د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: هُبّوا إلى الميدان !

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11992
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: هُبّوا إلى الميدان !
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

جلست مع كثير من المسؤولين، وتحدثت معهم في شؤون الإدارة والناس، وخرجت بانطباع أن أكثرهم حكمة ودراية بمؤسساتهم هم أولئك الذين يعرفون الميدان، ويجلسون إلى موظفيهم على اختلاف مواقعهم، ويستمعون إلى ما لا تقوله التقارير.

ولاحظت أمرًا آخر؛ فقد يكون المسؤول طيب القلب، مخلصًا في عمله، محبًا للناس، ومع ذلك يكون عرضة للتضليل، لا لضعف فيه، وإنما لأنه يرى مؤسسته بعيون الآخرين، ويسمع عنها أكثر مما يسمع منها!

فالتفويض الإداري ضرورة، بل هو من علامات الإدارة الناضجة، ولكن ثمة فرقًا بين تفويض الصلاحيات وتفويض المعرفة. وقد تنتقل معلومة من موظف إلى رئيسه، ومنه إلى مديره، حتى تصل إلى المسؤول الأعلى وقد فقدت شيئًا من حقيقتها، أو اكتسبت تفسيرًا يخضع لفهم ناقلها، وربما لمصلحته. والأخطر أن المسؤول البعيد عن الميدان قد تصله المعلومة صحيحة، لكنه يعجز عن ربطها بغيرها وتحويلها إلى قرار إصلاحي؛ لأنه لا يعرف تفاصيل المشكلة ولا جذورها.

وهنا تكمن المفارقة؛ فقد يمتلك المسؤول سلطة القرار، ولا يمتلك المعرفة الكافية لاتخاذه.

ولدي ملاحظة على جهازنا الإداري الحكومي تستحق التأمل. فما أكثر المسميات، وما أكثر المديريات والأقسام والشُّعب والوحدات! ونحن مع تطوير المؤسسات وتوسيع خدماتها، ولكن هل تتناسب هذه الهياكل دائمًا مع حجم العمل وعدد الموظفين؟ وهل تحتاج كل مهمة إلى مديرية، وكل اختصاص إلى قسم، وكل نشاط إلى وحدة مستقلة؟

ليست المشكلة في كثرة المسميات وحدها، وإنما في تداخل الصلاحيات وتعدد المرجعيات. وحين تتداخل الاختصاصات تتوزع المسؤولية، وحين تتوزع المسؤولية على نحو غير واضح قد يترك الجميع ما يفترض أن ينجزه أحدهم، حتى تصبح المهمة التي يتقاسمها الجميع مهمة لا يسأل عنها أحد!

وليس المطلوب تقليص الجهاز الإداري لمجرد التقليص، أو الاستغناء عن الكفاءات، وإنما إعادة النظر في فلسفة التنظيم نفسها. فالمؤسسة لا تُقاس قوتها بعدد مديريها، بل بقدرتها على الإنجاز، ولا يُقاس نجاح المسؤول بعدد الاجتماعات التي يعقدها، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس.

ولعل من المفيد أن تبدأ الحكومة بمراجعة هادئة وشاملة للهياكل التنظيمية، تقيس فيها نسبة الوظائف الإشرافية إلى الوظائف التنفيذية، وحجم العمل الفعلي لكل وحدة، وتحدد مواطن الازدواجية وتداخل الصلاحيات. فما تشابه من اختصاصات أمكن دمجه، وما غمض من مسؤوليات وجب توضيحه، وما ثبتت الحاجة إليه استحق الدعم والتطوير.

وأقترح أن تكون لكل خدمة حكومية جهة واضحة تتحمل مسؤولية إنجازها، حتى وإن شاركت في تقديمها جهات متعددة؛ فلا يضيع المواطن بين المكاتب، ولا تضيع المساءلة بين التواقيع.

أما المسؤولون، وزراء كانوا أو مديرين، فليجعلوا للميدان نصيبًا ثابتًا من وقتهم، لا في الزيارات البروتوكولية وحدها، بل في لقاءات مباشرة مع العاملين ومتلقي الخدمات، بعيدًا أحيانًا عن حضور الرؤساء المباشرين، وفي أجواء تسمح للناس بالحديث دون حرج.

فقد يعرف موظف الاستقبال ما لا يعرفه مديره عن معاناة المراجعين، ويعرف الفني ما لا يظهر في تقارير الصيانة، وقد يحمل موظف بسيط فكرة توفر على المؤسسة مالًا وجهدًا ووقتًا.

ولا يعني ذلك تجاوز التسلسل الإداري أو التشكيك في المديرين، وإنما تنويع مصادر المعرفة، والتحقق من المعلومات، وحماية القرار من أن يصبح أسير رواية واحدة.

ولعل من الحكمة أيضًا أن تقيس الحكومة نجاح التحديث الإداري بمؤشرات يلمسها المواطن؛ كاختصار زمن المعاملات، وتقليل حلقات الموافقة، ووضوح المسؤوليات، وجودة الخدمة، بدل الاكتفاء بتغيير الهياكل والمسميات.

إن الأردن يمتلك كفاءات وخبرات تستحق أن يُستفاد منها، ولا يحتاج تطوير الإدارة دائمًا إلى موازنات إضافية، فقد يبدأ الإصلاح بسؤال جيد، أو بملاحظة صادقة، أو بإعادة توزيع مسؤولية ضاعت بين مديريتين.

وأختم بنصيحة لكل مسؤول: فوّض الصلاحيات، ولكن لا تفوّض عينيك وأذنيك. ثق بمديريك، ولكن لا تجعلهم مصدرك الوحيد للحقيقة. واستمع إلى موظفيك جميعًا؛ فالحكمة لا تقيم بالضرورة في المكاتب العليا.

فالميدان ليس مجرد مكان تُنفذ فيه القرارات، بل هو المكان الذي تُختبر فيه صحتها، وتظهر فيه عيوبها، وتولد منه أفكار إصلاحها.

وإذا كانت القيادة تمتلك سلطة القرار، فإن الميدان يمنحها المعرفة التي تُحسن بها اتخاذه.

هبوا إلى الميدان، واستمعوا إلى الناس، واستمعوا إلى الميدان؛ فالميدان عقل الدولة، ومن يعزل القرار عن الميدان يحرم الدولة من بعض عقلها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم