبر أحلامها .. كيف انتهت رحلة منى زكي في "طالع نازل"؟
منذ 8 ساعات
فن
رامز جلال يلمّح إلى تقديم جزء ثانٍ من فيلم "أحلام الفتى الطائش"
منذ 9 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
بعد وداع منتخب البرتغال .. رونالدو يستمتع بالرفاهية داخل قصر الأحلام
منذ 14 دقيقة
رياضة
هانزي فليك يفاجئ "منبوذ" برشلونة
منذ 1 ساعة
رياضة
بعد أزمة كأس العالم .. تييري هنري يفاجئ كريستيانو رونالدو بتصريح رائع
منذ 1 ساعة
رياضة
ميسي يحقق إنجازًا تاريخيًّا في الدوري الأمريكي ويحصد الحذاء الذهبي للمرة الثانية
منذ 2 ساعة
رياضة
من هو علي ماهر مدرب منتخب مصر الجديد؟
منذ 8 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
«اختار مدرسته من أجل فتاة فأصبحت زوجته» .. قصة حب بدأت قبل 14 عامًا
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
سمكة غامضة برأس زجاجي تكشف أسرارها بعد 40 عامًا من البحث
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
لا تنخدع بكلمة "طبيعي" .. مكوّن واحد يصنع الفارق في حماية الأسنان
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
لمدة 60 يوماً .. "بطلة النوم" تحصد آلاف الدولارات ورحلة سياحية
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
أرقام معاد تدويرها تهدد الحسابات الشخصية
منذ 8 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات