د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: رجال يليقون بالوطن!

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11959
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: رجال يليقون بالوطن!
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

ليست الدول القوية تلك التي تخلو من الأزمات، وإنما تلك التي تعرف كيف تواجهها، وتحافظ على تماسكها، وتحول تحدياتها إلى فرص للبناء. وليست هيبة الدولة في كثرة مؤسساتها أو اتساع نفوذ مسؤوليها، بل في عدالة قوانينها، وكفاءة إدارتها، وثقة الناس بها.

ولعل هذا ما استوقفني في خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني أمام مجلس الأمة؛ فقد حمل، إلى جانب رسائله الوطنية والسياسية، رؤية لمعنى الدولة، وحدود السلطة، وأمانة المسؤولية، ومكانة المواطن في معادلة الحكم. وبين الحسين الباني رحمه والحسين ولي العهد حفظه الله كانت الرسالة والخطاب.

وأحسب أن قراءة الخطاب ينبغي ألا تتوقف عند عباراته البليغة، وإنما تمتد إلى ما وراء الكلمات؛ إلى السؤال الأكبر: أي دولة نريد أن نورث أبناءنا، وأي رجال نحتاج ليحملوا أمانة بنائها؟

لقد وضع جلالة الملك المسؤولية العامة أمام ميزان القانون حين قال: «ولا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أيا كان»، وهي رسالة تعيد الوظيفة العامة إلى معناها الأصيل؛ أمانة لا وجاهة، وخدمة لا امتياز.

وهنا ينبغي أن نتجاوز المفهوم التقليدي للمساءلة؛ فالمسؤول لا يُسأل عما ارتكبه من أخطاء فحسب، بل عما فوّته من فرص، وأهدره من موارد، وعطّله من مصالح الناس. وقد يكون التردد في اتخاذ القرار أحيانًا أشد كلفة من الخطأ في اتخاذه.

وما أحوجنا إلى ثقافة إدارية تقيس المسؤول بما أنجز لا بما أعلن، وبما أصلح لا بما وعد، وبما ترك من مؤسسات قادرة على الاستمرار بعد مغادرته، لا بما جمع حوله من المصفقين.

فالإصلاح الإداري ليس مجرد تغيير في الهياكل والمسميات، وإنما إصلاح في فلسفة الإدارة نفسها؛ في اختيار القيادات، وتوزيع الصلاحيات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحرير المؤسسات من ثقافة المجاملات والخوف من القرار.

إننا نحتاج إلى دولة لا يتعطل عملها برحيل مسؤول، ولا يتقدم فيها إنسان بقوة نفوذه، ولا تتأخر فيها مصلحة مواطن لضعف صوته؛ دولة تستمد قوتها من مؤسساتها، وهيبتها من عدالة قوانينها، وثقة الناس بها من حسن أدائها.

ومن هنا تبرز أهمية أن يكون الميدان حاضرًا في عقل الدولة؛ فالتقارير ضرورية، والأرقام مهمة، لكن الواقع أحيانًا يقول ما لا تقوله المكاتب. والمسؤول الذي لا يعرف كيف يعيش الناس، وأين تتعثر مصالحهم، وما الذي يرهق شبابهم، سيظل يرى الوطن من نافذة مكتبه، لا من عيون مواطنيه.

وليس المطلوب المزيد من اللجان والخطط بقدر ما نحتاج إلى وضوح الأولويات، وسرعة الإنجاز، وقياس النتائج. فما قيمة مشروع لا يخلق فرصة عمل، أو قرار لا يختصر معاناة مواطن، أو مؤسسة تتسع إدارتها وتتراجع خدماتها؟

وفي الاقتصاد، لا تكفي الإشادة بالمشاريع الكبرى دون النظر إلى أثرها في التشغيل والإنتاج، ونصيب المحافظات من التنمية. فالتنمية الحقيقية ليست أرقامًا تتباهى بها التقارير، بل حياة تتحسن، وشبابًا يعملون، وأسرًا تطمئن إلى غدها.

وحين جعل جلالة الملك الأمن المائي أولوية وطنية، فقد وضع أمامنا قضية تتجاوز الخدمات إلى صميم الأمن الوطني. فالمياه مسؤولية دولة وأجيال، تتطلب تخطيطًا استباقيًا، وحماية للموارد، وكفاءة في الإدارة، ووعيًا بأن ما نهدره اليوم قد يحتاج إليه أبناؤنا غدًا.

وفي محيط إقليمي مضطرب، تتأكد حقيقة أخرى؛ أن الأمن الوطني منظومة متكاملة، تسند فيها قوة الجيش والأجهزة الأمنية جبهة داخلية متماسكة، واقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات تحظى بثقة المواطنين.

ولعل دماء شهداء الكرك، التي حضرت في خطاب الملك، تذكرنا بأن الإرهاب لا يستهدف الأرواح وحدها، بل يسعى إلى ضرب الثقة وتمزيق النسيج الوطني. وهنا تتجلى قيمة الوعي الأردني الذي يعرف كيف يختلف دون أن يتفرق، وكيف يواجه المحن دون أن يفقد بوصلته.

ومن الكرك إلى فلسطين والقدس وغزة، بقي الموقف الأردني ثابتًا على مبادئه، وهو ما أكده جلالة الملك بقوله: «كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي». وفي هذه الكلمات معنى يتجاوز تعاقب الأجيال إلى استمرارية نهج الدولة وثبات مواقفها تجاه قضايا أمتها.

وفي الشأن الداخلي، جاءت رسالة الملك بشأن مشروعية التداول بالشأن العام لتؤكد أن قوة الدولة لا تتعارض مع اتساع مساحة الرأي، بل تتعزز به. فليس كل ناقد خصمًا، ولا كل مصفق محبًا، وقد تكون كلمة صادقة تكشف خللًا أبلغ في خدمة الوطن من عبارات الثناء.

والدولة الواثقة تسمع ما لا يعجبها، وتراجع ما يحتاج إلى مراجعة، وتدرك أن احترام الناس لا يُفرض بالتعليمات، وإنما يُكتسب بالعدل والإنجاز.

وهنا تبدأ مسؤولية الحكومة ومجلس الأمة وسائر المؤسسات؛ فالحكومة مطالبة بالإنجاز، والمجلس بالتشريع والرقابة، والجامعات بإعداد العقول والكفاءات، والقطاع الخاص بالإنتاج والاستثمار المسؤول. أما المواطن، فهو شريك في احترام القانون وحماية المال العام وصيانة وحدة المجتمع.

وما أحوجنا إلى أن تصبح نتائج الأداء المؤسسي معيارًا واضحًا للمساءلة؛ فلا يُكتفى بعدد القرارات والمشاريع المعلنة، وإنما يُنظر إلى جودة الخدمات، وكفاءة الإنفاق، وفرص العمل المستحدثة، ورضا المواطنين.

إن بناء الدولة لا يحتاج إلى مسؤولين يتقنون وصف المشكلات بقدر حاجته إلى رجال يمتلكون القدرة على حلها، ولا إلى من يجعلون المؤسسات تدور في فلك أشخاصهم، بل إلى من يبنون مؤسسات تبقى قوية بعد رحيلهم.

وأعود بالذاكرة إلى ذلك المشهد المهيب في السابع من شباط عام 1999، يوم وقف الملك عبدالله الثاني أمام صورة والده الراحل، الحسين الباني، وقفة وفاء وإجلال. مضت السنوات، وتعاقبت الحكومات والمجالس والرجال، وبقيت الأمانة ذاتها؛ وطن يستحق الوفاء، ودولة تستحق العمل، وأجيال تنتظر منا أن نترك لها ما هو أفضل مما ورثناه.

ولهذا فإن الوفاء الحقيقي لخطاب العرش لا يكون بحرارة التصفيق تحت القبة، وإنما بحسن العمل خارجها؛ في حكومة تنجز، ومجلس يراقب، ومؤسسة تنصف، ومواطن يشعر أن الدولة تعمل من أجله.

ولعل أعظم ما يتركه المسؤول بعد رحيله ألا يشعر الناس بغياب سلطته، بل يبقى أثر عدله وعمله في المؤسسة التي خدمها.

فالمناصب زائلة مهما علت، والرجال عابرون مهما امتدت بهم السنوات، أما الوطن فباقٍ، والتاريخ لا يحفظ للرجال ما أخذوه من أوطانهم، وإنما ما قدموه لها.

وما أحوج الأردن إلى رجال لا يبحثون عن مكانتهم في الدولة، بل عن مكانة الدولة بين الأمم؛ رجال يليقون بالوطن، لا وطن يُفصَّل على مقاسات الرجال.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم