د.محمود عبدالله الحبيس: بين يقظة الأجهزة وهيبة الدولة: الأمن العام وخيار الحسم في مواجهة التحديات

منذ 33 دقيقة
المشاهدات : 9115
د.محمود عبدالله الحبيس: بين يقظة الأجهزة وهيبة الدولة: الأمن العام وخيار الحسم في مواجهة التحديات
د. محمود الحبيس

د. محمود الحبيس

في بلدنا العزيز، ومع كل حادثة تضرب رؤوس الأردنيين، وتوجع قلوبنا، ويعتصرنا لها الألم الشديد ونحن نودع أبناءً لنا في هذا المجتمع قدموا أرواحهم فداءً للوطن، أو عند حدوث مواقف تهز كيان الدولة؛ نجد دائمًا ذلك التلاحم الفريد والمواقف الأردنية الناصعة،اذ يتسابق الأردنيون لمداواة الجروح عبر هبتهم الوطنية الصادقة التي تثبت أصالة هذا الشعب عند الشدائد.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن التحديات الإقليمية المعقدة التي تعصف من حولنا تفرض اليوم تغييرات جذريّة في آليات التعامل بالشق الأمني. فلولا يقظة أجهزتنا الأمنية—القوات المسلحة (الجيش العربي)، والأمن العام، والمخابرات العامة—إلى جانب يقظة مواطني الدولة، لما شهدنا هذه الأجواء الآمنة والمستقرة التي نعيشها، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التحديات الداخلية المزمنة؛ من بطالة وفقر، وآفة المخدرات، ووجود بعض المسؤولين الذين لم يكونوا يومًا أهلًا للمواقع التي يشغلونها.
ومع ذلك، وتحت وطأة الضغوط الصحفية والإعلامية المتكررة والمجتمعية والنيابية ، فقد اضطر جهاز الأمن العام في فترات سابقة تلبية في مراجعة إجراءات معينة لتلبية لتلك الضغوط، ومنها إجراءات حمل السلاح وتعامل أبنائه مع المواقف الميدانية.
لقد تعالت الأصوات سابقًا بالمطالبة بوضع حدود لتصرفات رجال الأمن أمام مواقف كانت وما زالت بحاجة إلى الحسم والشدة، وترجمت تلك المطالب عبر تعديلات تشريعية قيّدت الحركة الميدانية أحيانًا.
إننا اليوم نرى بوضوح مغبّة سياسة إضعاف هيبة رجل الأمن؛ فقد بلغ الحد بالبعض إلى انتقاد دورية شرطة تقوم بواجبها الاحترازي في تفتيش المركبات ليلًا، أو السخرية من سلوك رجال الأمن وهم يقفون على جوانب الشوارع يستجوبون شابًا يجلس في سيارته اشتباهًا أو تدقيقًا.
لقد تطاول البعض على رجال الأمن لمجرد قيامهم بواجبهم الوطني، في مفارقة عجيبة؛ إذ إنه في الوقت الذي يُصاب فيه أحد مرتبات الأمن العام، نرى "أسودًا كلامية " ومرجعيات تنهال بسرعة بالنقد والتحليل واللوم والتقصير لرجال الامن .
وفي مقابل هذا الجفاء، كم هو مهيب ومؤثر ذلك المشهد الميداني؛ ففي الوقت الذي يتعرض فيه أحد أبناء هذا الجهاز لجرح أو اعتداء من مواطن انحرف عن جادة الصواب، نجد أسود الأمن ينهالون بسرعة فائقة مضحّين بأنفسهم. ينقضّ الواحد منهم كأنه حمامة سلام بيضاء بلا سلاح، تقفز من علوّ وشموخ، متجردة من لغة القوة وبادئة بلغة التضحية، لإنقاذ زميله ورجل الأمن الذي يتعرض للضرب. يقفزون غير آبهين بالموت، مدفوعين بنخوة الزمالة وشرف الواجب.
وهنا يصفعنا السؤال المرير: هل هذه هي المواطنة حقًا؟ هل من المواطنة في شيء أن يُضرب رجل الأمن العام الذي يسهر لينام الناس، ويجوع ليشبعوا، ويُستشهد ليحيوا بسلام؟
نعم، لدينا جهاز أمن عام محترم، يضم أبطالًا أقوياء، وهو جهاز متطور ومواكب للعصر. ولكن، لكي يستمر هذا الجهاز في أداء دورة وحماية الجبهة الداخلية، يجب أن نترك له كامل الحرية والمساحة لمراجعة منظومته الأمنية والعملياتية بشكل مستقل، بما في ذلك إعادة النظر في "قواعد الاشتباك السريع" وكيفية التعامل الحازم مع الخارجين عن القانون.
إن في بلدنا أشخاصًا خارجين عن القانون، وهؤلاء لا تردعهم الكلمات، بل هم بحاجة إلى منظومة أمنية حازمة تتجاوب مع خطورتهم. وجهاز الأمن العام قوي وفعال بطبيعته، لكن ما يحدث من تراجع في الهيبة نحن سببه؛ فعندما نبالغ في الاشتكاء على رجال الشرطة وتجريم أفعالهم الميدانية، نصبح شركاء مباشرين في الحال المقلق الذي وصلنا إليه.
رسالتي اليوم واضحة وجلية: لنترك لجهاز الأمن العام مراجعة إجراءات السلامة العامة لأفراد الشرطة، وتحديد السلوك المهني والميداني الذي يجب عليهم السير عليه دون وصاية مجتمعية أو إعلامية. لقد بالغ البعض في الإساءة لهذا الجهاز السيادي، حتى وجدنا أنفسنا أمام مشاهد مؤلمة يقف فيها مواطنون متفرجين ينظرون إلى "مجرّم" يضرب رجل أمن! وهنا نسأل بحرقة: أين شراكة المجتمع مع رجال الأمن؟ وأين المساندة الشعبية لمن يحرسون ليلنا؟
إن هيبة رجل الأمن ليست خيارًا ترفيًا نناقشه في صالوناتنا السياسية أو صفحاتنا الافتراضية، بل هي السور الأخير الذي يفصل بين الدولة والمنحدر. عندما نكسر يد رجل الأمن التي تحمينا، فإننا نكسر أمننا بأيدينا. الخيار اليوم أمامنا مكشوف ولا يحتمل الرمادية ولا المداهنة: إما أن ندعم جهازًا أمنيًا قويًا، فعالًا، ومحصنًا بإجراءات حازمة وقوانين تحميه ليبقى درعًا للوطن، وإما أن ننتظر عواقب سوء أحوالنا وانفلات أمننا وضياع استقرارنا. إن كرامة رجل الأمن من كرامة الدولة، وحين يهان حارس الوطن، يبيت الوطن كله في مهب الريح. فحذارِ أن نضيع الحصن، وحمى الله الأردن، وجيشه الباسل، وأجهزته الأمنية اليقظة، وشعبه الوفي الأصيل.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم