أيها المسؤولون، يا أصحاب القرار، حين يكون أمن الوطن موضع حزم ملكي، فلا ينبغي أن تنتهي الاستجابة عند التصريحات والاجتماعات والقرارات المتعجلة. المطلوب أن يتحول هذا الحزم إلى ثورة عمل مؤسسي، تراجع ما مضى، وتكشف مواطن الخلل، وتبني للمستقبل. فليس المطلوب أن نغضب أكثر، وإنما أن نعمل أفضل!
وفي العمل الأمني قاعدة تستحق التأمل: إذا وقع اعتداء في مكان، فلا تنشغل به حتى تنسى بقية الأماكن؛ فقد يكون الهدف إشغالك عما هو أخطر! وقد يكون الحدث منفردًا، لكن اليقظة تقتضي ألا نضع عيوننا كلها على نافذة واحدة، ونترك سائر النوافذ مفتوحة.
وهكذا الدول أيضًا؛ قد تستغرقها حادثة فتراجع الأمن، وتستدعي المسؤولين، وتصدر القرارات، ثم تكتشف أنها انشغلت بالحدث عن أسبابه، وبالتفاصيل عن الصورة الكبرى!
انتبهوا للبلد!
المراجعات الأمنية واجبة، والمحاسبة ضرورة، لكن لا تجعلوا الأمن يحمل وحده أعباء التربية والتعليم والاقتصاد والإدارة. فالأمن يحمي الدولة، أما بناء مناعتها فمسؤولية مؤسساتها جميعًا. والتدرج المدروس حكمة، والتروي ليس ضعفًا، أما التسرع فقد يفتح مشكلة ونحن نظن أننا أغلقنا أخرى!
خذوا مثلًا هذا السؤال: هل تكفي قراءة كتاب ديني لصناعة إرهابي؟ وإذا كان الكتاب قد انتشر بين ملايين القراء، فهل تحولوا جميعًا إلى إرهابيين؟ بالطبع لا!
صحيح أن التنظيمات إلارهابية، انتقت من مؤلفات دينية قديمة وحديثة ما يخدم خطابها، واستثمرت بعض المفاهيم لتبرير التكفير والعنف، لكن القراءة شيء، والتفسير شيء آخر، والتحريض شيء ثالث، والانتقال إلى القتل جريمة لا يصنعها مجرد وجود كتاب على الرف!
وليس من واجب الدولة أن تتحول إلى حكم في الخلافات التأويلية والمذهبية المشروعة، وإنما واجبها حماية المجتمع من التحريض على العنف واستباحة الدماء، وترك البحث الديني لأهله، مع تطبيق القانون على الجميع.
ولنتذكر اغتيال الخليفة الراشد عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وما أعقبه من فتنة؛ كيف تداخلت الخلافات السياسية والاتهامات والتأويلات الدينية! إن التاريخ لا يتكرر بحذافيره، لكنه يحذرنا من اختزال الفتن الكبرى في سبب واحد.
ثم انظروا حولكم! أفغانستان والاحتلال السوفييتي، والعراق وحروبه، وسوريا ومأساتها، وفلسطين واحتلالها الممتد. أليست هذه الوقائع جزءًا من تاريخ الاستقطاب الذي استغلته جماعات العنف؟ وليس معنى ذلك أن كل مظلوم إرهابي، أو أن الظلم يمنح أحدًا حق القتل.
ادرسوا الإنسان قبل أن تختزلوا قضيته في كتاب!
ادرسوا ظروفه النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وأسرته وتعليمه، ومن استقطبه، وكيف انتقل من الفكرة إلى الفعل. فلا مسار واحدًا يصنع الإرهابيين، ولا وصفة واحدة تمنع التطرف.
وهنا أقترح اجتماعًا وطنيًا موسعًا، في إطار المؤسسات المختصة، يضم القيادات الحالية ومن تولوا المسؤوليات الأمنية والتربوية والتعليمية والدينية خلال العشرين عامًا الماضية، وفي مقدمتهم وزراء التربية والتعليم والتعليم العالي والأوقاف السابقون والحاليون، وكبار العلماء والأئمة المعتدلين، وممثلون عن الجامعات والأجهزة الأمنية، وخبراء علم النفس والاجتماع والتربية والاقتصاد.
اجمعوا خبرة الأمس مع مسؤولية اليوم ورؤية الغد! فليس كل من غادر منصبه غادرت معه خبرته، ولا كل من تسلّم منصبًا بدأت معه معرفة الدولة.
ولا نريد اجتماعًا بروتوكوليًا تنتهي أعماله ببيان محفوظ العبارات، بل حوارًا صريحًا ومعمقًا، يمتد إلى جلسات متخصصة، تُراجع فيه تجارب عشرين عامًا: ماذا فعلنا؟ أين نجحنا؟ أين أخطأنا؟ وما الذي تغير في بيئة الشباب والتعليم والخطاب الديني ووسائل التجنيد؟
وليكن النقاش بعيدًا عن المجاملات وتصفية الحسابات، مع احترام مقتضيات السرية الأمنية، ثم تُحال نتائجه إلى خلية تنسيق وطنية تعمل ضمن المؤسسات القائمة، بمسؤوليات محددة وخطة قابلة للتنفيذ والتقييم. فلا حاجة إلى جهاز إداري جديد؛ حاجتنا إلى جمع العقول، وتراكم الخبرات، وحسن توظيف المؤسسات.
فالدولة التي لا تستفيد من ذاكرتها المؤسسية قد تجد نفسها تكرر أخطاء الأمس بأسماء جديدة!
وأيتها الدولة، الأردن وسطي، وسطي، وسطي! والإسلام دين الدولة بنص الدستور، والاعتدال من ثوابته الوطنية، وصون حقوق المسلمين والمسيحيين جميعًا من واجباته. فلا تجعلوا من مكافحة التطرف خصومة مع التدين، ولا من الدفاع عن الدين خصومة مع الدولة.
انتبهوا للمنابر!
وانتبهوا للجامعات والمدارس والمناهج والمعلمين، وللإعلام والمؤثرين ومواقع التواصل الاجتماعي؛ فهناك من يصنع رأيًا في دقيقة، وربما يهدم ثقة بُنيت في سنوات!
وانتبهوا لأصحاب البيانات أيضًا؛ ففيهم قامات وطنية وفكرية نحترمها ونقدرها، لكن للكلمات عواقب، ولردود الأفعال حسابات. لا نريد ونحن نحارب التطرف أن ننشئ تطرفًا جديدًا!
وانتبهوا للفقر والبطالة، ولحملة الشهادات العليا الذين ينتظرون فرصًا تليق بعلمهم. كيف نطالب الشباب بالإبداع ثم نترك الكفاءات خارج أبواب العمل؟ وكيف نتحدث عن بناء الإنسان ونهدر سنوات تعليمه وتأهيله؟
وانتبهوا للتحديث السياسي والإداري والتربوي والتعليمي. درّبوا كوادر الحكومة، وراجعوا تضخم الأجهزة الإشرافية، وقللوا طبقات الإدارة التي تستهلك الوقت دون أن تضيف إنجازًا. وحاسبوا المرتشي ولو كان مراقبًا صغيرًا؛ فالفساد لا يبدأ كبيرًا، لكنه يكبر حين يجد من يتسامح معه!
ثم انتبهوا للعدل... انتبهوا للعدل!
للعدل في الوظيفة والترقية، وفي توزيع الفرص، وفي تطبيق القانون. فالواسطة حين تتقدم على الكفاءة تجرح الثقة، والفساد حين يفلت من المحاسبة يهز هيبة المؤسسات، والظلم حين يتكرر يترك في النفوس ما لا تمحوه الخطب!
أيها المسؤولون، لا تنشغلوا بإطفاء الحريق وتنسوا أسباب اشتعاله، ولا تجعلوا معالجة حادثة تشغلكم عن مشروع وطن.
نريد أمنًا يقظًا، وتعليمًا يبني العقل، واقتصادًا يفتح الأبواب، وإدارة تعرف مسؤولياتها، وعدالة يطمئن إليها الناس.
انتبهوا للبلد!
فليست قوة الدولة في عدد القرارات التي تتخذها بعد كل حادثة، وإنما في قدرتها على بناء المؤسسات والوعي والعدل، بما يقلل احتمالات وقوع الحادثة التالية.
حوّلوا الحزم الملكي إلى عمل، والمراجعة إلى إصلاح، والقرارات إلى نتائج يلمسها المواطن.
ذلك هو الفرق بين إدارة الحوادث وإدارة الدول!
وفي العمل الأمني قاعدة تستحق التأمل: إذا وقع اعتداء في مكان، فلا تنشغل به حتى تنسى بقية الأماكن؛ فقد يكون الهدف إشغالك عما هو أخطر! وقد يكون الحدث منفردًا، لكن اليقظة تقتضي ألا نضع عيوننا كلها على نافذة واحدة، ونترك سائر النوافذ مفتوحة.
وهكذا الدول أيضًا؛ قد تستغرقها حادثة فتراجع الأمن، وتستدعي المسؤولين، وتصدر القرارات، ثم تكتشف أنها انشغلت بالحدث عن أسبابه، وبالتفاصيل عن الصورة الكبرى!
انتبهوا للبلد!
المراجعات الأمنية واجبة، والمحاسبة ضرورة، لكن لا تجعلوا الأمن يحمل وحده أعباء التربية والتعليم والاقتصاد والإدارة. فالأمن يحمي الدولة، أما بناء مناعتها فمسؤولية مؤسساتها جميعًا. والتدرج المدروس حكمة، والتروي ليس ضعفًا، أما التسرع فقد يفتح مشكلة ونحن نظن أننا أغلقنا أخرى!
خذوا مثلًا هذا السؤال: هل تكفي قراءة كتاب ديني لصناعة إرهابي؟ وإذا كان الكتاب قد انتشر بين ملايين القراء، فهل تحولوا جميعًا إلى إرهابيين؟ بالطبع لا!
صحيح أن التنظيمات إلارهابية، انتقت من مؤلفات دينية قديمة وحديثة ما يخدم خطابها، واستثمرت بعض المفاهيم لتبرير التكفير والعنف، لكن القراءة شيء، والتفسير شيء آخر، والتحريض شيء ثالث، والانتقال إلى القتل جريمة لا يصنعها مجرد وجود كتاب على الرف!
وليس من واجب الدولة أن تتحول إلى حكم في الخلافات التأويلية والمذهبية المشروعة، وإنما واجبها حماية المجتمع من التحريض على العنف واستباحة الدماء، وترك البحث الديني لأهله، مع تطبيق القانون على الجميع.
ولنتذكر اغتيال الخليفة الراشد عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وما أعقبه من فتنة؛ كيف تداخلت الخلافات السياسية والاتهامات والتأويلات الدينية! إن التاريخ لا يتكرر بحذافيره، لكنه يحذرنا من اختزال الفتن الكبرى في سبب واحد.
ثم انظروا حولكم! أفغانستان والاحتلال السوفييتي، والعراق وحروبه، وسوريا ومأساتها، وفلسطين واحتلالها الممتد. أليست هذه الوقائع جزءًا من تاريخ الاستقطاب الذي استغلته جماعات العنف؟ وليس معنى ذلك أن كل مظلوم إرهابي، أو أن الظلم يمنح أحدًا حق القتل.
ادرسوا الإنسان قبل أن تختزلوا قضيته في كتاب!
ادرسوا ظروفه النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وأسرته وتعليمه، ومن استقطبه، وكيف انتقل من الفكرة إلى الفعل. فلا مسار واحدًا يصنع الإرهابيين، ولا وصفة واحدة تمنع التطرف.
وهنا أقترح اجتماعًا وطنيًا موسعًا، في إطار المؤسسات المختصة، يضم القيادات الحالية ومن تولوا المسؤوليات الأمنية والتربوية والتعليمية والدينية خلال العشرين عامًا الماضية، وفي مقدمتهم وزراء التربية والتعليم والتعليم العالي والأوقاف السابقون والحاليون، وكبار العلماء والأئمة المعتدلين، وممثلون عن الجامعات والأجهزة الأمنية، وخبراء علم النفس والاجتماع والتربية والاقتصاد.
اجمعوا خبرة الأمس مع مسؤولية اليوم ورؤية الغد! فليس كل من غادر منصبه غادرت معه خبرته، ولا كل من تسلّم منصبًا بدأت معه معرفة الدولة.
ولا نريد اجتماعًا بروتوكوليًا تنتهي أعماله ببيان محفوظ العبارات، بل حوارًا صريحًا ومعمقًا، يمتد إلى جلسات متخصصة، تُراجع فيه تجارب عشرين عامًا: ماذا فعلنا؟ أين نجحنا؟ أين أخطأنا؟ وما الذي تغير في بيئة الشباب والتعليم والخطاب الديني ووسائل التجنيد؟
وليكن النقاش بعيدًا عن المجاملات وتصفية الحسابات، مع احترام مقتضيات السرية الأمنية، ثم تُحال نتائجه إلى خلية تنسيق وطنية تعمل ضمن المؤسسات القائمة، بمسؤوليات محددة وخطة قابلة للتنفيذ والتقييم. فلا حاجة إلى جهاز إداري جديد؛ حاجتنا إلى جمع العقول، وتراكم الخبرات، وحسن توظيف المؤسسات.
فالدولة التي لا تستفيد من ذاكرتها المؤسسية قد تجد نفسها تكرر أخطاء الأمس بأسماء جديدة!
وأيتها الدولة، الأردن وسطي، وسطي، وسطي! والإسلام دين الدولة بنص الدستور، والاعتدال من ثوابته الوطنية، وصون حقوق المسلمين والمسيحيين جميعًا من واجباته. فلا تجعلوا من مكافحة التطرف خصومة مع التدين، ولا من الدفاع عن الدين خصومة مع الدولة.
انتبهوا للمنابر!
وانتبهوا للجامعات والمدارس والمناهج والمعلمين، وللإعلام والمؤثرين ومواقع التواصل الاجتماعي؛ فهناك من يصنع رأيًا في دقيقة، وربما يهدم ثقة بُنيت في سنوات!
وانتبهوا لأصحاب البيانات أيضًا؛ ففيهم قامات وطنية وفكرية نحترمها ونقدرها، لكن للكلمات عواقب، ولردود الأفعال حسابات. لا نريد ونحن نحارب التطرف أن ننشئ تطرفًا جديدًا!
وانتبهوا للفقر والبطالة، ولحملة الشهادات العليا الذين ينتظرون فرصًا تليق بعلمهم. كيف نطالب الشباب بالإبداع ثم نترك الكفاءات خارج أبواب العمل؟ وكيف نتحدث عن بناء الإنسان ونهدر سنوات تعليمه وتأهيله؟
وانتبهوا للتحديث السياسي والإداري والتربوي والتعليمي. درّبوا كوادر الحكومة، وراجعوا تضخم الأجهزة الإشرافية، وقللوا طبقات الإدارة التي تستهلك الوقت دون أن تضيف إنجازًا. وحاسبوا المرتشي ولو كان مراقبًا صغيرًا؛ فالفساد لا يبدأ كبيرًا، لكنه يكبر حين يجد من يتسامح معه!
ثم انتبهوا للعدل... انتبهوا للعدل!
للعدل في الوظيفة والترقية، وفي توزيع الفرص، وفي تطبيق القانون. فالواسطة حين تتقدم على الكفاءة تجرح الثقة، والفساد حين يفلت من المحاسبة يهز هيبة المؤسسات، والظلم حين يتكرر يترك في النفوس ما لا تمحوه الخطب!
أيها المسؤولون، لا تنشغلوا بإطفاء الحريق وتنسوا أسباب اشتعاله، ولا تجعلوا معالجة حادثة تشغلكم عن مشروع وطن.
نريد أمنًا يقظًا، وتعليمًا يبني العقل، واقتصادًا يفتح الأبواب، وإدارة تعرف مسؤولياتها، وعدالة يطمئن إليها الناس.
انتبهوا للبلد!
فليست قوة الدولة في عدد القرارات التي تتخذها بعد كل حادثة، وإنما في قدرتها على بناء المؤسسات والوعي والعدل، بما يقلل احتمالات وقوع الحادثة التالية.
حوّلوا الحزم الملكي إلى عمل، والمراجعة إلى إصلاح، والقرارات إلى نتائج يلمسها المواطن.
ذلك هو الفرق بين إدارة الحوادث وإدارة الدول!
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات